حين يصير الظلّ هو الجسد: لوبيات التنظيم ومصير الجماعة

حين يصير الظلّ هو الجسد: لوبيات التنظيم ومصير الجماعة

كل من انخرط يوماً في حزب أو نقابة أو جمعية أو جماعة دعوية في المغرب يعرف تجربة لا تُدوَّن في المحاضر. القرار الذي يُعلَن في الاجتماع كثيراً ما يكون قد حُسم قبله، في مكان آخر، وبين أشخاص آخرين. يدخل العضو القاعة معتقداً أنه شريك في صناعة الرأي، ويخرج منها وقد صادق على ما لم يشارك فيه. وههنا مفارقة لافتة: كلما أحكم التنظيم بناءه الرسمي ودقّق لوائحه وهياكله، بدا أن القرار الفعلي يهاجر إلى خارجها.

يسمّي فوزي أكريم هذا الخارج باسمه في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»: إنها اللوبيات، أو الأجهزة الموازية التي تنشأ داخل التنظيم الإسلامي وتؤثر في قراره دون أن يكون لها موضع في هيكله. غير أن ما يستوقفنا في هذه الملاحظة ليس الوصف نفسه، بل ما يترتب عليه. فاللوبي، فيما يبدو لنا، ليس جسماً غريباً يتسلل إلى التنظيم من الخارج، بل هو الشكل الذي تتخذه المصلحة حين ينفصل التنظيم عن الجماعة التي وُجد لخدمتها. ومن ثمّ فإن أطروحتنا هي التالية: لا يُهزم اللوبي بالرقابة ولا بالتطهير، لأنه عَرَض لانقلاب في الأولويات لا علّة قائمة بذاتها. وما لم تُستعَد أسبقية المعالي على الجهاز، فإن كل محاولة لاستئصاله لن تُنتج إلا لوبياً آخر.

في ضبط المفاهيم: الجماعة والتنظيم والمصلحة

لا يستقيم هذا الاستدلال دون تمييز دقيق بين ألفاظ يُخلط بينها عادة. نقصد بالجماعة جماعةَ المعنى: أفراداً اجتمعوا على غاية يرونها أعلى من ذواتهم، ورضوا بأن يبذلوا في سبيلها شيئاً من راحتهم ومنافعهم. أما التنظيم فهو الجهاز الذي يمنح هذه الغاية أدواتها، من مراتب ومكاتب ومساطر وتوزيع للمهام. الجماعة إذن هي الغاية الحيّة، والتنظيم وسيلتها المنضبطة.

ونقصد بالمعالي تلك الغايات التي تتجاوز الفرد وتسوّغ تضحيته، كإصلاح النفس والمجتمع وطلب ما يراه المؤمن رضا ربه. وفي المقابل نستعمل المصلحة هنا بمعناها الضيق، أي منفعة شخص أو فئة حين تُطلب لذاتها لا بوصفها جزءاً من الخير المشترك. أما الشرعية فهي قبول الأعضاء بأن القرار حقّ، لأنه صادر عن جهة يعترفون بها ولأنه يخدم الغاية التي اجتمعوا عليها. فإذا اختلّ أحد هذين الشرطين، المصدر أو الغاية، اهتزت الشرعية وإن بقيت المساطر سليمة في ظاهرها.

بهذه المفاهيم يصبح اللوبي قابلاً للتعريف بدقة: شبكة ولاء لأشخاص أو مؤسسات نافذة، تمارس سلطة على قرار التنظيم دون أن تستمد شرعيتها من الجماعة، وتخدم مصلحة غير مصلحتها.

سلطة في الظل: لماذا يعجز التنظيم عن القضاء عليها؟

يصف المؤلف هذه الأجهزة بأنها «ليست ضمن الهندسة التنظيمية للتنظيم، بل هي كيانات موازية تنشأ على هامش التنظيم في سرية تامة». ولعبارة الهامش هنا دلالة أعمق مما يوحي به ظاهرها. فالهامش ليس مكاناً خارج النص، بل هو المساحة البيضاء المحيطة به، التي يكتب فيها القارئ ما لم يقله الكاتب. واللوبي يكتب في هوامش التنظيم ما عجزت متونه عن قوله: من يُرقّى، ومن يُقصى، ومن يُستشار، ومن يُترك على الهامش الآخر، هامش التهميش.

ثم إن المؤلف يقرر أن التنظيم يُفترض فيه أن يقضي على هذه الكيانات لأنها سلطة موازية، لكنه لا يستطيع، فيتعامل معها. وهذا العجز هو مفتاح الإشكال. لماذا يعجز جهاز يملك اللوائح والهيئات والقدرة على الفصل عن مواجهة شبكة لا تملك شيئاً من ذلك؟ يبدو لنا أن الجواب يكمن في أن اللوبي يقدّم لأفراده ما كفّ التنظيم الرسمي عن تقديمه: الحماية والترقي والإحساس بالقرب من مركز القرار. وحين تصبح هذه الحاجات هي ما يشدّ العضو إلى انتمائه، بعد أن كان يشدّه إليه طلب المعالي، يغدو اللوبي أصدق تعبيراً عن الواقع من الهيكل الرسمي نفسه.

وتبلغ الظاهرة ذروتها في الجملة الأكثر إثارة للقلق في المقطع: «وفي أحيان متقدمة تكون هذه اللوبيات الموازية هي عين التنظيم». هنا ينقلب الظل جسداً. لم يعد اللوبي سلطة تنازع التنظيم، بل صار التنظيم واجهته الرسمية، وصارت المساطر طقوساً تمنح الغطاء لقرار اتُّخذ في مكان آخر. ولعل الأدق أن نقول إن التنظيم في هذه المرحلة لا يموت، بل يُفرَّغ. يبقى الاسم، وتبقى الشعارات، وتبقى الاجتماعات، لكن الروح انتقلت.

وثمة ما يزيد هذه الآلية خطورة في التنظيمات ذات المرجعية الدينية خاصة. فالسرية التي يصفها المؤلف تجد في هذه البيئات تربة خصبة، لأن ثقافة الكتمان وحسن الظن بالإخوة وكراهة الخوض في النيات كلها فضائل في أصلها. غير أنها تصير، حين تُستثمر في غير موضعها، دروعاً تحمي الشبكة من المساءلة. من يجرؤ على السؤال عن نية أخ يُفترض فيه الإخلاص؟

اعتراض وجيه: أليس التكتل طبيعة كل اجتماع بشري؟

قد يُعترض بأن هذا التحليل يُضفي على ظاهرة طبيعية لوناً أخلاقياً قاتماً. فكل جماعة بشرية تتولد داخلها تقاربات وصداقات وتيارات رأي، وليس من الواقعي أن ننتظر من مئات الأفراد أن يتعاملوا مع التنظيم بوصفه كتلة صمّاء. بل إن هذه التكتلات قد تكون أحياناً قاطرة الإصلاح: حين تتصلب الأجهزة الرسمية وتعجز عن التجديد، تأتي المبادرة من مجموعات صغيرة تفكر خارج المسالك المعتادة. ويضيف المعترض أن السرية قد تكون اضطراراً لا اختياراً، في تنظيمات عاشت طويلاً تحت أعين الرقابة.

هذا الاعتراض قوي، ولا ينبغي التقليل منه. غير أنه يخلط بين أمرين يفصل بينهما المقطع بوضوح حين يقرر أن فلسفة اللوبي تنطوي على نية مبيتة للحفاظ على مصالح خاصة غير مصالح الجماعة. فالمعيار ليس وجود التكتل في ذاته، بل وجهة ولائه وطبيعة علنيته. تيار الرأي يعلن نفسه، ويحاجج داخل المؤسسات، ويقبل أن يُهزم بالحجة أو بالتصويت، ويظل ولاؤه معقوداً للغاية المشتركة وإن اختلف في الطريق إليها. أما اللوبي فيعمل في الخفاء، لا لأن الخارج يتربص به، بل لأن الداخل لو علم بغايته لرفضها. سرّيته موجهة ضد الجماعة نفسها لا ضد خصومها.

ومن هنا يتضح لماذا لا يكون التطهير حلاً. فالقيادة التي تقرر استئصال اللوبيات بقرار فوقي، دون أن تعيد للجماعة سلطتها على التنظيم، تمارس بدورها منطق اللوبي: تحسم في الظل، وتُقصي باسم المصلحة العليا، وتبني ولاءً جديداً لأشخاصها. يتغير الأشخاص ويبقى المنطق. لا علاج إذن إلا في ما هو أصعب من التطهير: أن تستعيد الغاية سلطتها على الجهاز، وأن يصير القرار مكشوفاً قابلاً للمساءلة، وأن يُعاد الاعتبار لعضو لا يملك من رصيده إلا إخلاصه.

يبقى سؤال يتجاوز التنظيمات الإسلامية إلى كل عمل جماعي في بلادنا. إذا كان اللوبي قد صار في بعض الحالات عين التنظيم، فأين تقيم الجماعة حينئذ؟ لعلها لا تقيم إلا في أفراد ما زالوا يحضرون الاجتماعات معتقدين أن القرار يُصنع أمامهم. وهؤلاء أمام خيار لا يملك أحد أن يحسمه عنهم: أن يرحلوا فيتركوا الجهاز لمن استولى عليه، أو أن يبقوا فيصيروا، دون أن يدروا، الغطاء الأخير لشرعية لم تعد لهم.

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية