كم مرة سمعنا في المغرب عن فضيحة فساد كبرى، ثم تلاشى الأمر كأن شيئاً لم يكن؟ كم مرة رأينا مواطنين يصرخون فرادى أمام إدارة أو مؤسسة، بينما تمضي عجلة الإفلات من العقاب في دورانها الرتيب؟ المفارقة المرة التي نعيشها أن الفساد في بلادنا منظم ومهيكل، بينما المواجهة ضده تبقى فردية وعشوائية، كصرخات في الريح لا تجد من يحملها أو يضخمها.
يضع فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إصبعه على الجرح حين يقول: “الفساد أيضا ليس عملا فرديا، إنه شبكات مُنظمة. هذا الفساد المنظم في الأنظمة والتنظيمات لا يردعه سوى الإصلاح المنظم”. هذه الحقيقة البسيطة والقاسية في آن تكشف عن خلل بنيوي في مقاربتنا للإصلاح: نحن نواجه آلة منظمة بجهود مبعثرة، ونحاول مقاومة شبكات متماسكة بمبادرات فردية.
عندما يصبح الفساد نظاماً
الفساد في تجلياته الكبرى ليس مجرد موظف يطلب رشوة، أو مسؤول يستغل نفوذه. إنه منظومة كاملة لها قواعدها غير المكتوبة، وهياكلها الخفية، وآليات حمايتها الذاتية. له “قانون عُرفي ومراسيم تنظيمية متفق عليها ونسق معين”، كما يشير أكريم. هذه المنظومة تحمي نفسها بالتضامن الداخلي، وبالتعقيد الإداري، وبالإفلات المتبادل من المساءلة.
في المقابل، كيف يواجه المواطن المغربي هذه المنظومة؟ غالباً بشكوى فردية، أو منشور على فيسبوك، أو تظلم يضيع في دهاليز الإدارة. حتى حين تنشأ حركات احتجاجية عفوية، فإنها تفتقد للاستمرارية والتنظيم الذي يمكّنها من انتزاع تغيير حقيقي. المواطن الفرد يقف عارياً أمام جهاز منظم، والنتيجة محسومة سلفاً.
التنظيم ليس ترفاً
يطرح أكريم ضرورة “وجود تنظيمات حقيقية تنافح عن الحق والقانون وتضغط على الفساد المتغلب من أجل الرضوخ إلى الحق والاستماع إلى صوت المظلوم”. لكن الواقع المغربي يشهد تضييقاً متزايداً على هامش العمل المدني والحقوقي الحقيقي. الجمعيات التي تحاول الضغط الفعلي تجد نفسها محاصرة بالبيروقراطية أو التشكيك في مصادر تمويلها، بينما تُترك الجمعيات الصورية التي لا تزعج أحداً لتعمل بحرية.
المشكلة ليست في غياب الوعي بأهمية التنظيم، بل في تعطيل إمكانيته. فعندما “يُصادر حق الانتظام فلا يمكن الحديث عن الإصلاح، اللهم المشاركة في لعبة الضحك على الذقون”، كما يقول أكريم بمرارة. نحن نطلب من الناس أن يصلحوا أوضاعهم، لكننا نمنع عنهم الأداة الوحيدة الفعالة: التنظيم الجماعي المستقل.
الضغط بلغة يفهمها الفساد
ليست المسألة أخلاقية فحسب، بل تتعلق بموازين القوى. الفساد لا يتراجع أمام المواعظ أو النداءات الأخلاقية، بل أمام الضغط المنظم والمستمر. التنظيمات المدنية الفاعلة هي التي تستطيع “أن تقف في وجه الفساد المنظم وتخاطبه باللغة التي يفهمها وهي لغة الضغط”. هذا يتطلب استمرارية، وتراكماً معرفياً، وقدرة على التعبئة، وشبكة من التحالفات، كلها أمور لا يمكن تحقيقها إلا من خلال عمل تنظيمي حقيقي.
في المغرب اليوم، نحن أمام خيار صعب: إما أن نعترف بأن مواجهة الفساد المنظم تتطلب إصلاحاً منظماً، وبالتالي نفتح المجال الحقيقي للتنظيمات المستقلة، أو نستمر في المسرحية التي نعرف جميعاً نهايتها. الإصلاح الحقيقي لا يحدث بمراسيم من فوق فقط، بل بضغط منظم من تحت أيضاً.
هل يمكن أن نتخيل مغرباً تُحترم فيه حقيقة التنظيمات المدنية المستقلة كشريك في مواجهة الفساد، أم أننا محكومون بالبقاء في دائرة الشكوى الفردية العقيمة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً