كم مرة سمعنا في المقاهي المغربية والنقاشات العائلية عبارة: “الإسلاميون مختلفون، هؤلاء لن يسرقوا”؟ كم راهنت أسر بأكملها على أن وصول تنظيم إسلامي إلى الحكم سيعني نهاية الفساد والمحسوبية؟ ثم جاءت السنوات لتُظهر أن الفرق بين الشعارات والممارسة قد يكون هوة سحيقة، وأن “التاريخ السياسي النقي” الذي كان يُفترض أنه رأسمال هذه التنظيمات يمكن أن يتبخر في لحظة احتكاك بكرسي السلطة.
وهم النقاء الأصلي
يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” ملاحظة جوهرية حول التوقعات التي أحاطت بالتنظيمات الإسلامية، إذ كانت “الوحيدة المؤهلة لسد الفراغ السياسي المُحتمل على كرسي السلطة نظرا لتاريخها السياسي النقي وشبابها المتحمس”. هذا الوصف لم يكن مجرد تحليل أكاديمي، بل كان يعبّر عن أمل جماهيري عريض في بديل سياسي يحمل قيماً مختلفة عن منطق الانبطاح والفساد الذي ميّز النخب التقليدية.
لكن هذا الرهان كان يحمل في طياته افتراضاً خطيراً: أن النقاء الأخلاقي وحده كافٍ لمواجهة تعقيدات السلطة وإغراءاتها. وكأن التنظيم، بمجرد أن يحمل مرجعية دينية، سيكون محصّناً ضد قوانين السياسة الصلبة التي لا تفرّق بين إسلامي وعلماني حين يتعلق الأمر بالمصالح والتوازنات والتنازلات.
من التعبئة إلى المساومة
المفارقة المغربية تجلّت في أوضح صورها خلال العقد الماضي. تنظيمات كانت تتحدث عن التغيير الجذري وجدت نفسها تدير شؤون وزارات ضمن منظومة لم تتغير بنيتها العميقة. الشباب المتحمس الذي كان يملأ الساحات تحوّل بعضه إلى موظفين في إدارات بيروقراطية، والخطاب الذي كان يُنادي بالعدالة والكرامة صار يبرر التأجيل والتدرج وضرورات المرحلة.
هذا التحول ليس مجرد خيانة أفراد أو انحراف قيادات، بل هو مسار شبه حتمي لتنظيم يدخل لعبة السلطة دون أن يمتلك مشروعاً واضحاً للتحول البنيوي، أو دون أن تكون لديه الجرأة على المواجهة الحقيقية مع مراكز القوى الفعلية. فالتنظيم الذي يقبل بقواعد لعبة مفروضة سلفاً، سرعان ما يجد نفسه أسيراً لها، يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي كان يدّعي مقاومته.
السياق المغربي الخاص
في المغرب، كانت التجربة أكثر تعقيداً. فالنظام السياسي المغربي ليس نظاماً استبدادياً صارماً بالمعنى الكلاسيكي، ولا هو ديمقراطية حقيقية. إنه مساحة رمادية تسمح بهوامش محسوبة للمشاركة، لكنها تضع سقوفاً حديدية على الإصلاح الجوهري. وقد نجح هذا النظام في استيعاب التنظيمات الإسلامية، لا بقمعها، بل بإدماجها في آليات الحكم بطريقة تُفقدها بريقها دون أن تمنحها قوة حقيقية.
النتيجة كانت أن التنظيم الذي كان يُفترض أنه يحمل مشروع تغيير أصبح جزءاً من منظومة المحافظة على الوضع القائم. والشباب الذي كان متحمساً للتغيير وجد نفسه محبطاً، لا من النظام فحسب، بل من البديل الذي كان يُفترض أنه يمثل الأمل.
ما بعد الوهم
اليوم، لم تعد التنظيمات الإسلامية في المغرب تحظى بالرصيد نفسه من الثقة الشعبية. المراهنة على “التاريخ النقي” تبخرت أمام واقع التسويات والتنازلات. والسؤال الذي يطرحه الكثيرون ليس عن جدوى هذه التنظيمات في التغيير، بل عن إمكانية وجود تغيير حقيقي في ظل منظومة مصممة لامتصاص كل محاولة للإصلاح الجذري.
ربما كان الدرس الأهم هو أن النقاء الأخلاقي والحماس الشبابي لا يكفيان. السياسة ليست مجرد نوايا حسنة، بل هي فن إدارة الصراع وبناء القوة الحقيقية وامتلاك رؤية استراتيجية واضحة. وبدون ذلك، فإن أي تنظيم، مهما كانت مرجعيته، سيتحول من أداة للتغيير إلى مجرد ترس في آلة إعادة إنتاج الواقع.
هل ما زال المغاربة يؤمنون بإمكانية التغيير عبر التنظيمات، أم أن التجربة علّمتهم أن الرهان يجب أن يكون على شيء آخر؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً