فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الخامس : انقضاء الالتزامات

📖 نظرية الالتزام — الفصل 7 من 9 — فهرس الكتاب

بعد أن تناولنا نشأة الالتزام وتنفيذه، نخصّص هذا الباب للطرق التي ينقضي بها. وقد حصرها الفصل 319 من قانون الالتزامات والعقود في ثمانية طرق، فنصّ على أن «تنقضي الالتزامات بما يأتي : 1 – الوفاء؛ 2 – استحالة التنفيذ؛ 3 – الإبراء الاختياري؛ 4 – التجديد؛ 5 – المُقاصة؛ 6 – اتحاد الذمة؛ 7 – التقادم؛ 8 – الإقالة الاختيارية». وقد سبق أن عرضنا لاستحالة التنفيذ عند حديثنا عن القوة القاهرة، فنقتصر هنا على الطرق الأخرى.

الفصل الأول : الوفاء

الوفاء هو الطريق الطبيعي لانقضاء الالتزام، وهو تنفيذه على الوجه الذي التزم به المدين. نصّ الفصل 320 على أن «ينقضي الالتزام بأداء محله للدائن وفقا للشروط التي يحددها الاتفاق أو القانون».

فالوفاء تنفيذ عيني للالتزام كما تعهّد به المدين، وهو ما يميّزه عن التنفيذ بمقابل الذي عرضنا له في الباب السابق. ويصحّ الوفاء من المدين نفسه أو من الغير، ويصحّ للدائن نفسه أو لمن ينوب عنه قانوناً أو اتفاقاً.

الفصل الثاني : الإبراء الاختياري

الإبراء هو تنازل الدائن عن حقه في مطالبة المدين بالوفاء، وهو تصرف بإرادة منفردة من الدائن لا يحتاج إلى قبول صريح من المدين — وإن كان يصحّ للمدين رفضه.

ميّز الفصل 341 بين صورتين للإبراء : الإبراء الصريح، الذي «ينتج عن اتفاق أو توصيل أو أي سند آخر يتضمن تحلل المدين من الدين أو هبته إياه»، والإبراء الضمني الذي «ينتج من كل فعل يدل بوضوح عن رغبة الدائن في التنازل عن حقه». وقرّر الفصل نفسه قرينة قانونية مهمة، هي أن «إرجاع الدائن اختياراً إلى المدين السند الأصلي للدين يفترض به حصول الإبراء من الدين».

غير أن هذه القرينة لا تسري على كل الضمانات، فقد استثنى الفصل 342 الرهن الحيازي صراحة، إذ نصّ على أن «إرجاع الدائن المرتهن المال المرهون رهناً حيازياً لا يكفي لافتراض حصول الإبراء من الدين» — فإرجاع الشيء المرهون قد يكون لأسباب أخرى غير الإبراء، بخلاف إرجاع سند الدين نفسه الذي لا يُفهم منه عادة إلا التنازل عن الحق.

الفصل الثالث : التجديد

التجديد هو اتفاق على استبدال التزام قديم بالتزام جديد ينقضي بموجبه الأول ويقوم الثاني مقامه، سواء بتغيير محل الالتزام أو سببه أو أطرافه.

اشترط الفصل 349 لصحة التجديد أن يكون «الدائن أهلاً للتفويت والمدين الجديد أهلاً للالتزام»، ومنع «الأولياء والوكلاء ومن يتولون إدارة أموال غيرهم» من إجراء التجديد إلا في الأحوال التي يجوز لهم فيها التفويت — تأكيداً لخطورة هذا التصرف على مصلحة من يُنابون عنه.

ونصّ الفصل 356 على الأثر الجوهري للتجديد، وهو أنه «ينقضي الالتزام القديم نهائياً» بمجرد صحة الالتزام الجديد ولو لم يقع تنفيذه بعد. فإن كان الالتزام الجديد معلَّقاً على شرط واقف، توقف أثر التجديد على تحقق هذا الشرط، فإن لم يتحقق اعتُبر التجديد كأن لم يكن، وبقي الالتزام القديم قائماً.

الفصل الرابع : المُقاصة

المُقاصة هي انقضاء دينين متقابلين بين شخصين، كل منهما دائن ومدين للآخر في آن واحد، في حدود الأقل منهما.

نصّ الفصل 357 على شرطها الأساسي، وهو أن «تقع المُقاصة إذا كان كل من الطرفين دائناً للآخر ومديناً له بصفة شخصية»، مستثنياً حالة المسلمين حين يترتب عليها «مخالفة لما تقضي به الشريعة الإسلامية». واشترط فصل آخر أن «لا تقع المُقاصة إلا بين دينين من نفس النوع».

ولم يجعل المشرع المُقاصة تقع بقوة القانون تلقائياً بمجرد توافر شروطها، بل أوجب التمسك بها، إذ نصّ الفصل 358 على أنه «ليس للقاضي أن يعتد بالمُقاصة، إلا إذا حصل التمسك بها صراحة ممن له الحق فيها».

وأورد المشرع قيوداً على المُقاصة حمايةً للغير : فالمدين الذي قبل بلا تحفظ حوالة دينه لطرف ثالث لا يجوز له بعد ذلك التمسك في مواجهة المحال له بمُقاصة كان يملكها قِبَل الدائن الأصلي (الفصل 359)، والشريك لا يجوز له أن يتمسك في مواجهة دائنه الشخصي بمُقاصة ما يستحقه على هذا الدائن للشركة، ولا العكس (الفصل 360).

الفصل الخامس : اتحاد الذمة

اتحاد الذمة هو اجتماع صفتي الدائن والمدين في شخص واحد، كمن يرث دائنه أو مدينه، فينقضي الالتزام بمجرد استحالة بقائه — إذ لا يُتصوَّر أن يكون الشخص دائناً لنفسه أو مديناً لها.

وقد أورد المشرع حكماً دقيقاً لحالة زوال سبب اتحاد الذمة، فنصّ الفصل 370 على أنه «إذا زال السبب الذي أدى لاتحاد الذمة، عاد الدين بتوابعه في مواجهة جميع الأشخاص، واعتُبر اتحاد الذمة كأن لم يكن أبداً» — كأن يُفسخ عقد أو يُقضى ببطلان السند الذي أدى إلى اجتماع الصفتين، فيعود الالتزام إلى الوجود بأثر رجعي كأن الانقضاء لم يقع.

الفصل السادس : التقادم المسقط

أولا : تعريفه وأثره

التقادم المسقط هو انقضاء الحق في المطالبة القضائية بالدين لمضي مدة معينة دون مطالبة به. نصّ الفصل 371 على أن «التقادم خلال المدة التي يحددها القانون يُسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام».

ويُلاحظ أن التقادم يُسقط الدعوى لا الالتزام نفسه في ذاته، وهو ما يفسّر بقاء الدين في ذمة المدين كالتزام طبيعي بعد انقضاء أجل التقادم، فإن أوفى به المدين طوعاً بعد ذلك لم يكن له استرداده. وقد أكّد المشرع على أن التقادم لا يُعمل به تلقائياً من القاضي، إذ نصّ الفصل 372 على أن «التقادم لا يُسقط الدعوى بقوة القانون، بل لا بد لمن له مصلحة فيه أن يحتج به. وليس للقاضي أن يستند إلى التقادم من تلقاء نفسه».

ولا يجوز التنازل عن التقادم مقدماً، وإن كان يجوز التنازل عنه بعد اكتمال مدته (الفصل 373) — فالحكمة من منع التنازل المسبق أن تفادي أن يستغل الدائن القوي مركزه فيفرض على المدين شرطاً يحرمه سلفاً من هذا الدفع.

ثانيا : مدة التقادم العادية ومددها الخاصة

قرّر الفصل 387 المدة العادية للتقادم، فنصّ على أن «كل الدعاوى الناشئة عن الالتزام تتقادم بخمس عشرة سنة، فيما عدا الاستثناءات الواردة فيما بعد، والاستثناءات التي يقضي بها القانون في حالات خاصة».

وقد أورد المشرع مدداً أقصر لطوائف معينة من الدعاوى مراعاةً لطبيعتها، فنصّ الفصل 388 على تقادم دعوى التجار والموردين وأرباب المصانع بخمس سنوات بسبب توريداتهم لمهنيين آخرين، وتقادم دعاوى الأطباء والجراحين والصيادلة والمهندسين المعماريين وغيرهم من أصحاب المهن الحرة بسنتين من تاريخ تقديم الخدمة أو التوريد.

ثالثا : انقطاع التقادم

ينقطع سريان مدة التقادم بأسباب حدَّدها الفصل 381، فيبدأ حسابها من جديد بعد الانقطاع. ومن هذه الأسباب : «كل مطالبة قضائية أو غير قضائية يكون لها تاريخ ثابت ومن شأنها أن تجعل المدين في حالة مَطْـل لتنفيذ التزامه، ولو رُفعت أمام قاض غير مختص أو قُضي ببطلانها لعيب في الشكل»، وطلب قبول الدين في تفليسة المدين، وكل إجراء تحفظي أو تنفيذي يُباشر على أموال المدين.

الفصل السابع : الإقالة الاختيارية

الإقالة هي اتفاق المتعاقدين على فسخ عقدهما القائم صحيحاً برضاهما المشترك، فتُعيدهما إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. وهي بذلك تختلف عن الفسخ القضائي أو الاتفاقي الذي عرضنا له سابقاً في كونها لا تفترض إخلالاً من أحد الطرفين، بل هي عقد جديد غايته إنهاء عقد سابق برضا الطرفين معاً — تطبيقاً لمبدأ سلطان الإرادة الذي بيّنا في الباب الثاني أن العقد لا يُلغى إلا برضا من أنشأه أو في الحالات التي يحددها القانون.

📗 خلاصة الباب

  • ● حصر الفصل 319 من ق.ل.ع طرق انقضاء الالتزام في ثمانية: الوفاء، الإبراء الاختياري، التجديد، المقاصة، اتحاد الذمة، التقادم المسقط، والإقالة الاختيارية.
  • ● الوفاء هو التنفيذ العيني الطبيعي للالتزام كما تعهد به المدين، أما الإبراء فهو تنازل الدائن بإرادته المنفردة عن حقه في المطالبة بالوفاء.
  • ● التجديد استبدال التزام قديم بالتزام جديد ينقضي الأول بموجبه، والمقاصة انقضاء دينين متقابلين بين شخصين في حدود الأقل منهما.
  • ● التقادم المسقط يُسقط الدعوى الناشئة عن الالتزام لا الالتزام ذاته، وأصل مدته خمس عشرة سنة مع مدد أقصر لبعض الدعاوى الخاصة كدعاوى التجار.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية