فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

النفاق التنظيمي

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 49 من 77 — فهرس الكتاب

لا نقصد هنا بالنفاق صفة النفاق الديني، لكننا نقصد مظاهر الاسترزاق التنظيمي عن طريق التذلل، فمن أهم المواصفات التي تجدها في المسؤول التنظيمي هي النفاق والمداهنة، فقلما تجد مسؤولا تنظيميا وصل إلى رتبته التنظيمية باستعمال قوة الساعد والرأي، ذلك أن أسهل طريق إلى السلطة في ظل تنظيم فاسد هي طريق الذل والانكسار بين يدي المسؤول الاعلى مرتبة، تماما كما يحدث في دواليب الدولة الفاسدة التي تسقط والشركة الفاسدة التي تنهار، وتبقى الدكتاتورية دائما هي منبع الفساد، تصنع الذل وتحب من يداهنها بتذلل لتتمتع وتقضي وطرها المالي والسلطوي والنفسي عن طريق تزلف الطبقات الادنى مرتبة منها في السلم التنظيمي، ومن واجب الطامح إلى السلطة أن يُمتع رئيسه بهذا الحنان والماساج النفسي ريثما ينقض بدوره على الرتبة الموالية ثم يشفي غليله في المرؤوس الذي تحته من جديد.

لكن النفاق التنظيمي ليس بهذه البساطة، فهو إذا كان في حقيقته النفسية متعة الرئيس من جهة التكبر والالوهية، ومتعة عن طريق التذلل والعبودية من جهة المرؤوس، فهو أيضا حقيقة تنظيمية تدل على وجود خريطة ولاءات وتكتلات تنظيمية، بمعنى مصالح تنظيمية ومذهبية ومالية وسياسية ومخابراتية تضمن استمرارها بتلاوة آيات الولاء كل حين للاطمئنان على استمرار الكيان الاخطبوط الغاصب، فالدكتاتور لا ينام حتى يتأكد من الولاءات، وعندما يستفيق صباحا لا يمر يومه دون الاطمئنان على الولاءات، فأهم شيء بالنسبة إليه قبل أمه وأبيه وبنيه هو الولاء، من يدري، ربما يكون الكرسي قد تزعزع قليلا وهو نائم، فأهم شيء بالنسبة للطاغية هو العض على السلطة، وطبعا لا سلطة دون شبكة ولاءات قوية وطاعة مطلقة وبرهان على ذلك بالتذلل، الطاعة والمداهنة والتصريح بها كل حين وتلاوتها أناء الليل وأطراف النهار.

لا تعتقد أخي القارئ وأنت في غمرة نواياك الحسنة أن التنظيم الاسلامي تنظيم رجولي يقف فيه المرؤوس قويا أمام الرئيس كما تقرأ في سيرة الصحابة عندما يقف الصحابي منافحا عن رأيه جاهرا بفكرته واضحا صريحا منفتحا منتقدا أميره في التنظيم النبوي، إن التنظيم الاسلامي في صيغته الحالية عكس ذلك بالمرة، فرغم مظهره الاسلامي الذي يوحي إليك أنه يستقي من النبوة والشريعة الاسلامية الرجولية إلا أنه تنظيم جبان مخنث يكرس النفاق التنظيمي المبني على التذلل والتزلف والخنوع، تماما كالكلب الذي يلحس أقدام صاحبه ليقدم له العظام المتبقية من وجبته، فالتنظيم الاسلامي على شاكلة باقي التنظيمات في الدول المتخلفة يقف على هذه الاخلاقيات التنظيمية الخسيسة ليضمن استمراره، وهو بذلك متأثر بالمجتمع الفاسد الذي أنتجته أنظمة العض طيلة قرون الفساد السياسي، فالرجل الذي سمح بسقوط الخلافة الراشدة ورضي بالعيش الذليل هو نفسه الرجل المذلول للمسؤول التنظيمي وهو نفسه الذي يركع للرئيس في الشركة بكل تذلل ويركع للزوجة في البيت خوفا من المدونة، الركوع والتخنث الحالي تحصيل حاصل لسلسلة من التنازلات التاريخية، ركوع جزئي من ذاك الركوع الكبير أمام قدمي ابن أبي سفيان.

إن الذل الذي انتشر كالنار في الهشيم في المجتمع العربي بعد سقوط النظام السياسي الراشدي القوي الذي كان يحمي الدين والخلق والدولة أدى إلى هذه الاخلاقيات المنحطة، وهي مُنتشرة في المجتمع بشكل كبير تحت ثقافة الزبيبة، الزبيبة الأسود الذي أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حسب بعض الأحاديث أن نركع له ولو ضرب ظهرنا وسرق مالنا، فأينما وليت وجهك يلزمك ركوع وخنوع وتسبيح بآيات الولاء للزبيبة المتحكم كي تقضي مآربك، حتى أصبح الامر مقبولا لدى الجميع، مؤامرة صامتة يعرفها الجميع ويشارك فيها الجميع، انفصام تام في شخصية المسلمين، ويحدثونك بعد ذلك عن عمر وعن الرجولة والقوة والانفتاح والحق والعدل والخرافة والضباب، الضباب على عينيك أيها الذليل الذي تولي دُبرك لرئيسك ثم تحدث الناس عن الرجولة.

أي رجولة تتحدث عنها عندما تولي دُبرك لرئيسك التنظيمي لينكح رجولتك وشخصيتك وكرامتك.

إن رجوعنا إلى الاصل الاصيل وهو سيرة الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل سقوط الخلافة وهلاك الأمة على يد أغيلمة الوراثة الأموية لهو المطلوب، وقفز التنظيم إلى المنبر النبوي هو السبيل الصحيح لا الاستكانة إلى الانبطاح العام أمام حملة الغزو الثقافي الخارجي والانهيار الاخلاقي الداخلي، مطلوب من التنظيم الاسلامي بما أنه إسلامي أن يستقي من معين النبوة الصافي [1] لا من حُفر الميكيافيلية التنظيمية التي تعطي الدبر وتمسح الكابة لتصل إلى المركز التنظيمي، إن النهوض بالمجتمع المفسود لا يمكن أن يمر إلا من خلال التشبع بصفات النبوة ورجولة الاصحاب عليهم الرضوان، فلن يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح به اولها، قوة ووضوحا ورجولة، عزة نفس وتعلقا بالمقام العالي بالله، رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وأهل بيته الاشراف، ولعمري إنه عين ما يطالب به الرجل المصحوب، ولو وجد من الرجال الكثير الغيورين لما وصل الحثالة اليوم إلى السلطة داخل التنظيم ولما تعثر الفتح ولما طغى النظام ولما ركع المؤمنون.

إن مرض النفاق التنظيمي أصله خلل تربوي شأنه في ذلك شأن باقي الامراض التنظيمية، ولذلك فإن توقف أجهزة التربية عن أداء مهامها وتهميش رجالات التربية لهو السبب الرئيس في تفشي النفاق وسوء الاخلاق، فما دام التنظيم مُترصدا لأهل التربية بالفصل والتجسس والتشويه والتخوين فهو يجني ثمار جهالته وجرائمه، سيجنيها خراب ذمم وسوء أخلاق ونفاق ووصولية [2] مقيتة شبيهة بتملق الكلاب، هذا ما سيجنيه التنظيم من الحط على التربية ورجالها وفصلهم، وسيجني أكثر من ذلك أحقادا واختراقات وانهيار منظومة الدعوة والسياسة حميعها.


📌 الهوامش

  1. [1] الرجولة هي تحمُّلُ المسئولية والنصح في الله والدفاع عن أولياء الله، قال الله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20]. ما جعله يأتي من أقاصي المدينة، وما جاء يمشي بل جاء يسعى لماذا؟ دفاعاً عن أولياء الله والدعاة إلى الله، إنها الرجولة الحقة بكل معانيها. الرجولة: قوةٌ في القول، وصدعٌ بالحق، كلمة حق عند سلطان جائر، قال الله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28]. الرجولة: صمودٌ أمام الملهيات، واستعلاء على المغريات، قال الله تعالى: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ} [النور: 37].
  2. [2] الوصولية تدل على السلوك الاجتماعي الذي يمارسه الفرد عندما يكرس كل نشاطه الاجتماعي لهدف الترقي في المنصب، رغم قلة كفائته وعدم استعداده لتنفيذ المتطلبات المعروضة عليه، وهي شكل من الأنانية، فالوصوليون يبيحون لأنفسهم استخدام جميع الوسائل للوصول لأعلى المراكز ولو على حساب الآخرين. يتملقون ويتقربون من المسؤول بحجة إنهم الأفضل. لهم أسلوبهم في استمالة المسؤول ولا يدخرون جهدا لإثبات تفوقهم وإن داسوا على زملائهم.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية