📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 16 من 77 — فهرس الكتاب
نطرح هذا السؤال استكمالا للمحور السابق، فالاستقطاب في عمومه والكيف في خصوصيته، الاستقطاب للجميع لكن أين نوجه القدر الأكبر من الاهتمام والعناية والرصد، للنخبة [1] أم للجماهير؟ كان السؤال الماضي هو هل السرية أم العلنية؟ أصبح الان هذا السؤال متجاوزا، ولعل السبب في ذلك فشل كل التنظيمات السرية في تحقيق أدنى شروط التغيير، فاقتنع الجميع بالعمل العلني، ولعل المتضرر الوحيد هو الانظمة التي كان يسهل عليها القضاء على التنظيمات التي تعمل في الظلام، تصفي من تشاء وتلصق به تهمة الارهاب بكل سهولة، تقضي عليه ليلا في دهاليز السرية، وتطلع نهارا بشعارات الحرية وحقوق الانسان، فتصفق الجماهير للزعيم الوطني.
واضح أن العمل العلني أضحى أكثر إحراجا للأنظمة القائمة، لكن هذه الانظمة السياسية ليست حجرا جامدا، بل هي كائنات متحركة تتحرك وفق الظروف، تناور بكل براعة للحفاظ على مكاسبها السياسية، وتتلون بجميع التلاوين التي يمكن تصورها، فهي معك خصم شديد سواء كنت في السرية أم في العلنية أم تتنطط بينهما عن طريق تنظيم يظهر شيئا ويخفي شيئا آخر.
أكيد أن العلانية لا تعني التعري أمام الخصم السياسي وإظهار كل الاوراق، لكنها تعني أيضا وضوح الخطاب والقيادة ومجال الحركة والبرنامج السياسي، معنى ذلك العمل في النهار، وأمام الفرقاء السياسيين وأمام الكتلة الناخبة، ثم المناورة بأشكال الحركات الشعبوية أو الكلام السياسي، المناورة نهارا كما ناور فرعون وملؤه ضحى، والضحى أكثر وقت تتضح فيه الرؤية، حيث تسطع الشمس الحارقة فلا يختبئ شيء إلا وراء الحيلة، والسياسة نوع من الحيلة التي توحي للناس عكس ما هو كائن حقيقة، فهي نوع من السحر العقلاني الذي لا يحتاج إلى الشياطين، فهناك شياطين بديلة تستعمل في السياسة، كلها تدور حول الكلام والمكر الخفي، وخير وسائل الكلام الاعلام والدين ثم كاريزما الكذب، حيث يتحدث الكاذب بكل ثبات حتى يعتقد هو نفسه صدق حديثه.
سبق أن أشرنا إلى أن التنظيم اعتمد في بدايته سياسة الاستقطاب الجماهيري، فـفتح أبوابه المشروعة أمام الغث والسمين، حتى أنني أعتقد أن ليس هناك من شخص في الحي الذي أسكن فيه مثلا إلا ودخل التنظيم، فالخارجون منه يناهزون خمسة أو ستة أضعاف الباقين فيه، ولعل النسبة أكبر من ذلك بكثير، بحيث أنه لم يتبق الان سوى ما يناهز عشرة افراد في حين كنا نتحدث سابقا عن ما يقارب المائة عضو، عشرة في المائة هي التي تبقت وغادر التسعون في المائة، أما إذا تحدثنا عن الدوائر غير التنظيمية والاعداد الهائلة من المتعاطفين التي كانت تدعم المشروع دون أن تلتزم بالتنظيم فنتحدث عن عدد يناهز الثلاثمائة، لقد كانت الدائرة تتسع لأبعد من التنظيم، ذلك أن هذا الأخير كان ينتهج سياسة الابواب المفتوحة، بمعنى أن التنظيم كان أقرب إلى الحركة الجماهيرية، لكن بعد ذلك تمت غربلة كل هذه الاعداد والاحتفاظ بالعناصر النافعة، حمر النعم بالمفهوم التنظيمي لا بالمفهوم التربوي الذي يحتقره التنظيم، الرواحل السياسية التي لا تكاد تجد منها في المائة واحدة، وقد تم ما خطط له التنظيم، فأمسك حمر النعم السياسية وذبح حمر النعم التربوية لـوضوح وجهها وشدة مراسها وقوتها في الحق.
تشكل التنظيم في البداية وفق معدن أفراده، فالمعادن النفيسة كانت تتجه إلى القيادة والمعادن الرخيصة كانت تبقى في القاعدة، والعناصر الناقصة كانت تتسيد القاعدة كحلقة وصل بين القاعدة والقيادة، هكذا كان البقاء للأقوى على تحمل ضربات النظام السياسي والقدرة على احتواء الجماهير وتنظيمها، فالأهمية لم تكن للصلاح الفردي بل للقدرة على ضبط الناس، كان بناء التنظيم أولى الاولويات، وكانت الجماهيرية سبيلا إلى ذلك، مع صرامة في التنظيم بما يشبه العسكر، لكن أمام الجماهير كان الكلام رومانسيا تربويا لإظهار عكس الحقيقة، فالصرامة لم تكن تظهر، بينما كان الكلام المعسول يلقى على عواهنه، العناصر التي فهمت اللعبة تَرقت في السلم التنظيمي، أما العناصر التي جعلت التربية كل شأنها فقد بقيت في حضيض التنظيم، قبل أن يلفظها التنظيم فيما بعد بدعوى الدروشة وعدم فهم التربية.
جاءت المرحلة الثانية التي لم تعد فيها الجماهيرية تجدي نفعا، فلم يكن المطلوب كثير العدد، بل أصبح التركيز على النوع وعصرنة الهياكل، لقد تم الاعتراف بالتنظيم كقوة سياسية في البلاد، إذن ماذا لو سنحت الفرصة، نريد رجالا للإدارة، أما الجماهير فمن أراد البقاء فليبق ومن أراد أن يغادر فالواد موجود، ومن تنحنح قيد أنملة عن التنظيم يُفصل، ومن زار مولاي عبد السلام يُفصل، ومن زار زاوية يفصل، ومن انتقد القيادة يُفصل، ومن قال رأيه يُفصل، ومن أراد زوجة ثانية يفصل، ومن نشر تدوينة غير موفقة يُفصل.
وبذلك دخل التنظيم مرحلة التشذيب، تشذيب شجرة التنظيم، وإعطائها رونقا معينا وفق المقاس السياسي المطلوب الذي يناسب المرحلة، هنا يمكن الحديث عن بداية النخبوية، سواء على مستوى القيادة أو الهياكل، وبدأ الاستقطاب يعرف نوعا من النخبوية، تدنت سوق العضوية وفقدت الكثير من قيمتها السوقية على سلم العملات السياسية ولم يعد الكل مرغوبا به داخل التنظيم الاسلامي، اللهم على مستوى قاع القاعدة، حيث يتسع القاع للجميع، وينفع في جميع الأحوال في مظاهرات استعراض العضلات لإرهاب النظام بقوة رهط التنظيم.
النخبوية جاءت معها مظاهر جديدة، فلم تعد ثقافة التضحية بذلك القدر الذي نشأ فيه التنظيم، أصبح الجميع يحافظ على مصالحه ليحتفظ بمكانته النخبوية، فما الفائدة من التضحية بالنفس إذا كان التنظيم سيرميني ويأتي بنخبة جديدة، المال والجاه ضروريان للحفاظ على المركز التنظيمي، ارتقى ايضا اصحاب الشواهد الجامعية في التنظيم، ولم يعد هنالك مكان لأصحاب الابتدائي والثانوي حيث توقف السير التنظيمي عند الكثير منهم، أصبح سقفهم محدود جدا في التنظيم مع احتقار من المسؤولين ذوي الشواهد الجامعية العليا، وبدأ الحديث عن الدبلومات والشواهد يروج في المجالس، فـأصبح ممكنا أن تخدم التنظيم ثلاثين سنة وتفهم كل مدلهمات التنظيم والحركة والتربية ثم يأتي شاب في مقتبل العمر بربطة عنق وشهادة جامعية ووظيفة راقية ليعطيك دروسا في التربية والتنظيم والجهاد، ثم يقول لك اقتل نفسك.
صحيح، هي طريقة لقتل لنفس بالمنطق التربوي، لكنها بالمنطق التنظيمي خراب للتنظيم، وبخراب التنظيم تخرب التربية، فإذا كان أسامة بن زيد استحق ريادة جيش فيه أبو بكر وعمر فإنه استحق ذلك بكفاءته لا بربطة عنقه وتخنث صوته، لقد استحق ذلك عن جدارة، ومع ذلك فهو لم يتطاول على التربية، بل بقي أبو بكر شيخ الصحابة، واكتفى القائد التنظيمي بمهمته المحددة، أما اليوم فالمنطق مغاير تماما، الشهادة الجامعية وربطة العنق تخول المسؤولية التنظيمية ومعها مشيخة تربوية وفهما تربويا لا يُناقش.
بدأ الفساد ينخر في التنظيم بواسطة الكلام التربوي من قبيل اقتل نفسك، شعار "أقتل نفسك" أصبح رمزا للتطبيع مع العبودية والخضوع وتقديس التنظيم، والأصل أن "قتل النفس" مفهوم تربوي سامي لا يتطاول عليه سوى الشيوخ الذين يفهمون كيف تقتل النفس الامارة بالسوء، أما من نفسه تراها رأي العين فكيف يقتل نفسك بنفسه، الدراري ما يربيو الدراري، لقد بدأ يرتقي بشهادته إلى مقام التربية وقتل النفس كل دخيل على التربية والتنظيم ليصبح سريعا قياديا بارزا في التنظيم ثم يبدأ مشواره في التخوير والتكرفيص على عباد الله باسم قتل النفيسة، يقلب كل الموازين ويحرف السير ويعطي نصائح وإرشادات مغلوطة تخالف كل المفاهيم المؤسسة التي جاء به المؤسسون، فيغسل الكثيرون أيديهم من التنظيم وأهله ويغادرون بالحسبلة جوقة النفاق والخوار.
جاءت النخبوية وجاءت معها أيضا مظاهر التسابق على شراء السيارات الفارهة والافتخار بها بعدما كانت التنظيم يجري على الدراجات العادية والنارية والسيارات المتهالكة، لكن هذه السيارات الجديدة لم تعد ترضى كما في البداية أن تخدم التنظيم وتحمل الخضر إلى الاعتكافات والبطانيات إلى الجلسات التربوية والمخيمات، بل أصبحت تخدم أصحابها فقط، وتعطيهم رونقا مميزا على باقي الجماهير، أصبحت تخدم نخبويتهم ومكانتهم الاجتماعية والتنظيمية لأنهم ملوك التنظيم وواجهته، ضاع البذل داخل التنظيم وأصبح كل ذي سيارة يحافظ على سيارته ليعطي رونقا للتنظيم عوض أن يحرث بها الطرقات إلى المجالس والزيارات الربانية الخالصة لوجه الله.
النخبوية جاءت أيضا بمبيت منفرد عند نهاية اللقاءات التربوية والتنظيمية، فبعدما كان كل الأعضاء والمسؤولين يستلقون بعد اللقاء التنظيمي ليناموا على الأرض متساوين، أصبحت النخبة بعد نهاية اللقاءات تقصد بيتا خاصا مريشا بريش النعام ومبردا بالمكيفات ويُحضر لهم عشاء فاخر مميز عن عشاء الدهماء، ينامون على فرش بطائنها من إستبرق، ولا يستفيقون إلا آخرا بعد أن يستفيق العامة ويأخذوا أماكنهم وأعينهم تميل من النعاس، وبعد انتهاء البرنامج التربوي تصعد النخبة إلى المنصة وتأخذ مكبر الصوت لتعطي نصائح في الزهد والتواضع والأخلاق، كلام يلقى على رؤوس الاشهاد للاستهلاك فقط ويعلم الجميع أنه هراء، وإلا فإن أولياء الله الذين تربوا في عمق التنظيم يعرفون ما يجري، يحنون رؤوسهم ويعيشون مع الله حلاوة القرب تاركين للنخبة الزائفة زبد التنطع والتشوف على المؤمنين في واجهة المجالس.
أصبحت النخبوية اليوم تكبر وتكبر وتزداد تغولا، صارت طبقة اجتماعية وسط التنظيم، والتمايز بين طبقة الكادحين وطبقة المسؤولين أصبح يتسع يوما بعد يوم، وتوجه طبقة المسؤولين أصبح يوما بعد يوم ينحو صوب نخبة المجتمع من الناس المهمين، وأصبح يولي ظهره للقاعدة المتساكنة المتدروشة، هذه الحال لا محالة ستأتي بنتائج عاجلة، أولها تبدد أجواء المحبة وتفكك العلاقات الشخصية ثم آخرها خراب التنظيم، فأجواء النفاق هذه تُفرغ التنظيم الاسلامي من أي معنى، ما دام أن ما يُقال يخالف ما يُفعل، وما دام أن هناك مصلحة شخصية تنفرد عن مصلحة الجماعة، بينما الاصل في التنظيم الاسلامي أنه تنظيم اشعري [2]، كل يأتي كل بما عنده ثم يقتسم الجميع ما تحصل قسمة الغرماء، أخلاق أشعرية هي الأصل، ومن خرج عن الأصل لم يَحسُن به أن يطلب الخلافة على منهاج النبوة، فمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم منهاج أشعري، هم منه وهو منهم.
حري بالتنظيم الاسلامي اليوم أن يهدم كل أسوار النخبوية، ويعيد التنظيم إلى سابق عهده من حيث التوازن بين الطبقات الاجتماعية، كما أنه مطالب بتقليم أظافر النخبة عن طريق طحن تكبرها باستخدام سياسة "اقتل نفسك" التي يستخدمها مع الاعضاء، فالأصل ان التنظيم الاسلامي تنظيم يضم العامة والنخبة لكنه يصهر بين الطبقين في بوتقة واحدة بـماء المحبة وملح الاحترام وإدام التواضع، فالغاية خدمة دعوة الله لا خدمة مصالح شخصية أو أجندات سياسية، الأصل هو تنظيم الصحابة ورسول الله، أعضاء هذا التنظيم النبوي كانوا ينصهرون في المجلس الواحد لا تكاد تميز بين المسؤول والعضو [3].
📌 الهوامش
- [1] النخبة هي مجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على موارد مالية وبشرية ضخمة وقوة سياسية تأثيرية كبيرة، النخبة تعني مجموعة من الأشخاص الأكثر قدرة من غيرهم، ويمكن الحديث عن نخبة اجتماعية وهي الطبقة العليا من المجتمع، ثم نخبة اقتصادية وتتحكم في أهم الموارد المالية للمجتمع ثم النخبة السياسية وهي الأقلية الحاكمة، إضافة الى نخب أخر كالنخبة الدينية والعلمية. . . إلخ.
- [2] عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الأشعريين إذا أَرْمَلُوا في الغزو، أو قلَّ طعام عِيَالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسويّة، فهم مني وأنا منهم".صحيح البخاري 1/ 307 رقم 2486. صحيح مسلم 4/ 1944 رقم 2500.
- [3] روى أبو داود في سننه عن أبي ذرٍّ وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس بين ظهري أصحابه فيجيء الغريب فلا يدري أيُّهم هو حتى يسأل، فطلبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه"، وقال له رجل: يا محمَّد، أيا سيِّدنا وابن سيِّدنا، وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيُّها النَّاس، عليكم بتقواكم، ولا يستهوينَّكم الشَّيطان، أنا محمَّد بن عبد الله، أنا عبد الله ورسوله، ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله"، وكان صلى الله عليه وسلم مِن تواضعه، يتفقَّد أحوال أصحابه ويقوم بزيارتهم، فقد روى البخاريُّ في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذُكِر له صومي، فدخل علي فألقيت له وسادة مِن أَدَم حشوها ليف فجلس على الأرض، وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال أما يكفيك مِن كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّام. قال: قلت: يا رسول الله، قال: خمسًا. قلت: يا رسول الله، قال: سبعًا. قلت: يا رسول الله، قال: تسعًا. قلت: يا رسول الله، قال: إحدى عشرة. ثمَّ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا صوم فوق صوم داود شطر الدَّهر، صم يومًا وأفطر يومًا".وكان يتفقَّدهم حتى في الغزوات والمعارك، ومِن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه مِن حديث أبي برزة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان في مغزى له، فأفاء الله عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ. قالوا: نعم فلانًا وفلانًا وفلانًا. ثمَّ قال: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا. قال: لكنِّي أفقد جليبيبًا، فاطلبوه. فطُلِب في القتلى، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثمَّ قتلوه، فأتى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فوقف عليه، فقال: قتل سبعة ثمَّ قتلوه، هذا منِّي وأنا منه، هذا منِّي وأنا منه. قال: فوضعه على ساعديه ليس له إلَّا ساعدا النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: فحفر له ووضع في قبره"، وكان مِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، القيام بخدمة أصحابه، روى مسلم في صحيحه مِن حديث أبي قتادة، وفيه في قصَّة نومهم عن صلاة الفجر-: " قال ودعا بالميضأة، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأبو قتادة يسقيهم فلم يَعْدُ أن رأى النَّاس ماءً في الميضأة تكابُّوا عليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنوا الْمَلَأَ كلُّكم سيَرْوى. قال: ففعلوا. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبُّ وأسقيهم حتى ما بقي غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمَّ صبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لي اشرب. فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله. قال: إنَّ ساقي القوم آخرهم شربًا. قال: فشربت، وشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتى النَّاس الماء جامِّين رِوَاء"، ومِن تواضعه صلى الله عليه وسلم، أنَّه إذا مرَّ على الصِّبيان، سلَّم عليهم، فقد روى البخاريُّ ومسلم عن أنس رضي الله عنه أنَّه مرَّ على صبيان فسلَّم عليهم، وقال: كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يفعله، وكان صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، ويسلِّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم، وعن أنس رضي الله عنه قال: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير: يا أبا عُمَيْر، ما فعل النُّغَير؟
اترك تعليقاً