فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الرابع : تنفيذ الالتزام وآثاره

📖 نظرية الالتزام — الفصل 6 من 9 — فهرس الكتاب

إذا انعقد العقد صحيحاً مستوفياً أركانه وشروطه، ترتّب عليه أثره الطبيعي وهو وجوب التنفيذ. فإن نفَّذ المدين التزامه اختياراً انقضى الالتزام بالوفاء، وهو ما سنعرض له في الباب الموالي. أما إذا تقاعس المدين عن التنفيذ أو تأخر فيه، فقد رتَّب المشرع على ذلك جزاءات نتناولها في هذا الباب.

الفصل الأول : مَطْل المدين

أولا : تعريف المَطْل وشروط تحققه

عرّف الفصل 254 مَطْل المدين بأنه حالة يكون عليها «إذا تأخر عن تنفيذ التزامه، كليا أو جزئيا، من غير سبب مقبول». فالمَطْل إذن هو التأخر غير المبرَّر عن التنفيذ، ولا يتحقق بمجرد فوات الأجل، بل يحتاج غالباً إلى إجراء يُنبّه المدين إلى وجوب التنفيذ.

فصّل الفصل 255 حالتين : إذا كان الالتزام مقيَّداً بأجل محدد في سنده المنشئ، أصبح المدين في حالة مَطْل بمجرد حلول هذا الأجل دون حاجة إلى أي إجراء آخر. أما إذا لم يُعيَّن للالتزام أجل، فلا يُعتبر المدين في حالة مَطْل «إلا بعد أن يوجَّه إليه أو إلى نائبه القانوني إنذار صريح بوفاء الدين»، ويجب أن يتضمن هذا الإنذار طلباً موجهاً إلى المدين بالتنفيذ في أجل معقول، وتصريحاً بأن الدائن يكون حراً بعد انقضاء هذا الأجل في اتخاذ ما يراه مناسباً. ويجب أن يكون الإنذار كتابة، ويصحّ ولو ببرقية أو رسالة مضمونة أو حتى بمطالبة قضائية ولو رفعت إلى قاضٍ غير مختص.

واستثنى الفصل 256 من وجوب الإنذار حالتين : إذا رفض المدين صراحة تنفيذ التزامه، وإذا أصبح التنفيذ مستحيلاً — إذ لا جدوى من إنذار من أعلن رفضه أو صار عاجزاً بيقين.

ثانيا : آثار المَطْل

يخوّل مَطْل المدين للدائن حقين أساسيين بيّنهما الفصل 259 : الحق في المطالبة بالتنفيذ الجبري ما دام هذا التنفيذ ممكناً، أو الحق في طلب فسخ العقد إن أصبح التنفيذ العيني مستحيلاً، مع الحق في التعويض في كلتا الحالتين. فإذا أصبح التنفيذ ممكناً في جزء من الالتزام دون باقيه، خُيِّر الدائن بين طلب التنفيذ في حدود ما هو ممكن مع التعويض، أو طلب فسخ العقد بأكمله مع التعويض.

الفسخ القضائي والفسخ الاتفاقي. الأصل أن الفسخ لا يقع بقوة القانون، بل يجب أن تحكم به المحكمة (الفصل 259 في فقرته الأخيرة)، فللقاضي سلطة تقديرية في تقدير جسامة الإخلال ومدى استحقاق الفسخ. غير أن الفصل 260 أجاز للمتعاقدين الاتفاق على شرط فاسخ صريح، بحيث «إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يُفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون، بمجرد عدم الوفاء» — دون حاجة إلى استصدار حكم قضائي بذلك، وإن كان يبقى للقضاء دور في التحقق من توافر شروط إعمال هذا الشرط عند النزاع.

ثالثا : التنفيذ بمقابل والتعويض عن عدم الوفاء بالتزام إيجابي أو سلبي

نصّ الفصل 261 على أن «الالتزام بعمل يتحول عند عدم الوفاء إلى تعويض»، إلا أنه إذا كان محل الالتزام عملاً لا يتطلب تنفيذه شخص المدين بعينه، جاز للدائن أن يستأذن في الحصول على تنفيذه بنفسه على نفقة المدين، على ألا تتجاوز المصاريف القدر الضروري لذلك.

أما الالتزام السلبي — أي الامتناع عن عمل — فيصبح المدين بمجرد الإخلال به ملتزماً بالتعويض فوراً، ويجوز للدائن فضلاً عن ذلك أن يحصل على إذن بإزالة ما وقع مخالفاً للالتزام على نفقة المدين (الفصل 262).

الفصل الثاني : التعويض

أولا : أساس استحقاق التعويض

نصّ الفصل 263 على أن «يستحق التعويض، إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام وإما بسبب التأخر في الوفاء به، وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين». فالتعويض لا يتوقف على إثبات سوء نية المدين أو قصده الإضرار، بل يكفي فيه ثبوت الإخلال بالالتزام وترتُّب الضرر عليه.

ثانيا : عناصر الضرر القابل للتعويض

بيَّن الفصل 264 عنصري الضرر القابل للتعويض : «الضرر هو ما لحق الدائن من خسارة حقيقية وما فاته من كسب متى كانا ناتجين مباشرة عن عدم الوفاء بالالتزام». فيُشترط في الضرر أن يكون محققاً لا احتمالياً، وأن تكون علاقته بالإخلال مباشرة، وأن يشمل كلاً من الخسارة اللاحقة والكسب الفائت. وقد ترك المشرع لفطنة المحكمة تقدير الظروف الخاصة بكل حالة، مع مراعاة درجة خطأ المدين أو تدليسه في تحديد قيمة التعويض.

ثالثا : الشرط الجزائي

أجاز الفصل 264 نفسه للمتعاقدين أن يتفقا مسبقاً على تقدير التعويض عن الأضرار الناجمة عن عدم الوفاء أو التأخر فيه، وهو ما يُعرف بالشرط الجزائي. غير أن المشرع لم يترك للمتعاقدين حرية مطلقة في هذا التقدير، بل خوّل للمحكمة سلطة تصحيحه في اتجاهين : «تخفيض التعويض المتفق عليه إذا كان مبالغا فيه أو الرفع من قيمته إذا كان زهيداً»، ولها أيضاً أن تخفضه بنسبة النفع الذي عاد على الدائن من جراء التنفيذ الجزئي.

الفصل الثالث : القوة القاهرة والحادث الفجائي

أولا : تعريف القوة القاهرة

عرّف الفصل 269 القوة القاهرة تعريفاً جامعاً فقال : «القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا».

ويستفاد من هذا التعريف أن القوة القاهرة تقوم على ركنين متلازمين : عدم إمكان التوقع، واستحالة الدفع بحيث يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلاً لا مجرد صعوبته أو إرهاقه. وقد استبعد المشرع صراحة من مفهوم القوة القاهرة الأمرَ الذي كان من الممكن دفعه، «ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه»، وكذلك السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين — فمن تسبَّب بخطئه في وقوع الحادث لا يجوز له التذرع بأنه قاهر.

ثانيا : أثر القوة القاهرة على الالتزام

الأثر الأصلي للقوة القاهرة أن تُنهي الالتزام دون مسؤولية على المدين، إذ نصّ الفصل 335 (في باب انقضاء الالتزامات الذي سنعرض له لاحقاً) على أن الالتزام ينقضي «إذا نشأ ثم أصبح محله مستحيلا، استحالة طبيعية أو قانونية بغير فعل المدين أو خطئه وقبل أن يصير في حالة مَطْل».

كما نصّ الفصل 268 على أنه «لا محل لأي تعويض، إذا أثبت المدين أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير فيه ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه، كالقوة القاهرة، أو الحادث الفجائي أو مَطْل الدائن».

ثالثا : المدين المتماطل لا يُعفى بالقوة القاهرة

استثنى المشرع من الإعفاء بالقوة القاهرة حالة واحدة جوهرية : المدين الذي دخل في حالة مَطْل قبل وقوع الحادث القاهر، إذ نصّ الفصل 266 صراحة على أن «المدين الموجود في حالة مَطْل يكون مسؤولا عن الحادث الفجائي والقوة القاهرة». فالمَطْل يقلب موازين التحمّل : من كان يجب عليه أن ينفّذ التزامه ولم يفعل بغير عذر، يتحمل تبعة كل ما يطرأ بعد ذلك من حوادث ولو كانت قاهرة في ذاتها، معاقبةً له على تقاعسه.

📗 خلاصة الباب

  • ● مطل المدين هو تأخره عن تنفيذ التزامه كليا أو جزئيا دون سبب مقبول، ويُشترط له الإنذار غالبا إلا إذا رفض المدين التنفيذ صراحة أو أصبح مستحيلا.
  • ● يخول مطل المدين للدائن الحق في المطالبة بالتنفيذ الجبري ما دام ممكنا، أو طلب الفسخ القضائي إذا استحال التنفيذ العيني.
  • ● يستحق التعويض بسبب عدم الوفاء بالالتزام أو التأخر فيه دون حاجة لإثبات سوء نية المدين، ويجوز للمتعاقدين الاتفاق مسبقا على شرط جزائي.
  • ● القوة القاهرة تُنهي الالتزام دون مسؤولية على المدين متى استحال توقعها ودفعها، إلا أن المدين المتماطل قبل وقوعها لا يستفيد من هذا الإعفاء.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية