فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

آليات حل تنازع القوانين: التكييف والإسناد والإحالة

📖 القانون الدولي الخاص — الفصل 4 من 7 — فهرس الكتاب

آليات حل تنازع القوانين

أولا : التكييف

يقصد به تلك العملية الأولية التي يقوم بها القاضي لتحديد التصرف أو الواقعة القانونية محل النزاع والمشتملة على عنصر أجنبي وإعطائها الوصف القانوني الذي يحكم هذا التصرف أو الواقعة ، ويستهدف تحديد الطبيعة القانونية للمسألة التي تثيرها وقائع المنازعة ، أي ترجمة أو صياغة أوضاع واقعية إلى أفكار قانونية محددة يمكن أن تستوعبها قواعد القانون ، بغية إدراجها في طائفة معينة من طوائف العلاقات القانونية التي وضع لها القانون قاعدة تنازع ، والتكييف له طابع قانوني ظاهر .

تحديد القانون الواجب التطبيق على التكييف

• اخضاع التكييف لقانون القاضي : تعزى للفقيه الفرنسي هارتان والالماني كاهن ، الذين قالا بإخضاع مسألة التكييف لقانون القاضي لاعتبارات السيادة الوطنية وذلك لأن المشرع الوطني عندما يسمح بتطبيق القانون الأجنبي بواسطة قاعدة الاسناد إنما يجد من السيادة الاقليمية لدولته لذا يجب الرجوع إلى المشرع الوطني نفسه للتعرف على مدى هذا التنازع وحدوده ، في الفقه المعاصر تحليل هذه النظرية يقول بأن التكييف عبارة تفسير لقواعد الانسان الوطني وبديهي أن يتم ذلك وفقا للقانون الوطني نفسه . و قد قدم الفقه الحديث مجموعة من الحجج على ذلك :

• التكييف يجب أن يكون واحدا فلا يتغير القانون

• تتسم هذه الحجة بطابع نفسي فالقاضي يكيف القضية بحكم تكوينه الثقافي والقانوني فمن الطبيعي أن يحدد الاوصاف القانونية للمسألة طبقا لقانونه .

• هذه الحجة أخذ بها غالبية الكتاب والفقهاء فقالوا بأن تفسير قاعدة ما في قانون ما لا يمكن أن يكون إلا وفقا لهذا القانون ذاته .

• نظرية تطبيق القانون الذي يحكم القضية : هي نظرية عكسية بالمقارنة مع النظرية السابقة ، صاغها الفقيه الفرنسي ديسبانييه ويرى اصحاب هذه النظرية أن تكييف طبيعة العلاقة القانونية محل النزاع يجب أن يكون وفقا للقانون المختص بحكم موضوع هذا النزاع كما يؤكد أصحاب هذا الرأي على ضرورة الرجوع إلى القانون الذي أشارت إليه قاعدة الاسناد بتطبيقه لتحديد طبيعة المسألة محل النزاع ويستند هؤلاء إلى مجموعة من الحجج :

• احترام الاختصاص الكامل الذي يحكم القضية فمن غير المفهوم أن تختار قاعدة تنازع قانونا معينا لحل نزاع ثم لا يطبق القاضي ذلك القانون كاملا .

• اجراء تكييف طبقا لقانون آخر خلاف القانون الواجب التطبيق يحمل مغبة تطبيق هذا الاخير في غير الحالات التي يسري عليها

• حجج متعلقة باعتبارات العدالة وثغرات قانون القاضي ، فإخضاع التكييف للقانون الذي يحكم النزاع يتلافى النتائج الغير العادلة التي يمكن أن يقود إليها تطبيق قانون القاضي على التكييف .

قانون القاضي يعني أن القاضي الوطني يتعين عليه أن يجري التكييف طبقا للمقتضيات والتصورات السائدة في قانون الدولة التي يحكم باسمها يمعنى أنه يتوجب على القاضي المغربي أن يجري التكييف وفقا للقانون المغربي

مثال ذلك ، اذا كان قانون القاضي يعتبر شرط الزواج الديني داخلا في الشروط الشكلية مثلا فإن هذا التكييف هو الذي يتعين على القاضي العمل به فيعتبر التصرف المبرم طبقا لقانون دولته صحيحا بصرف النظر عن التكييف الذي يقضي به القانون الاجنبي ولا قاعدة الاسناد التي توجد في قانون القاضي .

نظرية تطبيق القانون المقارن

يرى أصحاب هذه النظرية أن التكييف يجب أن يتم وفقا للقانون المقارن اي يجب أن يستخلص هذا التكييف وفقا للأفكار العالمية المستخلصة من دراسة القانون ودون التقيد بمفاهيم قانون معين بذاته سواء كان قانون القاضي أو القانون الواجب التطبيق على النزاع . ولهم حجج في ذلك :

• إن التكييف في تنازع القوانين وقانون العلاقات الخاصة الدولية ليس هو التكييف في القانون الداخلي وبالتالي يجب أن يكون التكييف حسب أفكار ومبادئ تتفق وخصوصية تنازع القوانين الذي يتصل بعلاقات ذات طابع دولي .

• إن إجراء التكييف وفقا للقانون المقارن يساعد على توقي عيوب النظريتين السابقتين لا سيما في الفرضية التي يواجه فيها القاضي نظاما قانونيا يجعله قانونه أو القانون الواجب التطبيق على القضية

ثانيا : الاسناد

هي تلك القواعد القانونية التي تدل القاضي على القانون الواجب التطبيق على المنازعات المشتملة على عنصر أجنبي أو أكثر والتي يتزاحم على حكمها قانونين أو أكثر كل صالح للتطبيق ولكي يتعين اختيار واحد من بينهم بحكم النزاع القانوني فقط .

عناصر قاعدة الاسناد

• الفكرة المسندة : عندما يقوم المشرع الوطني بتصنيف العلاقات المتشابهة ، هذه الفئات تسمى الافكار المسندة ، يقوم باثبات الاختصاص بحكم هذه الفكرة إلى قانون معين يكون هو الواجب التطبيق وذلك عن طريق معيار وهو ضابط الاسناد

• ضابط الاسناد : وهو المعيار الذي يختاره المشرع الوطني للارشاد إلى القانون الواجب التطبيق مع ضرورة مراعاة كون ضابط الاسناد متصل بالعنصر الرئيسي في المركز القانوني

• القانون المسند إليه : إن القانون المسند إليه هو ذلك القانون لدولة معينة مع ضرورة ثبات كيان هذه الدولة وفقا لأحكام القانون الدولي العام وتكون دولة القاضي معترف بها . يبقى السؤال ما هي القواعد القانونية في القانون المختص التي سيطبقها القاضي ؟ تعرف هذه النظرية بنظرية الاحالة .

مثال : اذا تعاقد مغربي مع تونسي في طوكيو على شراء منقول موجود في الاردن ففي مثالنا هذا لو ثار نزاع وعرض أمام قاض مختص بنظره بموجب أي قانون يحكم ؟ هل هو القانون المغربي بوصفه قانون الدولة التي ينمي اليها أحد المتعاقدين أم هو القانون التونسي بوصفه قانون دولة المتعاقد الاخر أم هو القانون الياباني بوصفه قانون الدولة التي أبرم فيها العقد أم هو قانون الاردن الدولة التي يوجد فيها المنقول ، هذا التعدد في القوانين المحتملة التطبيق انما هو عملية تقوم في ذهن القاضي وعليه أن اختيار القانون الأكثر ملاءمة وذلك عن طريق قاعدة الاسناد في قانونه الوطني .

ثالثا : الاحالة

لما كانت قواعد الاحالة تختلف من دولة إلى أخرى فقد نتج عن ذلك بروز التنازع ، هذا التنازع نوعين إجابي وسلبي ، فالتنازع الايجابي يبرز عندما تعطي كل قاعدة من قاعدتي الاسناد المتنازعتين الاختصاص لقانونها الداخلي أنذاك يطبق القاضي قانون دولته ، أما التنازع السلبي فإن كل قاعدة من قواعد الاسناد تنيط الاختصاص بالقانون الآخر ، وتعرف بالاحالة بأنها تلك الفكرة التي تقتضي بتطبيق قواعد الاسناد في القانون الأجنبي المختص بحكم العلاقة بمقتضى قواعد الاسناد الوطنية متى اختلفت هذه الأخيرة وكان التنازع بينهما سلبيا .

أنواع الإحالة :

• الاحالة من الدرجة الاولى : في الحالة التي يؤدي فيها أعمال قاعدة التنازع في القانون الأجنبي واجب التطبيق اعتبارا إلى رفض ترشيحه أو قابلية الحكم لمسألة محل النزاع ورد الاختصاص إلى قانون القاضي بحيث يطبق القاضي القواعد الموضوعية في قانونه ولا يتصور إعادة تطبيقه لقواعد التنازع الوطنية الأخرى

• الاحالة من الدرجة الثانية : فيها يؤدي الرجوع إلى قواعد التنازع في القانون الأجنبي المختار إلى رفض فكرة الاختصاص بحكم أن المسألة المعروضة أو الإحالة ليس إلى قانون القاضي بل لقانون دولة ثالثة

• الاحالة الطويلة : حينما يؤدي الرجوع إلى قواعد التنازع في القانون الأجنبي المختص طبقا لقواعد التنازع في قانون القاضي إلى رفض اختصاص قانونها ، إحالته إلى دولة ثالثة الذي يرفض بدوره الاختصاص طبقا لقواعد التنازع فيه ويحيله الى قانون دولة رابعة والذي يحيله إلى قانون دولة خامسة وهكذا الى أن ينتهي الأمر بقبول قانون معين التطبيق على المسألة المعروضة أمام القاضي الوطني

• الاحالة الدائرية : تتحقق عندما تقرر قواعد التنازع في القانون الأجنبي الواجب التطبيق اختيار دولة ثالثة ، غير أن الرجوع إلى قواعد التنازع يجعل الاختصاص إما لقانون دولة القاضي أو لقانون الدولة الاجنبية الذي تم اختياره ابتداء حسب قواعد التنازع في قانون القاضي

• الاحالة الكاملة : القاضي الوطني لا يطبق قواعد التنازع في القانون المختص أصلا والتي تحيله إلى قانونه أو إلى قانون دولة ثالثة بل بمقتضاه يخضع القاضي الذي يفصل في المسألة نفسه موضع قاضي الدولة الأجنبية التي ينتمي اليها القانون الواجب التطبيق ويحل تنازع القوانين على النحو الذي سيحيله به القاضي الاجنبي

الاحالة بين القبول والرفض

مؤيدو الاحالة :

• كل دولة حرة في تطبيق القانون الأجنبي وإذا قضت بتطبيقه فعليها أن تطبقه ككل لا يتجزأ أي ككل يتركب من قواعد الاسناد ، القواعد الموضوعية

• يؤدي تطبيق قواعد الاسناد في القانون الأجنبي الواجب التطبيق إلى تعميم الحلول ، علاوة على احترام الحكم الذي يصدر القاضي الوطني والاعتداد به ، والأخذ بها يحقق تبادلا في الحلول بين الدولتين صاحبتي الشأن ويسهل تنفيذ الاحكام في الخارج عن طريق الحصول على الأمور بالتنفيذ

معارضي الاحالة :

• طبيعة قواعد التنازع ووظيفتها إن قواعد التنازع سواء في قانون القاضي أو القانون الأجنبي تعد من قواعد القانون العام وبالتالي فهي اقليمية التطبيق ولا يطبقها إلا قاضي الدولة التي وضعتها

• الاحالة تؤدي إلى حلقة مفرغة أو إلى تتابع الاحالات إلى ما لا نهاية مما يسبب ضياع مصالح الافراد

• ضعف فكرة المجاملة الدولية فنظام الاحالة لا يمن تبريره إلا بفكرة المجاملة الدولية

• الاحالة دواء لغير داء فقواعد التنازع عموما وجدت لفض التنازع لذلك لا مجال للأخذ بالاحالة من الناحية المنطقية حيث مشكلة تنازع القوانين قد حلت بمجرد إعمال قواعد التنازع في قانون القاضي واختيار القانون الواجب التطبيق

رفضت مجموعة من الدول نظرية الاحالة منها ايطاليا واليونان والبرازيل واسبانيا و مصر وسوريا بينما قبلها الاجتهاد القضائي في بريطانيا والمانيا وسويسرا و اليابان والصين و السويد وكذا اتفاقية لاهاي وجنبيف بشأن الاوراق التجارية ، أما في المغرب فلم يتعرض الظهير المتعلق بوضعية الاجانب لهذه المسألة .

📗 خلاصة الباب

  • التكييف هو العملية الأولية التي يقوم بها القاضي لتحديد طبيعة التصرف أو الواقعة القانونية محل النزاع تمهيدا لتطبيق قاعدة الإسناد المناسبة، وتتنازعه نظريات متعددة حول القانون الواجب تطبيقه عليه: إخضاعه لقانون القاضي، أو للقانون الذي يحكم موضوع النزاع، أو للقانون المقارن.
  • قاعدة الإسناد هي القاعدة التي تدل القاضي على القانون الواجب التطبيق على النزاع المشوب بعنصر أجنبي، وتتكون من ثلاثة عناصر: الفكرة المسندة (الفئة القانونية المصنفة)، ضابط الإسناد (المعيار المختار للإرشاد إلى القانون الواجب التطبيق)، والقانون المسند إليه.
  • الإحالة تنشأ عن اختلاف قواعد الإسناد بين الدول، ولها أنواع متعددة (من الدرجة الأولى، من الدرجة الثانية، الطويلة، الدائرية، الكاملة)، وقد انقسم الفقه حولها بين مؤيد (يرى في الأخذ بها احتراما لوحدة تطبيق القانون الأجنبي وتعميما للحلول) ومعارض (يرى فيها حلقة مفرغة تضيع مصالح الأفراد وتناقض وظيفة قواعد التنازع)، وقد رفضتها دول (إيطاليا، اليونان، البرازيل، إسبانيا، مصر، سوريا) بينما قبلتها أخرى.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية