حين تتحول الجماعة إلى جيفة: سؤال التنظيم والطائفية

حين تتحول الجماعة إلى جيفة: سؤال التنظيم والطائفية

لماذا تتحول التنظيمات التي تنطلق باسم الإصلاح إلى بؤر للمصالح الضيقة؟ ولماذا ينقلب الخطاب الذي يرفع شعار الوحدة إلى ممارسة تكرّس الفرقة والطائفية؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً في السياق المغربي، بل هو استفهام ملحّ يفرضه واقع تنظيمات تدّعي تمثيل الدين والمجتمع، بينما تنكفئ على مصالحها الخاصة، وتحول المجال العام إلى ساحة للصراع على المكاسب لا إلى فضاء للبناء الجماعي.

من التنظيم إلى الطائفية

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم يده على جرح عميق حين يصف بعض التشكيلات بأنها «جماعة مارقة مجتمعة على جيفة الطائفية النتنة، مصالح مستعجلة أو أهداف يغذيها الشيطان والنفس المشيطنة المجبولة على بغض الصالحين ومحاربة كل أشكال الاصلاح». هذا الوصف القاسي ليس مجرد إدانة أخلاقية، بل هو تشخيص دقيق لانحراف خطير: التحول من منطق التنظيم الذي يسعى لتحقيق الخير العام، إلى منطق الطائفة التي تتكالب على المصالح الآنية.

المفارقة المؤلمة أن هذه التنظيمات غالباً ما تستند إلى نصوص دينية تدعو للوحدة والاجتماع، لكنها تفرغها من محتواها لتوظفها في خدمة أجندات ضيقة. فالآية الكريمة «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» تصبح شعاراً يُردّد دون أن يُترجَم إلى ممارسة فعلية، بل إن الواقع يشهد العكس تماماً: تفرقاً وتشرذماً يُمارَس باسم الدين نفسه.

ظاهر الحق وضعاف العقول

ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة هو أن أصحابها يمتلكون «ظاهر الحق الذي يأخذ بضعاف العقول»، كما يشير الكاتب. فالخطاب الديني أو الإصلاحي المغلّف بالمصطلحات الجذابة يُسهّل على هذه التشكيلات استقطاب أتباع يظنون أنهم يخدمون قضية كبرى، بينما هم في الحقيقة يُستخدَمون لخدمة مصالح فئوية. هذا الاستغلال للبساطة والحماس لدى البعض يحول التنظيم إلى أداة للهيمنة لا للتحرير، وإلى وسيلة للإقصاء لا للجمع.

في المغرب، شهدنا تجارب عديدة لتنظيمات بدأت بخطاب إصلاحي واعد، لكنها سرعان ما انزلقت إلى منطق المحاصصة والمكاسب الحزبية. والنتيجة كانت خيبة أمل جماعية، وفقداناً للثقة في إمكانية أن يكون التنظيم الإسلامي أو الإصلاحي فعلاً أداة للتغيير الإيجابي. بل إن بعضها أصبح جزءاً من منظومة الفساد التي كان يدّعي محاربتها.

التنظيم الحقيقي: من الحق إلى القانون

يقدم الكاتب بديلاً واضحاً حين يربط بين التنظيم الحقيقي وتكريس الحق والقانون، لا الطائفية. فـ«الحق أساس الخير، والقانون طريق الحق»، كما يقول. هذا يعني أن التنظيم المطلوب ليس ذاك الذي يجمع الناس على أساس الولاء الضيق أو المصلحة الفئوية، بل ذاك الذي يؤسس لمنظومة قانونية عادلة يتساوى أمامها الجميع، حيث «عندما يُطبق القانون يتحصل الحق، ثم يتبعه الخير».

هذا الطرح يضعنا أمام سؤال جوهري: هل يمكن لتنظيماتنا الحالية، سواء كانت دينية أو سياسية أو مدنية، أن تتجاوز منطق الطائفية والمصلحة الضيقة نحو منطق المؤسسة القائمة على الحق والقانون؟ وهل نحن كمجتمع مستعدون لمحاسبة التنظيمات التي تنحرف عن رسالتها الأصلية، أم سنظل أسرى الشعارات الجوفاء والولاءات العمياء؟

ما رأيك: هل التنظيمات الإسلامية والإصلاحية في المغرب قادرة على تجديد نفسها والعودة إلى جوهر رسالتها، أم أن منطق المصلحية قد ترسّخ بشكل لا رجعة فيه؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية