حين تصبح المصلحة قاتلة للإخاء: تأملات في الواقع الحركي

حين تصبح المصلحة قاتلة للإخاء: تأملات في الواقع الحركي

لماذا تتحول الحركات التي تنطلق من شعارات الإصلاح والتغيير إلى أكبر عائق أمام أي محاولة جادة للتغيير؟ ولماذا يصبح الخطاب الديني، الذي من المفترض أن يكون أداة للتوحيد والبناء، سلاحاً لحماية المصالح الضيقة وتكريس الوضع القائم؟ هذه أسئلة يطرحها الواقع المغربي بإلحاح، خاصة حين نرى تنظيمات تدّعي الإسلام مرجعية لها، لكنها تمارس أبشع أنواع الإقصاء والتخوين ضد كل صوت جديد يحاول أن يشق طريقه في الفضاء العام.

من تأليف القلوب إلى تأليب القلوب

يذكّرنا المقطع بمعنى جوهري غاب عن كثير من التنظيمات المعاصرة: “القلوب المؤلفة تؤدي إلى الأخوة، وقد كنتم من قبل على شفا حفرة من النار”. هذا التذكير القرآني يضعنا أمام حقيقة مؤلمة: التنظيم في الأصل وسيلة لتأليف القلوب المتنافرة، لا لتأليب القلوب المتآلفة. لكن ما نشهده اليوم هو العكس تماماً؛ تنظيمات تستثمر في الفرقة، وتصنع الأعداء من الإخوة، وتحوّل كل اختلاف فكري إلى معركة وجود.

في المشهد المغربي، نلحظ كيف تحولت بعض التنظيمات ذات المرجعية الإسلامية من مشاريع للتغيير إلى أدوات لحماية المكتسبات. صارت الأولوية ليست للمبادئ التي أُسّست عليها، بل للحفاظ على مواقعها في خريطة النفوذ السياسي والاجتماعي. وأصبح أي تيار صاعد، حتى لو كان يحمل نفس المرجعية، يُنظر إليه بعين الريبة والعداء، لا بوصفه رافداً جديداً للمشروع الإصلاحي، بل بوصفه منافساً على “الكعكة”.

الازدواجية الخطيرة

ما يجعل الأمر أكثر خطورة هو تلك الازدواجية التي يشير إليها الكاتب، حين يصف “حربائية متقنة تلك الطريقة التي يستعملها السياسيون عندما يلعبون بالحداثة تارة ثم يلعبون بالدين تارة أخرى”. هذه الازدواجية ليست مجرد براغماتية سياسية، بل هي انحراف خطير عن الصدق الذي يُفترض أن يكون القيمة الأولى لمن يتحدث باسم الدين. فحين يصبح الخطاب الديني مجرد أداة توظّف حسب الحاجة، ويُستدعى فقط لضرب الخصوم وحماية المصالح، فإننا أمام أزمة أخلاقية عميقة قبل أن نكون أمام أزمة سياسية.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تتم باسم “نظرية المتغلب”، أي الاحتماء بالأمر الواقع وتقديسه، وتحويل كل نقد إلى فتنة، وكل محاولة للتجديد إلى خروج عن الجماعة. وهكذا تتحول التنظيمات من أدوات للتغيير إلى حراس للجمود، ومن دعاة للإصلاح إلى حماة للفساد.

سؤال المصداقية

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: كيف يمكن لتنظيم أن يدّعي تمثيل قيم الإسلام وهو يمارس الإقصاء والتخوين؟ وكيف يمكن له أن ينادي بالإصلاح وهو يحارب كل محاولة إصلاحية حقيقية تهدد مواقعه؟ المفارقة أن هذه التنظيمات تستمد شرعيتها من خطاب ديني يدعو إلى التآلف والإخاء، لكنها تمارس على الأرض نقيض ذلك تماماً.

إن التنظيم الحقيقي، كما يشير المقطع، هو الذي يكون “إضافة نوعية إلى جماعة المسلمين لا وبالاً عليها”. لكن حين يتحول التنظيم إلى غاية في حد ذاته، وحين تصبح مصلحته أهم من رسالته، فإنه يفقد مبرر وجوده، ويتحول فعلاً إلى وبال على الأمة التي يزعم خدمتها.

هل آن الأوان لمراجعة جذرية لمفهوم التنظيم في الحقل الإسلامي المغربي، بحيث يعود إلى غايته الأصلية: تأليف القلوب وخدمة المجتمع، بدلاً من حماية المصالح وتكريس الانقسام؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية