فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

أجهزة التنظيم

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 5 من 77 — فهرس الكتاب

ذكرنا آنفا أن التنظيم هو الآلة التي ينتظم فيها الافراد معبرين عن رغبتهم في تحقيق غاية جماعية، مبرهنين على هذه الرغبة عبر أعمال يؤدونها وفق نسق معين وداخل نطاقات زمنية ومكانية ووظيفية معينة، هذا النسق عبارة عن قوانين داخلية واضحة وبرامج مدروسة ومؤسسات مستقلة ومنسجمة وغايات محددة، والتنظيم رغم ذلك هو ليس جهازا واحدا بل أجهزة متعددة تجمع بينها حدود محددة بدقة بحيث لا تتداخل الاختصاصات، فمن حيث المكان هناك أجهزة قد تشترك في المهام لكنها تختلف في النطاق المكاني، ومن حيث الزمان فهناك أجهزة تشتغل في أوقات معينة بينما تشتغل الاخرى طيلة السنة، ومن حيث الوظائف هناك أجهزة تختلف اختلافا كليا في وظيفتها، بينما تشترك مع الاخرى في مرحلة معينة من السلم الاماري أو حتى في نظامها الداخلي، ومع ذلك تستقل بوظيفة ومهمة محددة وفق النسق العام القادم من أعلى.

أجهزة التنظيم تعني مؤسسات لكل منها شخصية معنوية [1] مستقلة عن التنظيم ككل، هي عبارة عن مكاتب وأوراق وبرامج ودراسات وأرشيف وإحصائيات وتقارير ومسؤول عن المكتب ومسؤولين فرعيين عن المهام المنبثقة عن المهمة الرئيسية للجهاز، أجهزة التنظيم هي نموذج مصغر لأجهزة الدولة ووزاراتها، هي مرحلة ما قبل أن تصبح هذه الاجهزة فعلا أجهزة الدولة، على أنه من النظري أن تبقى أجهزة الدعوة مستقلة عن الدولة [2] كي لا تصبح الدعوة وهي الاصل مجرد وسيلة سياسية منحطة يستعملها السياسيون أو تطحنها الدولة أثناء دوران عجلاتها [3]، فمن الضروري أن تبقى أجهزة الدعوة بين قوسين بعيدة عن أجهزة الدولة، نقول بين قوسين لأن الدعوة ليست بتلك الرسمية التي عليها أجهزة الدولة، فالدعوة قبل أن تكون مكاتب وأوراق هي قلوب وأرواح، على أننا نقبل بكل واقعية أن تكون للأجهزة التنظيمية الموجهة أنشطتها نحو رقعة السياسة برامج وأوراق وحسابات، أما الدعوة فالمفترض أن لديها شبه أجهزة فقط لأنها أقرب إلى العفوية منها إلى الرسمية، ومتى دخلت الرسمية إلى الدعوة نفر الناس منها نفورا فكانت دعوة عكسية.

ولذلك فإن نزول رجل الدعوة إلى الساحتين الدعوية أو السياسية يجب أن يكون محركه ومنطلقه هو القلب لا جهاز الدعوة، باعثه لا التقارير بل عفوية الدعوة وملامستها للقلوب بصدق الحديث والنية والتوكل على الله والهجوم على الناس بما فتح الله في القلوب لا بما برمجته مكاتب الدراسات، مكاتب الدراسات والشكليات التنظيمية هي الطعنة القاتلة التي أصابت الدعوة في قلبها وتركت الأرواح جريحة تسيل دما على شواطئ التربية، هذا التسرب جاء من المؤسسات السياسية التي لا يؤمن أصحابها بالتوكل على الله، فالسياسيون وإن كانوا إسلاميين فهم يعتمدون بالأساس على أوراقهم وإحصائياتهم وخبرائهم وزبانيتهم داخل الاجهزة الداخلية ولا يتوكلون على الله إلا من باب الضحك على الذقون وذر المصطلحات الايمانية في العيون، إنهم لا علاقة لهم بالله ولا علاقة لهم بمعاني التوكل وسائر معاني أهل القلوب، العلاقة الوحيدة التي يؤمنون بها هي علاقتهم بميكيافيلي، فلا تحدثهم عن التوكل على الله أن يرجموك.

نتفق إذن على أن أجهزة التنظيم تشمل كلا من مؤسسات الدعوة والدولة، وأجهزة السياسة أكثر صرامة وأوراقا في مجالها من أجهزة الدعوة أو هكذا يفترض، لكن الواقع يشهد أن الدعوة انبهرت بالأوراق لما تأمرها الفارغون روحيا فـتركت القلب وسارت خلف البريستيج.

إننا عندما نولي للقلب أهمية كبرى داخل أجهزة الدعوة لا نلغي بذلك عقولنا، فالأجهزة كيفما كان نوعها يلزمها سير على هدى من العقل، ومن العقل تنظيم العمل، لكن ليس لتلك الدرجة التي تتحكم فيها شكليات تنظيمية حقيرة في مصائر رجال وقلوب وأرواح مؤمنين طاهرين، إن الدعوة أكبر وأوسع من الشكليات التنظيمية، فماذا نكسب إن نحن كسرنا قلوب المؤمنين لنحافظ على هياكل التنظيم؟ نهدم المضمون ونحافظ على الشكل، فيتحصل لدينا تنظيم فارغ من المعنى، مليء بالمنافقين، ورجال مؤمنون قتلى على جنبات التنظيم.

إننا لا نلغي دور التنظيم، ولا ننكر بأي حال من الاحوال دوره في التربية والزحف، لكننا نريد أن نوصل فكرة مفادها أنه لا يجب أن نقدس التنظيم ونجعله فوق النقد، لا نجعله مضمونا من حيث أنه ليس سوى هياكل شكلية تافهة يمكن تغييرها في أية لحظة بل والاستغناء عنها بالمرة.

التنظيم وسيلة لا غاية.

نؤكد إذن على أن كل حركة إصلاحية أو اقتصادية أو سياسية يجب أن تنتظم في تنظيم، لقد ولى عهد الافراد وحل عهد المؤسسات، والناظر اليوم في الساحة الدولية يلحظ تولي دور الاشخاص وسطوع نجم المؤسسات، لا مكان الساعة لأناس مثل الاسكندر والظاهر والناصر والغازي والمنتصر والزعيم والامبراطور وفلان الفلاني، إن العالم يخلو من أي شخصيات ذات كاريزما بالمعنى البطولي للكلمة، الساحة تملكها المؤسسات، هذه النتيجة هي تطور بشري طبيعي جاء عقب فشل الكاريزمات في إدارة العالم وخلقها للحروب، فاقتنع البشر أن أهم عنصر قادر على قيادة العالم بأمان هو المؤسسات، ومباشرة بعد الحرب العالمية الثانية تبلورت عدة مؤسسات دولية أمسكت بالعلاقات الدولية وأصبحت الدول التي تحكمها المؤسسات أقوى من الدول التي يحكمها الافراد.

لقد اقتنع البشر في عصر توافرت فيه المعلومة وتشعبت فيه الروابط الاجتماعية وظهرت تكتلات اقتصادية عابرة للقارات وكيانات سياسية تجاوزت مفهوم الدولة القطرية إلى أنه يصعب الحديث عن تنظيم يسيره فرد واحد وإن كان سليل شجرة الاذكياء والاقوياء والشرفاء، كان البطل قديما شخصا يحمل سيفا ويهجم على الاعداء، يتبعه أفراد القبيلة في حماس متأثرين بشجاعته وقوته، يُأمرونه عليهم بعد ذلك ليفعل فيهم ما يشاء، ثم يعبدونه لاحقا بعد أن يستضعفهم، أما اليوم فلا مجال لعبادة الكاريزمات، فالأفراد لا يستطيعون حتى تسيير فرع صغير من مؤسسة بسيطة نظرا لتداخل الادوار وتشابك المصالح وصعوبة الاحاطة بكل تفاصيل العمل، ولذلك نجد أن لكل تنظيم سواء اقتصادي أو سياسي مكاتب وأوراق وشعب وتخصصات ورجال متخصصون ساهرون على إنجاح المشروع، إنه عصر العمل الجماعي المشترك، ولذلك كان العمل المنظم أقرب طريق نحو إقامة برامج السياسية والدعوية للراغبين في ذلك.

قلنا بأن التنظيم الاسلامي وأجهزته مشروع دولة إسلامية فهو في نظر مسؤوليه نموذج مصغر للدولة، وقلنا بأن هذا الأمر قد سبق وحدث في التجربة الاشتراكية وهو اليوم أيضا منطلق التنظيم الاسلامي الشمولي، أما التنظيم الاسلامي الجزئي الذي يعمل على رسم اهداف بسيطة وتحقيق أهداف سياسية بسيطة فهو ابعد ما يكون عن تأسيس نظام سياسي بمعنى الكلمة، إنه مجرد أرنب سباق دوره محدود في تنشيط السباق السياسي، أقصى أمانيه أن يفوز بوزارة الثقافة ويرمي على الناس بعض الخطب عن انتصار الاسلام وقوة الاسلام وحكمة الاسلام ووسطيته واعتداله وصلاحه لكل زمان ومكان، هذه التنظيمات الاسلامية القاصرة هراء ليس إلا، لعب عيال، إننا عندما نتحدث عن التنظيم الاسلامي نتحدث عن ذلك التنظيم الذي يمتلك مشاريع كبيرة تستبطن إزاحة الظلم وإحلال العدل بصفة شمولية، هذا النمط من التنظيمات غير موجود إلا في حركات قليلة على الساحة العربية، نتحدث عن تنظيمات سلمية، أما التنظيمات السلفية الجهادية فيحيطها الغموض من كل جهة، لا ندري كيف تسير، ولا إلى أين تذهب.

التنظيم الاسلامي الموازي لأجهزة الدولة قد تكون له امتدادات داخل الدولة نفسها، استفادة من تجاربها أو ركوبا عليها أو أخذا للخبرة منها أو حتى اقتباسا من أفكارها واستعانة برجالها أو محاولة لاستدراجهم إلى التنظيم بناء على فكرة أن الاسلام يحتاج إلى رجال أقوياء بعلم الادارة لإقامة دولته، هذا يسمى تسربا لطيفا إلى أجهزة الدولة من أجل تقويضها من الداخل وجلب رجالها المشموم فيهم رائحة الاسلامية إلى مشروع التنظيم والاستفادة من تجربتهم في التسيير والادارة، لكن الدولة ولئن كانت غير ديمقراطية بالقدر الكافي فإنها ومع ذلك ليست بذلك الغباء بحيث تترك مساحة للتنظيمات الاسلامية باختراق أجهزتها، فهي تصنع حدودا لمنع وصول العناصر الاسلامية إلى عمق الدولة، كما تحاصر داخليا كل من ثبت عمله لصالح تنظيم إسلامي معين يهدد النظام العام للدولة، وفي أحيان أخرى تقوم بعملية استباقية فتغري من يريد اختراقها وتجعل منه عميلا مزدوجا [4]، فبينما يعتقد التنظيم الاسلامي أنه تمكن من زرع عناصره داخل أجهزة الدولة تكون هذه العناصر هي نفسها عناصر اختراق التنظيم الاسلامي.

إن الصراع لا ينحصر نطاقه فقط بين الأنظمة والتنظيمات، بل إن هذا الصراع متصور أيضا حتى بين أجهزة التنظيم الواحد، وقد عشت تجارب يطغى فيها جهاز تنظيمي على آخر أو يحتويه أو يدمره نهائيا، فكثير من الشعب التنظيمية والجهات قامت بتصفية شعب أخرى أو مجموعات الانشودة الاسلامية حتى صرنا اليوم في حالة تنعدم فيها هذه الفرق الانشادية بعدما كانت كل شعبة تنظيمية في وقت ما تملك فرقة تستعملها في أنشطتها الدعوية، لن نناقش الاسباب هي شرعية أم غير شرعية وهل البيانو حلال أم حرام، لكن المفيد أن التصفية قد حصلت فعلا.

القطاعات الطلابية أيضا عانت من هذه التصفيات، ففي إطار الصراع الخفي الذي كان بين فصيل الطلبة ونقباء الشعب والجهات كان الطلبة محاصرون ويعانون من الاقصاء والانتقاص بدعوى أنهم قوم غافلون وحركيون ولا ينضبطون للتنظيم ولا يذكرون الله كثيرا وليسوا مؤهلين للتنظيم بل مجرد سياسيين حركيين نشيطين غافلين عن الله ولا يعول عليهم في بناء دولة الاسلام، فكان التعامل معهم على أنهم مجرد وسيلة وقتية يجب الاستفادة منها في إبراز قوة التنظيم ثم القضاء على القطاع في أقرب أو إبقائه تحت السيطرة الكلية للتنظيم.

هاذان مثالان بسيطان فقط وإلا فإن الصراع بين الأجهزة له أمثلة أكثر حدة خاصة بين مؤسستي السياسة والدعوة على مستوى القيادة والذي غالبا ما ينتهي بتصفية المؤسسات التربوية ورجال التربية، تجد هذا الصراع أيضا بين مؤسسات الاعلام التابعة للتنظيم وتلك التابعة للدوائر السياسية، وبين الجمعيات والتنظيم، وبين تقطيعات التنظيم نفسها هنا وهناك التي تحاول أن تحتوي بعضها.

إن صراع الاجهزة هو أكثر الامراض شيوعا داخل التنظيمات الاسلامية، ذلك أن تبعية الاجهزة التنظيمية للأفراد يجعلها تقوم عل ساحة معركة السلطة بأدوار قتالية بالوكالة [5]، فبينما يختفي أمراء الحرب وراء أجهزتهم التنظيمية التي يدعون خدمتها للدعوة والصالح العام للجماعة، تنبري الاجهزة التنظيمية لتطحن بعضها، وقد يحدث أن يكون أغلب أعضاء الاجهزة غافلون عن حقيقة الصراع بين الاجهزة فيخوضون هذه المعارك بنية حسنة بناء على النميمة التي يتقنها الأمراء وتجعلهم يسلبون بها عقولهم، فتنحرف هذه الاجهزة التنظيمية عن الغايات التي وضعت أصلا من أجلها، ثم تنخرط في معارك هامشية هي عبارة عن حسابات وتصفيات رئاسية بالأساس، يكون حطب نارها السذج من العاملين في هذه الاجهزة، فيغيب الهدف الاساسي وهو الدعوة إلى الله ويحضر منطق السلطة والصراع من أجل نصرة جهاز على جهاز والقضاء على جهاز ليبقى جهاز ثم الاستفراد بحصة معينة داخل كعكة الرئاسة التنظيمية العامة.

أمراض التنظيم كثيرة، لا يمكن حصرها، لكننا بما أننا نتحدث عن أجهزة التنظيم لابد أن نقف على أمراض من نوع خاص غير ذات بُعد فردي، بل هي صراعات أجهزة تنظيمية داخل منظومة واحدة، هذا الصراع التنظيمي يكتسي أحيانا طابعا سلطويا شخصيا بين أمراء التنظيم، وفي أحيان أخرى يكون صداما بين مدارس فكرية متباينة داخل نفس التنظيم، هذه المدارس تكون أحيانا ذات صبغة دينية كالصراع بين العقليتين السلفية [6] والصوفية [7]، وأحيانا أخرى ذات صبغة سياسية كالصراع الإيديولوجي بين الراديكاليين [8] الثوريين والحداثيين الاصلاحيين الذين يقبلون الانخراط داخل منظومة السياسة من أجل تحقيق غايات جزئية تخالف غاية التأسيس، كما تكون بين الاجهزة السياسية والاجهزة التربوية صراعات أزلية ينتهي الخلاف فيها غالبا بدخول التربية داخل بيت طاعة السياسة.

نشير هنا إلى أن الأسلحة في هذه المعارك الهيكلية تختلف عن تلك المستعملة في الصراع الفردي بين المنخرطين داخل التنظيم، فإذا كانت الاسلحة في الصراع الفردي أسلحة خفيفة وذات بُعد شخصي انتقامي أو رئاسي أو نفسي كالحسد والغيرة والنميمة والتشويه الفردي، فإن الاسلحة المستعملة في الصراعات بين الاجهزة هي أسلحة ثقيلة تدخل فيها مختلف الاسلحة الاقتصادية والسياسية، فتمولها أحيانا جهات داخلية بالمال والرجال والنفوذ والاعلام، وفي الحالات الماكروسياسية تتدخل غالبا الجهات الخارجية عن التنظيم، فاللعب الكبير تلعب فيه الاطراف الخارجية دائما دورا مهما، بينما الصراعات بين الافراد والاجهزة الصغيرة داخل التنظيم غالبا ما يتم حلها داخليا، تنحاز أجهزة التنظيم العليا إلى طرف دون طرف وتساهم في تفكيك الجهاز غير المرغوب فيه بناء على مصالح التنظيم.

الصراع بين الاجهزة غالبا ما يكون بابا لاختراق التنظيم، فالشتات القلبي والتنظيمي نذير بدخول الغير على الخط، ذلك أن بعض الجهات الخارجية غالبا ما يهمها اختراق التنظيم الاسلامي، فلا فرصة أكبر من صراع أجهزة التنظيم للتدخل عبر تمويل أجنحة فيه كي تتغلب على منافسيها، فيكون المنتصر نهاية الأمر هو تلك الفروع التنظيمية القادرة على اللعب من خارج التنظيم لعبتها للقضاء على أي خطر يهدد كيانها، تقرأ في تاريخ المسلمين عن الاستنصار بالغير من النصارى والمغول على الإخوة المنافسين، فالأمر يشبه ذلك إلى حد كبير لكنه يتم وفق تفاهمات وصفقات سياسية بعيدة كل البعد عن الدين.

بالمقابل فالصراع بين أجهزة التنظيم هو باب كبير للعمل الصالح، ويقف على هذا الثغر كثير من الرجال، فالثغرة التي قد يتسرب منها العدو يجب أن تغلق، وبناء أجهزة التنظيم على أسس الشفافية والعدل والقانون هو حفاظ على تربية وقلوب المؤمنين، فبانهيار التنظيم تنهار الجماعة في شقها السياسي ريثما يتشكل تنظيم جديد، بينما تستمر الدعوة في جميع الاحوال بناء على القلوب الحية الفاعلة لا على أساس التنظيم والأوراق، ولذلك كان من أولى مهام الرئيس الأول للتنظيم أن يحرص على استقلال أجهزة التنظيم داخليا وخارجيا وعدم بغي بعضها على بعض والضرب على كل من تسول له نفسه اللعب بمصير التنظيم لتحقيق غايات خارجية أو أطماع شخصية، فاستقلال الاجهزة وعملها بانتظام بكل شفافية وإخلاص وانتظام بعيدا عن المصالح الشخصية هو الضامن لاستمرار الجماعة وتحقيق غاياتها الدعوية والسياسية، وإضافة إلى سن القوانين الداخلية وترسيخ أجهزة العدالة الادارية داخل التنظيم فإن باب المسؤول العام للتنظيم يجب أن يبقى مفتوحا دائما على مصراعيه طيلة أيام الاسبوع حتى يستشعر الجميع قوة الحق وضعف الباطل، فلا يعقل أن يكون المسؤول الأول للتنظيم كاراكوزا يفرق الابتسامات الفارغة والحنان الزائف على زبانية التنظيم وإمعات التنظيم ويصدر قرارات لا سامع لها إلا الحيطان وصاحبها، ثم تفعل السلطة الفعلية داخل التنظيم عملها، تذبح من سكات وتضرب بفاعلية.

المسؤول الأول للتنظيم هو الضامن لسير مؤسسات التنظيم واستقلاليتها، وباب العدالة الادارية الذي يجب أن يبقى مفتوحا دائما أمام التظلمات.

تحدثنا عن صراع الاجهزة ولم نتحدث كثيرا عن تشكيلات الاجهزة، والحقيقة أنه لا يمكننا الحديث عن كل أنواع الأجهزة التنظيمية التي من المفروض أن تنشط داخل التنظيم الواحد، لكننا نشير إلى أنها كثيرة وتمس مختلف النواحي التربوية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والنقابية، على أن التنظيم قد يحتاج أحيانا أجهزة ولجانا مهمة فيجب أن يستحدثها، بينما تشيخ أخرى فلا يجب أن يُبقي التنظيم عليها لتعيش فقط من أجل العيش، بل يتعين تصفيتها وتفريق أعضائها على اللجان الاخرى الأكثر احتياجا وتناسقا مع كفاءات أفرادها، فالتنظيم يجب أن يتميز بالكفاءة العالية في ميدان تقسيم العمل بين أعضائه وتوزيع المهام ليخرج من الجمود والروتين القاتل، فلا أجهزة ثابتة في مكانها دهرا ولا مسؤولين في مناصبهم قرنا ولا مؤسسات فوق مبدأ التفكيك وإعادة التجميع كلما دعت الضرورة.

التنظيم نفسه يجب أن يعاد فيه النظر كل حين، وجميع الاجهزة يجب أن يعاد النظر فيها بين الفينة والفينة وفي كفاءة رجالها، والدماء الجديدة مطلوب أن تجري داخل التنظيم كل حين ليتجدد، سواء الدماء الطبيعية أو المعنوية وهي الهياكل الجديدة التي تُستحدث لسد فراغ أو لإصلاح خلل أو لخلق توازن فعال بين الاجهزة أو حتى لإيجاد وظائف لطاقات عاطلة عن العمل داخل التنظيم قد تموت أو تنفر من التنظيم إذا ملت من العطالة.

على أن أجهزة الدعوة يجب أن تكون لها امتيازات خاصة تميزها عن الأجهزة السياسية داخل التنظيم كونها تحمل أمانة الله، ورغم عدم إنتاجيتها المالية إلا أنه يجب أن تخصص لها كل الامكانيات لتمارس وظيفتها الدعوية بقوة وحيوية على ساحة الفساد والغفلة، أما الاجهزة السياسية فإنها تحتاج إلى انضباط أكثر أمام برامج المؤسسات التربوية، ولا سبيل إلى ذلك الا بقوة القانون الداخلي، ذلك أن أفرادها معرضون أكثر من غيرهم لأن يقلبوا الطاولة على الجماعة فتصير هرقلية بعدما كانت شورى، ولست محتاجا إلى تبيان ما يتبع ذلك من فساد أخلاقي وتربوي، الخطر كل الخطر من الاجهزة السياسية أن تنتج لنا الداهية الطاغوت، أما الاجهزة الدعوية فلا خطر منها سوى أن تنتج لنا شيخا مُستدرجا [9] خلفه ناعقون، شيطان آخر يريد أن يستعبد الصف من باب آخر وهو الدين.

أحمق مدلس عليه من يجر معه شطرا من الجماعة بنورانية مزيفة لا أساس لها إلا السراب الشيطاني. ولا أخبث من سياسي يقلب الشورى وراثة.


📌 الهوامش

  1. [1] الشخصية المعنوية هي الهيئات والمؤسسات والجماعات التي يريد المشرع أن يعترف بها، ويعطيها الحق في ممارسة كافة أنواع التصرفات القانونية في التعامل، وفي اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات، وأن يكون لها ذمة مالية مستقلة شأنها في ذلك شأن الأشخاص الطبيعيين.
  2. [2] في مرحلة الزحف نحو الحكم تسعى الجماعة لإيجاد أجهزة للدعوة. وعند قيام الدولة الإسلامية تبقى مؤسسات وأجهزة الدعوة مستقلة عن مؤسسات وأجهزة الدولة ليمكن للدعوة -وهي اليد اليمنى في حياة المسلمين- أن تؤدي وظيفتها في تعاون مع اليد الأخرى، لكن من مكان التوجيه والتربية والمراقبة. المنهاج النبوي، ص78
  3. [3] الدولة في واقعنا المر الكئيب مركب أجهزة يعلوها ويستخدمها ذوو السلطان لأهداف وغايات منفصلة تماما عن أهداف وغايات الدعوة، ومتى قام رجال الدعوة يؤدون مهمتهم ويجاهدون ليعود الأمر إلى نصابه بعد أن انقلب رأسا على عقب أصبحوا غرماء للدولة وجردوا من حقهم الإلهي بحق الدولة في صيانة نفسها كإدارة مستقلة متمردة على الله، وهكذا لوحق الدعاة وشردوا وقتلوا تقتيلا على مر عصور العض والجبرية. المنهاج النبوي، ص78
  4. [4] العميل المزدوج هو الشخص الذي يعمل لفائدة جهتين أو منظمتين مختلفتين بدون علم منهما، وعبارة عميل مزدوج يمكن أن تنطبق على عدة وضعيات من ذلك أن شخصا ما يمكن أن يعمل لدى جهة عسكرية لبلد ما ويمد بلدا آخر بنسخ من الوثائق السرية. وكذلك يمكن لشخص ما أن يعمل في مخبر بحثي لشركة ما ويمد منافس تلك الشركة بما لديه من معلومات، وغالبا ما يستعمل العميل المزدوج لتمرير التضليل بين المنظمات أو لكشف العملاء الأخرين في إطار عمليات مكافحة التجسس. من الأسباب التي تحول شخصا ما إلى عميل مزدوج ما يمكن أن يسلط عليه من تعذيب من قبل جهة ثانية تدخل على الخط أو إغراءه بالمال مقابل تحوله إلى عميل مزدوج.
  5. [5] حرب بالوكالة هي حرب تنشأ عندما تستخدم القوى المتحاربة أطرافا أخرى للقتال بدلا عنها بشكل مباشر. فيتم استعمال المرتزقة بشكل أكثر، حيث تأمل القوى أن تتمكن هذه الأطراف من ضرب أطراف أخرى دون الانجرار إلى حرب شاملة معلنة.
  6. [6] السلفية هي اسم لمنهجٍ يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، والأخذ بنهج النبوة والتابعين وتابعي التابعين باعتباره يمثل نهج الإسلام، والتمسك بأخذ الأحكام من كتاب الله، ويبتعد عن كل المدخلات الغريبة عن روح الإسلام وتعاليمه، والتمسك بما نقل عن السلف. وهي تمثل في إحدى جوانبها إحدى التيارات الإسلامية العقائدية في مقابلة الفرق الإسلامية الأخرى. وفي جانبها الآخر المعاصر تمثل مدرسة من المدارس الفكرية الحركية السنية التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا إلى ما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي بحسب ما يرونه. برزت بمصطلحها هذا على يد أحمد بن تيمية في القرن الثامن الهجري وقام محمد بن عبد الوهاب بإحياء هذا المصطلح من جديد في منطقة نجد في القرن الثاني عشر الهجري والتي كانت الحركة الإصلاحية التي أسسها من أبرز ممثلي هذه المدرسة في العصر الحديث. ومن أهم أعلامهم: عبد العزيز بن باز ومحمد ناصر الدين الألباني ومحمد بن صالح بن عثيمين ويعقوب الباحسين.
  7. [7] الصوفية أو التصوف هو مذهب إسلامي، لكن وفق الرؤية الصوفية ليست مذهبًا، وإنما هو أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)، فمثلما اهتم الفقه بتعاليم شريعة الإسلام، وعلم العقيدة بالإيمان، فإن التصوف اهتم بتحقيق مقام الإحسان، مقام التربية والسلوك، مقام تربية النفس والقلب وتطهيرهما من الرذائل وتحليتهما بالفضائل، الذي هو الركن الثالث من أركان الدين الإسلامي الكامل بعد ركني الإسلام والإيمان، وقد جمعها حديث جبريل عليه السلام، وذكرها ابن عاشر في منظومته (المرشد المعين على الضروري من علوم الدين)، وحث أكثر على مقام الإحسان، لما له من عظيم القدر والشأن. قال العارف بالله، أحمد بن عجيبة: "مقام الإسلام يُعبّر عنه بالشريعة، ومقام الإيمان بالطريقة، ومقام الإحسان بالحقيقة. فالشريعة: تكليف الظواهر. والطريقة: تصفية الضمائر. والحقيقة: شهود الحق في تجليات المظاهر. فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده". وقال أيضاً: "مذهب الصوفية: أن العمل إذا كان حدّه الجوارح الظاهرة يُسمى مقام الإسلام، وإذا انتقل لتصفية البواطن بالرياضة والمجاهدة يُسمى مقام الإيمان، وإذا فتح على العبد بأسرار الحقيقة يُسمى مقام الإحسان".
  8. [8] الراديكالية وتقابلها باللغة العربية حسب المعنى الحرفي للكلمة "أصل" أو "جذر"، ويقصد بها عموما التوجه الصلب والمتطرف والهادف للتغيير الجذري للواقع السياسي أو التكلم وفقا له، ويصفها قاموس لاروس الكبير بأنها "كل مذهب متصلب في موضوع المعتقد السياسي".
  9. [9] مثال الاستدراج بَلَعَم بن باعوراء الذي تعلم اسم الله الأكبر ودعا به على نبي الله موسى عليه السلام فأخزاه الله وجعله مثلا سيئا يُتلى في القرآن. قال تعالى: " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث. .".

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية