📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 77 من 77 — فهرس الكتاب
وأنا في اللحظات الأخيرة لهذا الكتاب وربما في حياتي يؤسفني أن أقول أنني لم أتصور يوما أن أكتب ما أكتب الآن، لقد كنت معتقدا قبل اليوم أنني سأكتب في معاني الايمان والتربية، أو ربما سأكتب في البديل الديمقراطي لبلداننا العربية، أو ربما سأكتب في القانون، أما الكتابة في التنظيم والثورة على التنظيم فلم تكن أبدا ضمن مشروعي التدويني في يوم من الايام، ولم أفكر فيها قبل أن يهجم علي الموضوع، وأنا أكتب هذه السطور كانت تهجم علي الكلمات ضاغطة وتتساقط علي الافكار كالمطر، وكم من الافكار أفلتت مني ولم اسطع قيدها بالقلم، وكم من المحاور حذفتها لأن الصفحات تجاوزت الحد المألوف، وكم من الموضوعات جاءتني ليلا فلما أصبح الصباح تبخر متنها.
لقد خططت هذه الكلمات أحيانا بدموعي التي كانت تسقط على لوحة المفاتيح، ورتبتها تارة أخرى وأنا غائب في عالم آخر حتى إذا استفقت وجدت الصفحات مليئة بالجمل المبعثرة، ولذلك فإن ما يميز هذا الكتاب عن باقي مطبوعاتي القانونية هو عنصر الوجدان، فالمطبوعات القانونية الكثيرة التي جمعتها كنت أكتبها بعقلي، أما هذا الكتاب فقد كتبته بقلبي الجريح ووجداني الحزين، لقد أطلقت العنان للنفس الجريحة تعبر عن خلجاتها بكل حرية وأنا أعرف جيدا أن الكتابات القلبية قد يتبعها إشكالات قانونية واجتماعية خطيرة، لكنني فضلت الانتحار على الملأ على التعفن في الزاوية.
أولا الموت لا يعني لي شيئا سوى الانتقال من حالة سجن وكدر بشري إلى حالة انطلاقة روحية لا حدود لها، ثانيا اللسان الذي تحدثت به ليس لساني بل لسان العشرات من المقتولين ومئات الجرحى على طريق التنظيم، إن ما قلته هو نفسه ما يقوله المئات غيري وربما الالاف من الذين عانوا نفس معاناتي وشربوا من نفس الكاس التي شربت منها، وربما هناك فظاعات أخرى لم تسنح الفرصة للحديث عنها لضعف السند فيها، ثالثا لست من كتب الكتاب بل كنت أحس دائما بقوة قاهرة تضغط علي وتملي علي كل كلمة أكتبها، فكان يكفي أن أحمل القلم حتى تنهال علي الافكار كالمطر، فيوضات عارمة من الكلمات لا يمكن وقف تدفقها، فلم أجد اي جهد أو تعب بل كنت أرتاح وأنا اسطر السطور واقلب الصفحات، راحة قلبية ونفسية وعقلية ومتعة فكرية كنت أجدها وأنا خائض في موضوعات تتفتق كل يوم عن أفكار جديدة، ولذلك فإن الفيض الفكري الذي أجده لن يتوقف في هذا الكتاب بل سيستمر حتى القى الله وقد قلت كل ما عندي.
لست أدري لم التنظيم كان يحرمني دائما من الكتابة والتعبير، وقد كان هناك مجلس للكتبة، وكان يُستدعى أعضاؤه لحضور لقاءات دورية لتوحيد الصف التأليفي، وكنت دائما ممنوعا من حضور هذا اللقاء، ربما تفطن مسؤولو التنظيم مبكرا إلى أنني لن أكتب ما يرضيهم، وربما كانوا يعرفون أنني لا أباع ولا أشترى، رجل حر وقلم أكثر تحررا.
لقد علمتني التربية الايمانية أن لا أركع إلا لله، وأن لا أحب إلا لله، وأن لا أفعل إلا ما يرضي الله، وأكثر ما يخاف التنظيم هم رجال التربية الايمانية الذين لا يخشون الا الله، لا يحبهم لأنهم يقلمون أظافر طغيانه، يواجهونه بحقارته، ويمتنعون عن مشاركته جرائمه، وأفضل من يقربهم التنظيم إليه أولائك الذين لا كرامة لهم، الذين يباعون ويشترون بالمناصب الفارغة ومديح الكلام التربوي، الذين ينفذون أوامره دون تفكير، يحبونه فقط لأنه يمتلك السلطة.
لقد كان التنظيم فكرة، مرحلة، وسيلة، واليوم هو أقرب إلى الطاغوت، أقرب إلى الالة التي تصنعها بيديك ثم تطحنك، فضروري أن يعاد النظر في تصميم هذه الآلة وسائقيها، ضروري أن يعاد صُنعها من جديد بما يحفظ كرامة المستخدمين وشرعية الاهداف المتوخاة منها، لقد دمر التنظيم قلوب المؤمنين، وحياة كثير من الطيبين، وانتج لنا جيلا من المرضى النفسانيين الذين قام التنظيم بتعذيبهم تعذيبا وحشيا، وما كان هذا الهدف المنشود من بناء التنظيم، لم يكن يراد بالتنظيم أن يأكل أبناءه، ولم يكن مرادا به أن يقطف رؤوس رجالات التربية والجهاد والبذل، لقد خرج قطار التنظيم عن سكته المرسومة، وراح إلى جنان المؤمنين يحطم أزهارها ويدنس ورودها.
لست أرجو من التنظيم أن يستمع إلى كلامي، ولا أنتظر منه ذلك، فأنا أعرف طغيانه وحقارته وتجبره، ولو سنحت له الفرصة ليذبحني لفعل، لقد حاول كم من مرة أن يذبحني بوسائله الباردة ولم يفلح، لقد كانت العناية الالاهية دوما بجانبي وستبقى بجانبي، كما أنني أقولها بصريح العبارة، لو سنحت لي الفرصة لذبحت هذا التنظيم من الوريد إلى الوريد، لذبحته تنظيميا بتفكيك أجهزته الشيطانية وهيئاته المخترقة، أما الاشخاص فلست أحمل لهم إلا المحبة والتقدير، أعرف أن الكثير منهم مغفل مغلوب، ومنهم من يملك المال فهو مدلل التنظيم، ومنهم من يملك الوظيفة فالتنظيم يقربه، ومنهم من يركع فلا يحس بحرارة الطغيان، ومنهم الطيبون الذين ضحك عليهم التنظيم بابتساماته الصفراء، إنهم لا يعرفون جرائمه، يخفيها عنهم ويفصل كل من يتكلم عنها، ومن يتكلم بعد الفصل من خارج الاسوار لا يسمع له.
أما أولئك الذين سهروا على تعذيبي فإنني أقولها لهم صراحة، لقد كنت سابقا أتمنى أن أذبحكم بيدي، كنت أتمنى أن أقطعكم أربا وأطعم لحومكم النتنة للكلاب، لكن حظكم عظيم، التربية الايمانية التي تلقيتها من الرجال أهل الله تمنعني، تقف حائلا في طريقي، المحبة التي أكنها لأولياء الله تقول لي اصبر حتى تلقانا، وإني لا أتقي بالعفو حر جهنم، بل أتقي كسر خاطر الراحلين الذين أوصونا أن لا يضرب البعض منا بعدهم رقاب بعض، إنني أقول لهؤلاء الحثالة الذين عذبوني وحرصوا على قتلي وتحميقي وتشويهي والزج بي في السجن وتشتيت بيتي وفعل كل ما يؤذيني، " لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ، إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" [1].
هذا أول كتاب لي، وسأنطلق بحول الله في مسيرة التأليف والكتابة، لقد أجملت الكثير من المفاهيم بين هذه السطور، لكنها مجرد آهات وصرخات مكلومة تريد أن تخرج، على أنني في قابل الكتب سأحاول أن أعالج بعض القضايا معالجة أكاديمية، بمنهجية علمية غير أدبية، بمعلومات وأرقام دقيقة، وربما أكتب بأسلوب قصصي وقائع بعينها في قالب درامي بشخصيات حقيقية وبأسماء مستعارة.
لو كان حمل السيف مجديا لحملته، لكني حملت قلمي، أكتب بمداد دمي، وأخط الكلمات بأنامل قلبي، لا يهمني من رحب أو أنكر، ولا أعبأ بمن صدق أو كذب، إنني صادق في كل ما أكتب، فـقلم المعاناة لا يكذب، ومداد المحبة لا يخطئ، حتى إذا سنحت الفرصة فالسيف خير من يعالج الرؤوس اليانعة.
ستبقى كلماتي خالدة في ضمير الصادقين الذين يحملون الخير في قلوبهم للناس، ستبقى ذكراي خالدة في قلوب المحبين المحبوبين الذين أحبونا وأحببناهم، ستبقى كلماتي شوكة في حلق الشياطين الذين تسللوا إلى جماعة المؤمنين وأثخنوا الصالحين بالقتل، لا راحة لي حتى يستقيم خط الدعوة على المنهاج النبوي أو أهلك دون ذلك مع المؤمنين الهالكين، إنه إما النصر وإما الشهادة، ولا حياة نرجوها في الذل والقهر والتعذيب والتنكيل التنظيمي، نحن رجال لم نخلق للذل والعبودية بل خلقنا لنكن أحرارا مُحررين، نخرج الناس من عبادة العباد الى عبادة رب العباد، ولا نخرج الناس من عبادة رب العباد إلى عبادة التنظيم.
فوزي أكريم
📌 الهوامش
- [1] المائدة، الآية 27
◀ الفصل السابق: العقبة الجماعية
اترك تعليقاً