مقتطف من كتاب «شرح مدونة الأسرة» — من محور «الباب الأول: الزواج»، للكاتب فوزي أكريم.
تمهيد
قال سبحانه وتعالى : ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” سورة النساء.
نظمت الشريعة الإسلامية المعاملات إلى جانب العبادات، فالمعاملات تنظم العلاقات المالية من تجارة ومعاملات مالية وتبادل المنقولات والعقارات والحقوق المالية المختلفة، كما تنظم المناكحات عن طريق أحكام الزواج واطلاق وآثارهما، وعلى اعتبار أن المغرب دولة إسلامية فالمفروض أن أحكام الزواج بين المسلمين تخضع للشريعة الإسلامية وتخضع بين اليهود للشريعة اليهودية، لكن المغرب دخل مع عهد مدونة الأسرة مرحلة جديدة حيث تم تجاوز الشريعة الإسلامية وإدخال عديد من المقتضيات الدولية النابعة من الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، كما طرحت إشكالية سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب على القوانين الوطنية ومن بينها مدونة الأسرة، وهو المقتضى الدستوري الذي نص عليه دستور 2011.
ما قبل الاستقلال نظمت أحكام الزواج قواعد الفقه المالكي، وبعد الاستقلال نظمته مدونة الأحوال الشخصية سنة 1957 التي اعتمدت بشكل كلي على الشريعة الإسلامية حيث عرفت تعديلات طفيفة سنة 1993، وفي سنة 2003 دخلت مدونة الأسرة حيث اعتمدت مقاربة تشاركية تعمد على المساواة بين الرجل والمرأة في كل أمور الزواج والطلاق وفق مستجدات العصر الحديث مع امتيازات خاصة للمرأة فيما يتعلق بآثار الزواج والطلاق، هذه التسمية غريبة عن الفقه الإسلامي، وهي تحاكي ما يسميه الغرب بالأحوال الشخصية statut personnel، هذا الطابع لائكي الأصل بعيد عن الدين، ومع ذلك يمكن القول أن المدونة حافظت على بعض المقتضيات الإسلامية، وقد أشارت المادة 1 من المدونة إلى أنها تتميز بصيغة التعريف عن بقية المدونات الأخرى التي تأتي بصيغة نكرة كـ مدونة التجارة مثلا، فعندما ننطق المدونة فنعني بها مدونة الأسرة.
الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، فمع تطور الإنسان وتنظم المجتمع جاءت الأسرة لتكون نواة المجتمع، رغم أن أفلاطون نادى بفكرة أن تكون المرأة زوجة مشتركة بين كثير من الرجال، وهذا مفهوم ينكر تماما فكرة الأسرة المعتمد على زوج و زوجة وأولاد، وتبقى هذه الفكرة من شطحات الفلاسفة وأفكار الشيوعيون الذين قالوا أيضا بضرورة بقاء العمال دون حياة زوجية لتحسين الإنتاج وأن الطفل يجب أن تربيه الدولة، لكن أيضا هذا التوجه لم ينجح، بل يمكن القول أنه إلى حدود الاستعمار كانت الأسرة المغربية قوية وهي من أسباب طرد الاستعمار، الذي شهد بقوة الأسرة المغربية وتميزها عن الأسرة الأوربية المفككة.
والزواج ليس مجرد نظام اجتماعي بل هو أيضا نظام قانوني، فالقانون أصبح يضع القواعد التي تحكمه سواء من حيث شروطه أو ما ينظمه أو أثاره، فالزواج في كل المجتمعات البشرية يخلق علاقة تنطوي على حقوق وواجبات، ويتولى القانون تنظيم هذه الحقوق والواجبات، ويحل المشاكل التي تنجم عن هذه العلاقة وليس من الضروري أن تكون الحلول واحدة بل تتباين باختلاف الزمان والمكان والأديان والحضارات .
المحور الأول : مفهوم الأسرة والسياق التاريخي لتطور قوانين الأسرة
📖 اقرأ الفصل كاملاً في المكتبة القانونية
هذا المقتطف جزء من كتاب «شرح مدونة الأسرة»، للكاتب فوزي أكريم، ضمن سلسلة المكتبة القانونية على الموقع.







اترك تعليقاً