فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

تنظيم موحد أم تنظيم سياسي وآخر دعوي؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 17 من 77 — فهرس الكتاب

من أهم نتائج تمايز الاستقطابين السياسي والدعوي أن الشخص السياسي [1] لا ينسجم غالبا مع الشخص الدعوي، حتى من المنظور الفلسفي فالسياسة صعب أن تتماشى مع الدين، فالدين له حدود وقيود، بينما السياسة فن الممكن الذي يخرق حدود الدين ولا يقيم وزنا للمثاليات الاخلاقية، فالممكن أحيانا كثيرة لا ينطبق مع الدين في تصوراته ومقتضياته ومحفزاته، كما أنه في أحيان كثيرة لا يؤمن بالأخلاق، فالسياسة تقتضي منك أن تحصل على كل ما تريد بكل الأساليب الممكنة دونما اعتبار للدين والخلق، أضف إلى ذلك أن نفسية رجل السياسة هي نفسية رجل ماكر مخادع يخالف ظاهرة باطنه، يمشي بين الناس بألف وجه، بينما نفسية رجل الدعوة هي نفسية رجل يعيش الصفاء والصدق والوضوح، رجل ظاهره كباطنه، رجل بوجه واحد.

ومما يروى عن السياسي البريطاني تشرشل أنه مر على قبر سياسي بريطاني كُتب عليه: " هنا يرقد السياسي اللامع ورجل الأخلاق الحميدة (فلان الفلاني)"، فـعلق تشرشل ساخرا: ولماذا دفنوا رجلين في قبر واحد؟ .

عالم السياسة يقتضي إذن أن تكون قادرا على أن تظهر ما لا تبطن وتبطن ما لا تظهر، تصرفات تجعل من رجل السياسة رجلا خبيثا في الواقع، لا تكاد تصنفه من البشر إلا من خلال ربطة عنقه ومنطق كلامه، بينما في باطنه هو ذئب كاسر أو ثعلب ماكر، ينتظر متى يغدر ومتى يعض ومتى ينقض على الفريسة السياسية وينهش من كعكة السلطة، على أن هناك قلة من السياسيين الصالحين يمكرون بعقولهم وقلوبهم صافية مع الخلق والله، يمكرون مع الماكرين ويصفون مع الصالحين ويدارون عامة الناس، يلعبون على أوتار السياسة لتنجو الدعوة.

داخل التنظيم الاسلامي يكاد لا يتلاقى الخط الدعوي والخط السياسي، كما يتنافر رجال الدعوة ورجال الدولة، يختلفان من حيث القلب واللباس والكلام والمنطق والتفسير والدين والخلق ونمط العيش، حتى أرواحهم مختلفة ومتنافرة، رجال الدعوة رجال الصفاء والمحبة، ورجال التنظيم والسياسة والسلطة عموما لا قلوب لهم، قلوب كالحجر وأكباد لا تلين، كل شيء عندهم قابل للبيع إذا تم تسديد الثمن، وفوق ذلك غدر ومكر وذبح وتصفيات تنظيمية من أجل المنصب والجاه، وإذا كانت غاية رجال الدعوة وجه الله ورضى الله والجنة ودخول الناس في دين الله أفواجا، فإن غاية رجال الدولة تحقيق مكاسب سياسية على رقعة السياسة وتحصيل شعبية وأصوات انتخابية.

عندما تختلف الغايات تختلف تبعا لذلك الوسائل، فإذا كانت وسائل فريق الدعوة المحبة واللقاءات التربوية وقيام الليل والإكثار من ذكر الله والتذكير بالموت والوعيد من غضب الله والدعاء والاستعداد ليوم الرحيل، فإن وسائل فريق السياسة هي البرامج السياسية الفهلوية وخلط الفرنسية بالعربية والتحالفات المصلحية والخطط الكيدية والكولسة التحتية والمظاهر البراقة والبريستيج الخادع والنفاق الاجتماعي وشراء الذمم واللعب بالدين.

صحيح أن بعض رجال السياسة هم قوم صالحون، يجمعهم مع رجال الدعوة نفس الغاية وهي إعلاء كلمة الله ودلالة الناس على الخير [2]، لكن هؤلاء قلة، ولا يكاد يكون لهم وزن داخل العمل السياسي الاسلامي، فقيادة التنظيم السياسي آلة قاسية تسحق كل مؤمن رطب مُزيت بأخلاق الاسلام، وقبل ذلك تنحيه بوسائلها الماكرة من مراكز القرار وتدعه على هامش التنظيم يدعو إلى الله على بساطة المقام والوسائل، وآلة التصفية هي اللوبيات الموازية والخطط التحتية في الكواليس وهو ما لا يرضاه رجل الدعوة، فإذا أراد أن يجمع هذا الأخير بين غايات الاسلام النبيلة وغايات السياسة الخبيثة وقع في التناقض المنطقي والانقسام الحركي والازدواجية المفاهيمية والانفصام في الشخصية والفشل السياسي.

رجال الجمع بين الدعوة والدولة قوم صفوا مع الله صفاء المحبين، وعانوا مع أنفسهم معاناة كل يوم أن يكونوا قد التحقوا برجال الدنيا دون أن يفطنوا لمصيدة الشيطان، ولذلك تجد الاكابر من هذه الأمة يخرجون من الدنيا وما عرفوا هل هم من أهل الجنة أم هم من أهل النار [3]، فمعافسة السياسة والسياسيين وتقلد المناصب التنظيمية والادارية واتساخ أيديهم بالدولة حالة تجعلهم يعيشون نوعا من التوتر يستشعرونها في قلوبهم الطاهرة، فيلزم رجل السياسة الذي يرجو صلاحا في نفسه وواقعه كثير من اتهام النفس والاستغفار الدائم والخوف من مكر الله [4] والقدرة على التنقل بين متناقضات الدعوة والدولة للجمع بين بينهما.

قادة التنظيم الاسلامي ورؤساءه خاصة قادته السياسيين ليسوا كلهم من هذه الطينة الغالية، بل هم بشر عادي يعيش النفاق بأريحية، ينافس على المنصب بكل مكر وقسوة، ينسى تماما الأهداف الايمانية والغايات الاحسانية، فالسياسة تُنسيك أباك وأمك وأخاك، فكيف لا تنسيك دار المعاد، الكلام عن الاخرة والموت مجرد هراء بالنسبة إلى رجل السياسة، فهو ينظر إلى الفيلات والقصور والنساء والاموال والسيارات والعطل الرائعة والمناصب التنظيمية التي تخضع له فيها رؤوس الرجال، هذا ما يدير عجلاته ويحرك محركاته، في أحسن الاحوال يعمل على مسايرة الشريعة الاسلامية شكلا أمام الناس، فـيجعل لكل شهوة مخرجا دينيا، ثم ينهش من الدنيا والمال والنساء والسلطة قدر المستطاع باسم الدين، أما بينه وبين الله فقطيعة تامة.

واضح جدا أن هناك تباينا كبيرا بين الدعوة والدولة من حيث نوعية الرجال والمهام، والتنظيم بما أنه جهاز مصلحي لابد أن يتكيف مع هذه الواقعة النفسية والاجتماعية، فهو يقسم نفسه إلى جهازين، جهاز دعوة وجهاز سياسة، فالجهاز الدعوي مهامه دعوية بامتياز، أدواره تدور حول استقطاب الغافلين ودلالتهم على طريق الهدى والتقى، له رجالات التربية والذكر والحب في الله والانجماع عليه، وله أيضا أدوار سياسية موسمية في مواسم الانزال، أما الجهاز السياسي فيتكلف بالمهام السياسية والنقابية وخوض لعبة السلطة والنقابة، وطبعا له أدوار دعوية من حيث إحالته لبعض السياسيين إلى الجهاز الدعوي لعله يضرب فيهم حقنته الروحية، جهازان كبيران يضمان أجهزة فرعية كثيرة، مع تراتبية تنظيمية تسهر على تنظيم عملية الدعوة واحتضان المدعويين من جهة، ثم الاهتمام من جهة أخرى بالنقابة والسياسة والمال.

التنظيم يتخبط دائما هل يجمع الجهازين في جهاز واحد أم يفصل بينهما، وهو يحاول تارة الجمع بين التنظيمين كي لا ينشأ انفصال نكد من الجهازين وتتعارض برامجهما وتنشق الجماعة في النهاية قلبا أو ممارسة، وتارة أخرى يحاول الفصل بينهما فصلا عمليا مع جمع خيوطهما في يد واحدة على مستوى القيادة، بينما في تنظيمات ثالثة ينشأ فعلا انفصام نكد بين الجهازين، فينخرط الجهاز السياسي في إطار حزب سياسي ويحافظ الجهاز الدعوي على جهازه الدعوي متمثلا في حركة دعوية منفصلة عن الحزب، فيتجمع الدراويش في الحركة وتتجمع الذئاب في الحزب، الحمائم تدعو إلى المسجد والصقور تدعو إلى الانتخابات، وبين هاذين الخطين يلعب قادة التنظيم كل حين محاولين خلق توازن تنظيمي بين الكتلتين الكبيرتين كي لا يطغى جهاز على جهاز.

طغيان الدعوة على السياسة يؤدي إلى انحراف التنظيم إلى شق واحد من الإسلام وينتج لنا ما يسمى بإسلام الزهادة ترافقه السلبية على مستوى الاهتمام بأمر المسلمين، بينما طغيان السياسة على الدعوة يكون مآل التنظيم فيه حزب سياسي لا علاقة له بالإسلام إلا الركوب عليه، فالإسلام بما انه دعوة ودولة يجمع بين القرآن والسلطان، على أن القرآن أشمل من السلطان، لكن القرآن ليس كافيا لتسيير دولة، فيلزم رجال أقوياء أمناء يسهرون على تنزيل تعاليم القرآن، قال عمر: " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" [5]، معنى ذلك أن القرآن لا ينفع حين يتجاوز البعض خطوط الشرع، فينزل عليهم سيف السلطان، فيفهمون حينها معنى القرآن.

يبدو الإشكال أكثر وضوحا على مستوى القاعدة، فالتباين بين الأفكار والتصرفات والمستوى التربوي يخلق نوعا من التجاذب والتنافر أحيانا، وقد يتطور إلى الاتهام في النوايا، فالرجل الدعوي رجل رطب مُيدم بإدام الصحبة متخلق بأخلاق الصالحين، أما رجل السياسة فـهو موس حاد، رجل مكر وخداع، رجل جاف تربويا، لا تكاد تشم منه رائحة إيمان، اللهم مظاهر وشكليات تجعلك تكاد تشك حتى في إسلامه، فيبدو في عينك مجرد حزبي سياسي، ثعلب يجري كل صباح لينسج علاقات سياسية ونقابية وجمعوية ويصنع فرصا اجتماعية ويدخل في صفقات مالية، لا ينظر إليك بعين رحمة الله بل يكيلك بميزان المال والمركز الاجتماعي، على أن طغيان السياسة على الدعوة قد يجر رجل الدعوة إلى نفس المنطق، فيتحول الجهاز الدعوي أيضا إلى مرتع للذئاب، ذئاب جافةٌ روحانيتهم الايمانية، باردة شعلتهم التربوية، تحس بالنفاق يدب بينهم، والمظاهر تطغى على معاملاتهم، يصيرون مجرد أبواق لرجال السياسة يُسخرون لهم التربية وأجهزتها ورجالها لقضاء مآربهم السياسية.

هذه الحالة تسمى انصهار الدعوة في الدولة، بمعنى ابتلاع اللوبي السياسي لجهاز الدعوة وسيطرته عليه على مستوى القيادة والاجهزة، وهذه هي الحالة الاغلب، أي سيطرة السياسي على الدعوي، هذا الأخير لا يستعمل في الاغلب وسائل الغدر، بينما السياسي قلبه صلب كالحجر وماكر كالذئب ولا أخلاق له، فأغلب الظن أن ينتصر السياسي على الدعوي بما أن الساحة للذراع لا للحق، فسنة الله اقتضت أن ينتصر الذي يملك أكبر قدر من المال والمكر والنفوذ، حالات خاصة ونادرة جدا ينتصر فيها رجل الدعوة إذا كان ذا نورانية غير عادية وكرامات ظاهرة تستدعي تدخل العناية الالاهية في أبهر تجلياتها خارقة بذلك ناموس الدنيا.

كل ما ذكرناه يحيلنا على فكرة مفادها أن التنظيم يفصل دائما بين الدعوة والسياسة كي لا تختلط الخيوط، وقلنا بأن الثعلب السياسي غالبا ما يطغى على حمل الدعوة، لكن يبقى أن جهاز الدعوة هو صمام أمان الجماعة وسر بقائها على شريعة الاسلام وبقاء الغاية الايمانية حاضرة في كيانها، والصراع بين الدعوة والدولة يجب أن ينحصر داخل القيادة فقط، فهناك حصريا يجب أن تدور الحرب الطاحنة بين الاجنحة دون أن يتسرب الخلاف إلى القاعدة وتصبح هذه الاخيرة ساحة معارك وتجاذبات سياسية وفكرية ثم تدخل على الخط مدافع بالوكالة وإغراءات خارجية وموالاة شخصية واختراقات، والويل ثم الويل للجماعة إن سيطر معاوية على القيادة واستفرد رفقة تيار السياسة بالسلطة، بل الويل للمسلمين جميعهم، فـنجاح الجماعة في احتضان ثورة الجياع مرتبط بانجماع الجماعة دعوة وسياسة بين يدي رجل واحد مفتوح له باب الولاية، رجل محنك سياسيا قادر على إسكات السياسيين بقوة علمه وفطنة عقله ووسامة وجهه، ثم إخضاع الدراويش بشمس روحانيته وفتح بصيرته وعمل همته.

نصل إلى نتيجة مفادها أن تقلبات التنظيم بين الدعوة والدولة حالة عادية يختص بها التنظيم الاسلامي دون غيره من التنظيمات، إلا أن النتيجة الأكثر أهمية هي أن القبضة الحديدية للولي القابضة على كل أجنحة التنظيم هي السبيل الوحيد للحفاظ على مؤسستي الدعوة والدولة قائمتين على المنهاج، فالإمام هو البرزخ الذي يجعل بحر الدولة المارج لا يبغي على بحر الدعوة الهادئ، ويجعل المشروع السياسي خاضعا للمشروع الايماني الطامح إلى هداية الناس إلى سواء السبيل لا راكبا عليه.

العزف على أوتار مؤسسات الدولة والدعوة معا بكل براعة وتناسق من صفات الكاملين.


📌 الهوامش

  1. [1] الشخص السياسي هو القادر على صنع القرار السياسي من خلال فهمه لطريقة التحكم في المجتمع وفهم السلطة السياسية وديناميكية الجماعة.
  2. [2] " ليل المؤمن للتبتل، ونهاره للسبح الطويل. وهو السعي في حوائجه الدنيوية مثل الكسب، وحوائجه الأخروية مثل الجهاد. ولا يفترق شأن آخرة المؤمن عن شأن دنياه إلا اصطلاحا. وإلا فكل عمله جهاد، يسري في سبح النهار تبتلُ الليل". كتاب "محنة العقل المسلم".ص36
  3. [3] قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا لَيْتَنِي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ، وقَالَ عمر: يَا لَيْتَنِي مِثْلُ هَذِهِ التِّبْنَةِ، لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.
  4. [4] ما يذكره بعضهم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: " لو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها لما أمنت مكر الله".
  5. [5] معناه أن ضعيف الإيمان لا تؤثر فيه زواجر القرآن ونهي القرآن، بل يقدم على المحارم ولا يبالي، لكن متى علم أن هناك عقوبة من السلطان، ارتدع وخاف من العقوبة السلطانية، فالله يزع بالسلطان بعض المجرمين أكثر مما يزعهم بالقرآن لضعف إيمانهم.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية