فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الاستقطاب التنظيمي والاستقطاب الدعوي

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 18 من 77 — فهرس الكتاب

حياة التنظيمات في عملية الاستقطاب، فهي الرحم التي يولد منها كوادر التنظيم وأعمدته، هذا الاستقطاب له طرق عديدة، وله نتائج متعددة، له طرق سليمة وأخرى مغشوشة، له نتائج حميدة وأخرى كارثية، فالاستقطاب عملية فكرية تستهدف عقول وقلوب الفئة المستهدفة والمعنية والمناسبة للتنظيم، عملية يمارسها الجميع بدون استثناء، كلٌ بطرقه الرحمانية أو الشيطانية، الفكرية أو القلبية، وبقاء التنظيم رهين بنجاح عملية الاستقطاب وإلا فهو الموت الدعوي والسياسي المحتم لهذا التنظيم.

قبل الغوص قليلا في مفهوم الاستقطاب [1]، طرقه ونتائجه، أنواعه ووسائله، لابد أن نشير إلى أن الاستقطاب ليس بالضرورة أن يكون موجها للأفراد، فالتنظيم قد يكون بأكمله معرضا للاستقطاب، سواء من تنظيمات أخرى أو من النظام الحاكم أو من الدول الخارجية أو المنظمات الدولية، بل إن الدول بأكملها معرضة للاستقطاب السياسي والاقتصادي والمذهبي، فالقوى القوية دائما تتميز بمغناطيسية تجذب إليها العناصر الضعيفة، سواء على مستوى الافراد أو التنظيمات أو الانظمة، هو ناموس إلاهي نجده حتى بين الاجرام والكواكب والمواد، فالكواكب ذات الكتلة الكبيرة لديها قوة مغناطسية تجذب إليها الكواكب الأخرى الأقل كتلة [2]، فتجعلها أقمارا في فلكها، ثم تتمركز الشمس بقوة كتلتها جامعة حولها كل المجرة [3]، هذا يدور حول ذاك، وكذلك بين التنظيمات والافراد، فالتنظيم يستقطب الفرد لأنه أقوى منه، والنظام يستقطب التنظيم لأنه أقوى منه، والدول القوية تستقطب الانظمة، والتكتلات الاقتصادية والعسكرية العظمى تستقطب الدول الكبرى [4].

لندع فقهاء العلاقات الدولية يناقشون استقطاب الانظمة والدول، ولنكتف بدراسة عملية استقطاب الافراد، وكيف يقوم التنظيم الاسلامي بالخصوص بـهذه العملية، وما هي أنواعها وما هي آثارها عليه، ثم لننتقدها قليلا.

يراهن التنظيم الاسلامي كثيرا على الشباب، ينافسه في ذلك النظام والفرقاء السياسيون والتنظيمات الاخرى، وعملية الاستقطاب أشبه بعملية حرب نفوذ على الافراد، حرب ليست وقتية بل دائمة، فالعضلات السياسية أساسها نجاح عملية الاستقطاب، خاصة تلك الموجهة إلى الفئة الأكثر عطاء ونشاطا وحركية، الشباب ومن تحتهم من الفئات الصغرى، لكن بالدرجة الاولى الشباب ما بين 15 و 35 سنة، والتنظيم يبذل مجهودات كبيرة في سبيل تكثير الصف بالعناصر الشابة حيث يدخل الغمار بمنطق الاستثمار، فهو ينفق في البداية من جيبه، ثم يستنظر الثمار لاحقا، وإذا كان الوافد الجديد لا يأتي دائما بما يحبه التنظيم فإن هذا الأخير لا يُفرط في أحد، فلكل شخص مكانه إما في المحرقة السياسية أو في المناصب التنظيمية المهمة، لكن التنظيم يُفضل عادة الشباب الناجح لأنه يريد الربح السهل، فهو لا يجلب الشباب المهلوك الذي يصفه بالمتردية والنطيحة وما أكل السبع، بل يركز جهوده على الشباب الذي تلقى تربية جيدة في بيت والديه والشباب الناجح في دراسته والشباب الواصل إلى وظيفة مستقرة، هذا كله ربح في ربح بالنسبة للتنظيم، وقد يصيده بوسائل بسيطة غير مكلفة باستخدام صنارة الدين الملغمة بطعم الولاية أو بشبكة دولة الاسلام القادمة.

على أن الصنارة الدينية والشبكة السياسية وسائل مشروعة لصيد الناس لو كان الصياد صادقا.

الاستقطاب يقصد به نوعان من الاستقطاب، الاستقطاب الجماهيري أو السياسي، ثم الاستقطاب الدعوي أو التربوي، وإذا كان كلاهما يصب في الاخر، فإن أغلب الاستقطاب الذي توجه إليه كل الجهود هو الاستقطاب السياسي، بمعناه الفكري والحركي، أما الاستقطاب الدعوي فهو أكثر صعوبة كونه يتطلب قدرات تربوية عالية في التنظيم لا يتوافر عليها جميع مسؤولي التنظيم وأعضاؤه، فيكون الاستقطاب السياسي أسهل، ثم إن الاستقطاب الدعوي يتطلب محاضن تربوية ساخنة وقوية ومتابعة توجيهية مستمرة وجهود مضنية روحيا وماديا لا يقدر عليها سوى أولياء الله والصابرون من عباد الله، فالدعوة بالأساس موجهة إلى اصحاب القلوب الراغبة في معرفة الله، ثم هناك دعوات أقل همة توجه إلى الراغبين في تحسين أخلاقهم وعباداتهم ومظاهر لباسهم، لنقل الدعوة الى الالتزام بظاهر الشريعة الاسلامية من شكليات الاسلام وبعض معانيه السامية التي لا ترقى إلى معفرة الله، أما الاستقطاب السياسي فغايته التجنيد السياسي للضرب عن طريق الانزال في الساحات إبان الثورة والانقضاض على السلطة أو ساعة الانتخابات والتدافع على السلطة من داخل اللعبة.

لقد مارست الاستقطاب سنين طويلة بشقيه السياسي والدعوي ومورس علي أيضا، ولم يستقطبني سوى تنظيم جماعة العدل والاحسان، لقد أمسك بي بكليتا يديه السياسية والتربوية، فقضيت فيه سنوات طويلة، لم أعرف غيره حتى بلغت الاربعين فأراد أن يذبحني مسؤولوه ففررت منهم لما خفتهم، ولست نادما على مراهقتي وشبابي الذين قضيتهما في حضنه، ذلك أنني تشرفت بصحبة الكثير من الصالحين فيه، والحق يقال، جماعة العدل والإحسان في أصلها جماعة خير وإحسان وصدق مع الله، ومؤسسها الأستاذ عبد السلام ياسين من خيرة عباد الله، وأخواه في الله والطريق سيدي محمد العلوي السليماني وسيدي أحمد الملاخ من النوادر في هذا العالم من الرجال الذين حازوا القلب الكبير والنور الظاهر والصدق في القلب واللسان.

لكنني لم أكن لأركع لتنظيم مسؤولوه من الذئاب الملتحية، فقد علمني المصحوب أن لا طاعة للزبانية الظالمين، لقد أرادوا إذلالي فاخترت الموت واقفا على الحياة مذلولا.

مرحلة الاستعباد تأتي بعد مرحلة الاستقطاب بسنين طويلة، فبعد أن يمتص التنظيم دمك وشبابك، يريد أن يُركعك تركيعا، فـإما أن تكون عبدا للتنظيم أو تموت وتندثر في هدوء، ثم هات ما عندكِ أيتها الاجهزة من وسائل وبرامج لاستقطاب التلاميذ، يصيح المسؤول في أعضاء التنظيم: نريد التلاميذ، نريد بيتا ودرسا وحلوى وابتسامة على الباب، وفي الجهة الاخرى من الدائرة السياسية نريد كأس شاي في مقهى خمسة نجوم مع موسيقى راقية وربطات عنق أنيقة وبريستيج في الكلام وحركات منمقة ولباس عصري وسيارات فارهة في الموقف، يحضر فقط نوع خاص من الاخوان حليقي اللحية اصحاب الصوت المخنث ليبدو التنظيم حداثيا جميلا، ومن كان متمسكا بلحيته فلينتقص منها ويرسمها بدقة، حتى هذا النوع من الاستقطاب السياسي يسميه التنظيم دعوة، لكن الأمر فيه نوع من المغالطة المفاهيمية.

الدعوة في الأصل هي كلمة تعني في حقيقتها الدعوة إلى الله، فالدعوة التي لا تكون إلى الله لا يمكن تسميتها دعوة إلا من باب الاستقطاب، فالجملة الكاملة لكلمة دعوة هي "الدعوة إلى الله"، هذه الدعوة لا يمكن أن يحتكرها تنظيم معين، فالدلالة على الله حرفة الواصلين إلى الله وليست حرفة التنظيمات السياسية، بينما الدعوة إلى دين الاسلام مهمة جميع المسلمين، بلغوا عني ولو آية، أما الاستقطاب السياسي فهو دعوة إلى برامج سياسي مُعين [5] وليست دعوة لا إلى الله ولا إلى الاسلام حتى، لنكن صرحاء، هي دعوة سياسية ولا داعي للركوب على الاسلام.

في التنظيم الاسلامي تختلط كل هذه الامور، فهذا مُستقطب من باب طلب وجه الله، وذاك دخل من باب السياسة والاخر ولج من باب الالتزام الاسلامي والتميز عن المجتمع، هكذا يدخل الناس التنظيم الاسلامي من كل باب أو هو يدخل عليهم، من أبواب متفرقة ولا يدخل عليهم من باب واحد، فيقع أن يتحصل لديه خليط من الناس داخل نفس الجسم التنظيمي، يحاول ولي الله لفت الانتباه إلى الله وشحذ همم الجميع على طلب وجه الله، بينما يحاول التنظيم صهر الجميع في بوتقة السياسة ويحرص كل الحرص على دمج عناصر الاستقطاب في الهياكل والمؤسسات التنظيمية بشكل من الاشكال ليتشعب أكثر ويتكاثر أكثر ويتغلغل أكثر، فيـقع أن تحصل شبه حرب باردة بين ولي الله والتنظيم، ولي الله يجذب نحو الله والتنظيم يجذب نحو الأرض والمؤسسات، وقد يُطعن في هذه الحرب الباردة الولي المرشد إذا لم يحسن اللعب مع أفاعي التنظيم.

نرجع ونقول بأن الدعوة إلى الله ليست حكرا على شيخ معين ولا على تنظيم معين، كون هذا التنظيم وشيخه وجميع التنظيمات وشيوخها ليسوا سوى طوائف من المسلمين وليسوا جماعة المسلمين، والتنظيم مهما بلغ عُدة وعددا لا يمكن أن يصل إلى حجم وقوة جماعة المسلمين، فالأمة الاسلامية أكبر من كل تنظيم وأقوى من كل شيخ، الأمة هي الأصل وهي صاحبة السيادة، والدعوة إلى الله متاحة للجميع وليست حكرا على أحد لكن كل وما يدعو إليه، كل يدعو إلى ما عنده أو إلى ما ليس عنده حسب علمه وفهمه وهمته وقدرته على التبليغ، وعندما تختلط الدعوة إلى الله بالتنظيم السياسي نُصبح أمام برامج سياسية ممتزجة بالدعوة، دعوة مختلطة بسياسة، ويصبح المدعو إلى الله فاعلا سياسيا بامتياز، من حيث يدري أو لا يدري أو ظانا من نفسه أنه يدعو إلى الله عن طريق نجاح برنامجه السياسي.

صحيح أن الدعوة إلى الله بالمفهوم الشامل لا يمكن أن تكتمل إلا بالدعوة إلى إقامة نظام سياسي قائم على أسس البيعة الحرة والشورى والعدل والقانون والمؤسسات، فاستقرار النظام الاسلامي وحصول الاسلام على دولة من أوسع أبواب الدعوة إلى الله، وهو حق مشروع بل واجب آكد، لكن التنظيمات الاسلامية تختلف من حيث المدخل الحركي المؤدي إلى تغيير الواقع السياسي والولوج إلى عهد الخلافة، هذه الخلافة ليست سوى خلافة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وبذلك فالنظام السياسي للخلافة هو نظام يجمع جميع أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت راية خليفة رسول الله، الرجل المقتفي لأثر رسول الله، الرجل الذي شريعته هي شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم شكلا وروحا.

لكن الاختلاف بين التنظيمات الاسلامية شديد ويصل إلى حد الطعن في النوايا والشيطنة والتكفير، فتنظيم العدل والاحسان الذي نشأت في حضنه وأعرفه جيدا لا يفوت مثلا فرصة للنيل من العدالة والتنمية إلا واستغلها، يرصد كل حركاتها بدقة وصفحات أعضائه على مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالاستهزاء والسخرية والطعن في نوايا الحركيين داخل هذا التنظيم المنافس، وقد يصل في صفحات بعضهم إلى حد التخوين، وفي نفس الوقت نفسه أعرف أن كثيرا من العناصر القيادية في تنظيم العدل والاحسان ترصد نجاحات العدالة والتنمية في المجال الاجتماعي والتأطيري والسياسي والتدبيري بكثير من الاهتمام ومستعدة للدخول في اللعبة السياسية لو رفع النظام من الثمن قليلا، بل وتعبئ لذلك داخليا على حذر وتحاول إقناع محيطها التنظيمي والسياسي بذلك عندما تكاد توقن بفوات الفرصة السياسية وتحقق البوار السياسي، على أن هناك نُبوءة قديمة تقول بتلاقي التنظيمين في مرحلة لاحقة من الزحف، مرحلة تحصل فيها العدل والاحسان قدرا من السلطة وتكون للعدالة والتنمية خبرة كبيرة في تسيير المؤسسات.

نفس الامر مع البوتشيشية، فالبوتشيشية في نظر تنظيم جماعة العدل والاحسان عملاء للسلطة، ضعاف الهمة لما قصروا همتهم في الشطح ولا يصلوا إلى مقام الثبات والجمع بين التصوف والسياسة، بمعنى أن أعضاء تنظيم جماعة العدل والاحسان متفوقون تربويا بما أنهم جمعوا بين التصوف والسياسة، جمعوا بين الدين والدولة، فهم ينظرون إلى دراويش البوتشيشية من منظور الشفقة والتنقيص والاحتقار، وكل من يقترب من البوتشيشية بصفة خاصة والصوفية بصفة عامة يتم فصله فورا بدون رحمة من التنظيم لكأنه تعامل مع اليهود حتى أنك تخاف أن تقترب من بوتشيشي أو تدخل بيته أو تجلس في تكيته.

أما السلفيون فهم في نظر التنظيم وهابية عملاء أمريكا جملة وتفصيلا ويهود وإسرائيليون وصناعة ماسونية ولا نقاش، فقههم متشدد موروث عن الانتداب البريطاني والاختراق الامريكي وفتاوى ابن تيمية وقد تجاوزه الزمن، لباسهم تخلف، عطورهم نتن، حرصهم على الشريعة غلو، اعتمادهم على ظاهر السنة تحجر، مواظبتهم على الصلاة في المسجد نفاق وإسلام شكلي فارغ، طاعتهم لولي الأمر خنوع، خروجهم عليه بالسيف إرهاب، فهم في جميع الأحوال ناقصون متخلفون بغال عملاء إسرائيل.

أما التقدميون المنخرطون في الاحزاب السياسية فهم سكارى وزنادقة يجب أن نصبر عليهم وننسق معهم ونمد لهم يد التشارك ونقنعهم بالميثاق الاسلامي وإذا لم يقتنعوا فنمد إليهم الميثاق الوطني البريء من الاسلام، حتى إذا دخلنا اللعبة انقلبنا عليهم في إطار السياسة الميكيافيلية والحكمة تقتضي ثم نصل إلى الحكم ونعلنها دولة إسلامية قطرية ونصفي الكافرين السكارى الذين نسقنا معهم ونقصيهم من السلطة كما هي عادتنا في فصل كل مخالف، ثم نجمع باقي الاقطار الاسلامية أو اثنين منها ممن أعطونا البيعة لأننا جامعون بين التربية والتنظيم ولنا شيخ وليس لهم شيخ ثم نعلنها خلافة راشدة على منهاج النبوة، فيطيعنا جميع الاسلاميين ويسلموا لنا قيادة الخلافة ثم ننتصر على العالم.

الخرافة في أبهى حللها، هراء تنظيمي يبثه التنظيم بين صفوفه، ولذلك يمكن القول أن تقديس الذات من كوارث التنظيم، وهو مرض تنظيمي وفكري وتربوي عضال، حتى داخل التنظيم فالمسؤول أكثر فهما وصلاحا، والمسؤول الأقل منه مرتبة أقل فهما وأقل صلاحا، وليس تقديس الذات وحده الآفة التي يلام عليها التنظيم بل الكارثة الاكبر هي تأسيس المجد على أشلاء الاخرين، فالتنظيم يقدس نفسه وينال من شرف التنظيمات الاخرى ليضمن الاستقطاب، والمسؤول التنظيمي يقدس نفسه وينال من سمعة المنافسين ليضمن المسؤولية، معنى ذلك أن المجد التنظيمي يتأسس على قدمين، هما تقديس الذات وتشويه الآخر.

لو كان التنظيم على سنة التنظيم النبوي في محجته اللاحبة، أخويا لا يفصل أحدا من رجالاته، لقلنا إن الله لا يعجزه شيء ومن الممكن أن يحقق لهذا التنظيم طموحاته الاستخلافية والاحسانية، لكن مع سياسة الفصل والمصلحية يمكن القول أن هذه الطموحات مجرد هراء وكلام لا أساس له، الفتح الاسلامي العالمي يتطلب رجالا ربانيين نسخة كاملة من النموذج النبوي لا نسخة من ميكيافيلي.

الاستقطاب إذن بالمفهوم الضيق عملية تُدخل المستهدف إلى الطائفة الناجية، الطائفة الفاهمة الكاملة الواصلة المجاهدة الجامعة المتميزة عن الناس، الاستقطاب عملية صناعة للذات من جديد، عملية تراتبية كلما تعمقت فيها وقفت على محاور فكرية وتربوية وتنظيمية جديدة، فهي الباب الذي يدخل منه الوافد إلى الآلة التنظيمية ليتشكل وفق النموذج المُعد لذلك، هي عملية في بدايتها أشبه بالصيد قبل الوضع في القالب، فالصياد الفنان هو الذي يصيد فريسته باحترافية دون أن تتفطن لذلك ويضعها في قالب فهمه، لكن أهل الله أيضا يصيدون، يصيدونك بقلوبهم من بحر الغفلة ويدخلونك إلى محمية الذكر، وأهل السياسة يصيدونك بطُعمهم المالي أو السلطوي من محمية والديك ليستنزفوك في لعبة سياسية خطرة، والنظام يستقطب بامتيازاته والتنظيمات السياسية والاحزاب بجميع تشكيلاتها تستقطب وترمي إليك بصنانيرها الملغومة بالمصالح الصغيرة لتغرد للناس بآيات صلاحها، والجميع يمارس معك الاستقطاب، إما إلى رذيلته وإما إلى فضيلته.

نرجع إلى الاستقطاب الذي يمارسه التنظيم الاسلامي باعتباره موضوع حديثنا، هذا الاستقطاب الذي لي معه تجربة طويلة، فمع بداية التسعينات تعرفت على عديد من وجوه العمل الاسلامي في طنجة وأنا حينها تلميذ في الاعدادية، فلمست فيهم طيبوبة ومثالا للأخلاق الطيبة، والحقيقة كانت طيبوبة نابعة من القلب ولم تكن نفاقا كما هو الحال اليوم، كانت إشراقة في حياتي التي أشرقت للتو، على أنني عرفت الاسلاميين قبل ذلك في الثمانينات وأنا طفل صغير، حيث كان يأخذني والدي إلى المسجد الذي كان يعج باللحى الطويلة والملابس الأفغانية والجلابيب الطويلة، كنت منبهرا بهذه الوجوه المتدينة الملائكية، ومع مساعدتي لأبي في المكتبة كنت أطالع العديد من المجلات كمجلة العلم التي كانت تصدر في لندن منبر الأخبار أنذاك والتي كانت تتحدث عن الجهاد الافغاني بتفصيل كبير، فنشأ داخلي طفل إسلامي، كبر هذا الطفل معي، فنشأت محافظا على الصلاة، مبتعدا عن البنات، مستمعا إلى أشرطة كشك، تواقا إلى العمل الاسلامي والجهاد في سبيل الله وقطع رؤوس الكفرة الذين يحاربون المسلمين، أو هكذا كنت أتصور.

كان لا يخامرني شك أنذاك أن الاسلاميين ومظاهر مظلوميتهم تتقاطر علي من كل حدب وصوب أنهم رمز الحق ونموذجه، بينما الأنظمة السياسية القائمة هي رمز الظلم والفرعونية والظلم والقهر والتفقير، ومع مراهقتي في التسعينات كبر الطفل الاسلامي في قلبي، فلم أكن لأجد مكانا لي إلا في صفوف الاسلاميين، فخطفني خطاب العدل والاحسان من بين كل الخطابات الاسلامية لأنه كان أعمق معنى وأقوى منطقا وأقرب إلى طينتي، ومع تلك الوجوه المنورة بدأت مشواري الدعوي والتربوي والسياسي، وكانت أحلى سنوات عمري رغم قسوتها.

لكن يا حسرة على ذلك الجيل، لقد كان الشعلة التي احترقت بعد ذلك لتضيء للأجيال المقبلة طريقها، جيل مرت عليه دكاكة التنظيم فـسوته بالأرض، كان شعلة تربوية وحركية، أحببتها حبا من النظرة الاولى، وكان الجيل الذي قبله جيلا أكثر إشراقة وأكثر عمقا وأشمل فهما، جمعنا الغيب قبل أن تجمعنا الشهادة، فقد خلقنا لبعضنا، وعندما أتحدث اليوم عن منطق الاستقطاب فإني لا أسمي ما حدث لي استقطابا، لقد كان الأمر أرواحا التقت في الله عن سابق قدر الله، قلوب تحابت في الله، لكأن القدرة الالاهية ساقتنا إلى بعضنا في تلك الظروف المكفهرة القاسية، وأسدلت علينا من لباس التقوى وروتنا من سلسبيل الايمان وأشربتنا من رحيق الصحبة النبوية والمحبة في الله.

إن العين لتذرف الآن شوقا إلى أولائك الاحباب، لم يستقطبونا كما يستقطب الان التنظيم البيادق ليحرقها على رقعة السياسة، فتحوا قلوبهم لنا وفتحنا قلوبنا لهم فاستوت على جودي المحبة قلوبنا وعلى صفاء النفس أرواحنا، لم يكن هناك حينها أصلا من شيء يستحق الخداع من أجله، لم تكن المصلحة نعرفها، ولم تكن الطبقية نراها، ولم تكن الخيانة نلمسها، لقد كنا أحبابا في الله، تلاقينا في الله، وافترقنا عليه، ودخل التنظيم الجبار، وإلى يومنا هذا أرى من هؤلاء الطينة من اشتعل رأسه شيبا واغرورقت عيناه من الحزن فهو كظيم، تجعد وجهه وانكمشت يداه وبردت في روحه تلك الحرارة الايمانية، أراهم اليوم كحطام يمشي على الارض ينتظر ساعته، والسابقون منهم قد ترجلوا في صمت، غادروا دار الكدر وأخذوا قلوبنا معهم.

حضرت وفاة كثير منهم فلم أكن أتصور أن هذه هي النهاية، كنت آمل نهاية أفضل من هذه بكثير بعد عطاء أكبر وانتصار أبهر، لكن التنظيم الغدار فعلها، لقد خان القضية، باع واشترى، والله اشترى من المؤمنين أنفسهم أن لهم الجنة فرفعهم إليه، ثم ترك الجيف مع بعضها في مسؤوليات التنظيم تتهارش على السلطة كالوحوش، ولذلك فإني لا أعتبر إلى يومنا هذا ما حدث لي استقطابا، بل هو اجتماع على الله وافتراق عليه، أما اليوم فهي لغة الاستقطاب مائة بالمائة بعد أن غزت السياسة معقل التنظيم واستحوذت على القيادة فيه، المنطق السياسي الان لا يستعمل حب الله والحب في الله إلا سياسةً، لا يستعمل الايمان إلا سياسةً، لا يستعمل الابتسامة إلى سياسةً، لا يستعمل الصلاة والقيام والصلاح إلا سياسةً، إخواننا الأوائل لا، كانت قلوبنا تذوب بين أيديهم، لقد أحبونا لله وليس للسياسة فأحببناهم في الله وليس للمناصب، رأوا فينا عونا على الاخرة لا مجرد رقم سياسي فأفنينا عمرنا في خدمتهم وأعطيناهم ثمرة قلوبنا وصفقة يدنا.

ولذلك وعودا على بدء نريد أن يفهم الناس أن الاستقطاب في أصله دعوة إلى الله، لكنه مع السياسة والسياسيين يتحول إلى عملية استقطاب سياسي وضحك على الذقون واستدراج إلى المحرقة التنظيمية واستغلال فاحش للشباب اليانع كي يُدفع به إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، يحارب في جبهة غير جبهته، يستف دمه الفتي لقضاء مآرب تنظيمية وسياسية خاصة فيُصبح الاستقطاب كذبة كبيرة لا تخفى علينا، هو كذبة بطعم خيانة الله والرسول والمؤمنين.

لقد انحدر التنظيم الاسلامي من علياء صفائه وتفرده وأصبح رقما سياسيا عاديا على رقعة السياسة، يستعمل نفس أدوات الاخرين في الاستقطاب، وهو أمر طبيعي لأن الناس العادية سيطرت على القيادة فيه، فلم يعد هناك ما يميز الاستقطاب السياسي عند الاسلاميين عن غيره من الاستقطابات السياسية الأخرى، فالقلوب قاحلة والروحانية مظلمة، فأنى له أن يستميل القلوب الطيبة، إن الطيبين ينفرون الان كلهم من الاستقطاب السياسي للتنظيم الاسلامي ويبحثون عن صدق الكلمة وصفاء القلب في الخلوة ودخول سوق الراس والنبش في الكتب الصفراء والحومان حول الزوايا الصوفية، لقد ارتكب التنظيم جريمة في حق الأمة عندما طمع في السلطة حتى قبل أن يقيم الدولة، فمارس سلطته داخليا واستعبد الناس وقد دخلوا التنظيم أحرارا، الطيبون الآن أحلاس بيوتهم يعضون اليد على قلة الحيلة والذئاب ترتع في حظيرة الدعوة كيف تشاء تقول إنها ستدل الناس على الله وسوف تقيم الدولة الاسلامية.

لو أقمتها يا عدو الله لأحلقن لحيتي.

لقد مارست الاستقطاب السياسي في الجامعة والاستقطاب الدعوي في الحي سنين طويلة، وقد نجحت في ذلك بأبسط الوسائل، كنت أغزو على غرار جيلنا القلوب بالقلب، أهجم على القلب مباشرة بصفاء القلب وروحانية الذكر فيقول الرجل حاشا لله ما هذا كذبا، كنت أستطيع أن أجلب هذا وأطرد ذاك بالقلب، فما أحببناه بقي وما كرهناه رحل، لكأن الله أعطاني مغناطيسا للقلوب أجذب بها من أشاء، فمن تعلقت همتي به آتي به طوعا أو كرها، ومن أنكره قلبي لم يستقر معي طويلا، وما خيبني الله في أحد قط [6]، لكن الضربة كانت تأتي دائما من داخل التنظيم لا من خارجه، كنت أجلب العناصر الطيبة فيدمرها التنظيم بعنجهيته وقلة حرصه على المؤمنين، إنهم الان في الحانات ومع المخدرات وفي أحضان العاهرات وأحسنهم حالا يدخن ويشرب الخمر ولا يقترب من شيء اسمه إسلاميين، لم يرتح التنظيم حتى كسر قلبي والقلوب الطيبة التي كنت أحضنها، برقت في عينيه بارقة السلطة فدهسني ودهس كثيرا من الصالحين، لست أدعي صلاحا، لكني كنت معلقا بالصالحين ومُصلحا بهم، فكنت صالحا ومُصلحا بهم لا بنفسي، ومثلي كثير قتلهم التنظيم، قتلتنا يا عدو الله، قاتلك الله.

إنني أكتب هذه الكلمات ودموع الحسرة تسيل من قلبي، كسر القلوب وقتل الارواح معناه خرابك أيها التنظيم المجرم، سيستمر الان استقطابك للناس إلى مائدة العفن المُسيس حتى يتسمم الكثير من الشباب الطاهر الصادق داخل التنظيم ويدلهم الإبليس على طريق غير طريق الله، سيستف عنكبوت التنظيم دماءهم ثم يرميهم واحدا واحدا أو يصنعهم طواغيت يذبحون الناس، فاستقطاب الجماهير الان لم يعد غايته الدلالة على الله بل تقوية اللوبيات التنظيمية والاستعداد للصفقات السياسية، أصبح التنظيم مجالا للمشيخة التنظيمية والأستاذية الفارغة والسياسوية الحقيرة والبريستيج المنافق، بارد لا حرارة إيمانية فيه ولا محبة ولا خُلة ولا أخوة ولا نصيحة ولا أشعرية، عاجز عن استقطاب القلوب الصافية والطاقات المفكرة، فالح فقط في الركوع أمام أبواب اليسار والجمعيات النسائية لعله يحصل على صفقة سياسية.

لقد تم استقطاب التنظيم نفسه إلى دائرة ذبحه، فعوض أن يستقطب الطاقات القلبية والروحية والعقلية للزحف على مواقع الفساد السياسي، أصبح مُستقطبا إلى الصفقات السياسية وتحسين مركزه السياسي، فمرحلة الاستقطاب الدعوي كانت مرحلة وانتهت، على اعتبار أن التنظيم كان في أشد الحاجة يومها إلى ملء الصف بالغث والسمين للاعتراف به كلاعب أساسي على الساحة السياسية، الدليل على ذلك أن التنظيم يفرط الآن بسهولة في أي عضو ولو قضى حياته كلها في خدمة التنظيم، يرمي شيوخا بلغوا من العمر فوق الستين سنة إلى سلة المهملات، لا مجال هنا للرحمة بل حتى للمجاملة، كل الاعضاء الآن مجرد أرقام، والتنظيم مستعد لمسح أي رقم بجرة قلم، ولو بوشاية من المسؤولين.

الاستقطاب الآن يتم على مستويات عالية ترصدا للطاقات التي يمكن أن تحتل مناصب رفيعة في الدولة في حالة نجاح صفقة الحصول على السلطة الجزئية، أما رجال الدعوة والمحبة والصدق والآخرة فهم في القاع يلعبون لعبة المداراة والاختباء والسكوت والانتظار والتربص و"عندك تهضر تتأذى".

لقد تقلصت الدعوة من حيث كونها دعوة إلى الله، واتسعت دائرة الاستقطاب السياسي المحض، الاستقطاب الفارغ من أي معاني ربانية، الاستقطاب المبني على الأغراض المالية والاهداف السياسية، هذا الأمر لاحظنا بدايته أواخر التسعينات وبدأ ينجلي بوضوح قبل خمسة عشر سنة، ثم غدا كالشمس الساطعة الان بعد فشل الربيع العربي، الأمر الذي يؤكد الانحراف الحاصل على مستوى قيادة التنظيم الاسلامي وفروعه، أما على مستوى القواعد فحدث ولا حرج.

لقد حصل ما لم نكن نتوقعه، فقبل عشرين سنة كنا لا نتوقع انحرافا حتى على مستوى آخر عضو في التنظيم، كان آخر عضو في التنظيم أستاذا في السياسة والتربية، أما الآن فأصبح يقينا لدينا أن شيئا ما ليس على ما يرام تربية وسياسة وصدقا ليس على مستوى القاعدة بل على مستوى القيادة، لقد حدث اختراق عميق وانحراف رهيب وزيغان كبير عن الخط اللاحب الذي خطه الكبار المؤسسون، وما هذه الشحناء والبغضاء والفصل والغيبة والتشويه والمكر والوسائل الخسيسة إلا انعكاس للإختراق الفكري والتنظيمي الحاصل على مستوى قيادة التنظيم، ونتيجة طبيعية للخلل في التربية والعزم على مستوى كل الهياكل تحصيل حاصل.

نريد بالمختصر المفيد أن يرجع التنظيم إلى الاستقطاب الدعوي القلبي التربوي ويتخلى عن الاستقطاب السياسي، فالسياسة ليست أساس التنظيم الاسلامي، إنما اساسه الدعوة إلى الله والدلالة على الله، وهي أمور من اختصاص رجال الله، والتنظيم يجب أن يساعد وينظم هذه العملية التربوية ليس إلا ويكف عن طموحاته السياسية القذرة، إنها خيانة لله أن يتحول التنظيم من ميدان العشق الالاهي ويرتمي في أحضان المصلحية السياسية، لكن كيف ذلك والسياسيون سيطروا على التنظيم ولبسوا جبة المشيخة واختلط للقاعدة السياسي بالتربوي وخدعوا من باب التربية وصُور لهم أن القيادة السياسية لها قدرة على الدلالة على الله.

إنها خيانة لله أن تلبس أيها السياسي الماكر سلهام المشيخة، ولك طريقان لا ثالث لهما، إما أن تنزع لباس المشيخة وترجع إلى ثكنتك السياسية وتترك أمر القلوب إلى أولياء الله وتسمع الكلام، أو هي نهاية تنظيمك الغشاش بصالحيه وسياسييه، والأمر ليس متروكا لك لأني أراك ستختار تسييس التنظيم لقضاء مآربك السلطوية لا يهمك القلوب، لكن الأمر متروك للرجال الساكتين عن الحق أن يقولوا إن هذا منكر ويسحبوا المشيخة من تحت قدميك ويعيدوا الأمر إلى نصابه المنهاجي كي تُشرق القلوب والأرواح مرة ثانية.


📌 الهوامش

  1. [1] الاستقطاب هو البحث عن الأفراد المؤهلين و جذبهم لشغل الوظائف التنظيمية الشاغرة أو المبرمجة.
  2. [2] قانون نيوتن: تقوم الأجسام بجذب الأجسامٍ أخرى بقوة تتناسب بشكلٍ طردي مع كتلتها، وعكسياً مع تربيع المسافة بينها، ويتم تمثيل ذلك باستخدام المعادلة الآتية: F= G ((m1×m2)/R2)، حيث إنّ m1 هي الكتلة الأولى، وm2 هي الكتلة الثانية، وRهي مربع المسافة بين الكتلتين، وG هي ثابتة.
  3. [3] تقع الشمس في مركز النظام وتربطه بجاذبيتها، فكتلتها تبلغ 99% من كتلة النظام بأكمله، كما أنها هي التي تشع الضوء والحرارة اللَّذين يَجعلان الحياة على الأرض مُمكِنَة.
  4. [4] نموذج ذلك الاستقطاب الامريكي والسوفياتي والأوروبي والصيني والايراني.
  5. [5] برامج تعبر عن عقيدة الحزب السياسي وقيمه ومواقفه السياسية.
  6. [6] يشبه الأمر ما قاله الإمام الرفاعي مع فارق كبير بيننا نحن المذنبين وولي الله الامام الرفاعي الكبير: "نِعَم الله تعالى تُذكَر. من قرّبْته من العزيز فهو قريب. ومن أبعدتُهُ عنه فهو بعيد. أيها البعيد عنا، الممقوت منا. ما كان هذا منك يا مسكين، لو كان لنا فيك مَقْصَدٌ يشهَدُ بحسن استعدادك، وخالص حبك لله عز وجل وأهلِه، اجتَذَبْنَاك إلينا، وحسبناك علينا، شِئْتَ أو لا. لكن الحقَّ يقال: حظُّك منعك، وعدم استعدادك قطعك. لو حَسَبْناك منا ما تباعدت عنا"، الأمر للتشبيه فقط لا غير، وإلا فنحن نخشى على أنفسنا دائما أن نكون مبعدين من أولياء الله.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية