حين تلتهم الضباع التنظيمية ما تبقى من الإحسان

حين تلتهم الضباع التنظيمية ما تبقى من الإحسان

ما الذي يجعل شاباً مغربياً يقضي سنوات من عمره في العمل التنظيمي الإسلامي، ثم يجد نفسه في نهاية المطاف خارج اللعبة، مجرّداً من كل ما اكتسبه من تجربة وتراكم، وكأنه لم يكن؟ هذا السؤال ليس نظرياً، بل يعيشه العشرات من الشباب المغربي الذين انخرطوا في التنظيمات الإسلامية بحثاً عن معنى ورسالة، ليكتشفوا لاحقاً أنهم كانوا مجرد وقود لآلة تلتهم أبناءها.

من التربية إلى المصلحة

في كتاب “من الإحسان إلى المصلحية” لفوزي أكريم، نقرأ تشخيصاً مريراً لما آلت إليه التنظيمات الإسلامية. يتحدث الكاتب عن كيف “ضاع ما بحوزتهم من تراكمات تربوية وسياسية وتنظيمية وفكرية غنية لا تقدر بثمن جمعوها على مدار عشرات السنين من العمل التنظيمي والتحصيل التربوي تاركين الساحة للضباع التنظيمية”. هذه العبارة الصادمة تختزل مأساة حقيقية: تحوّل التنظيمات من فضاءات للتربية والصحبة إلى ساحات صراع على النفوذ والمكاسب.

الضباع التنظيمية ليست مجرد استعارة بلاغية، بل هي وصف دقيق لظاهرة تفشّت في التنظيمات الإسلامية المغربية وغيرها. إنها تلك الممارسات التي تحوّل العمل الإسلامي من رسالة أخلاقية إلى مصالح ضيقة، ومن صحبة تربوية إلى صفقات سياسية، ومن إحسان إلى مصلحية. وحين تسود هذه الروح، يصبح الإنسان مجرد رقم في لعبة أكبر منه، يُستهلك ثم يُرمى جانباً.

الثمن الباهظ

المفارقة المؤلمة أن الشباب الذين انخرطوا في هذه التنظيمات فعلوا ذلك بدافع الإيمان والرغبة في التغيير. كانوا يبحثون عن معنى في عالم مادي، وعن جماعة في مجتمع مفكك، وعن رسالة في حياة قد تبدو عبثية. لكن ما حصلوا عليه في كثير من الأحيان كان نقيض ما بحثوا عنه: صراعات داخلية، ومحاصصات تنظيمية، وقطع للرؤوس حين يحين موعد الاستغناء.

الكاتب يتحدث من موقع التجربة، لا من “أريكة المتفرج المتكئ ولا من أبراج المُـفكر الموهوم”، وهذا ما يمنح كلامه قوة خاصة. فهو شاهد على ما حدث، وعلى كيف تحوّلت المثاليات الأولى إلى واقع مرير. والأهم أنه يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يجب أن تستمر هذه المقصلة التنظيمية في قطع رؤوس الأجيال الشابة؟

المخرج الممكن

ليس الهدف من هذا التشخيص القاسي نشر اليأس، بل إيقاظ الوعي. فالأمة، كما يقول الكاتب، تحتاج إلى كل عرق ينبض في شبابها، وإلى كل من هو على طريق الصلاح ليأخذ بأيدي الناس. لكن هذا لن يتحقق إلا بتخليق العمل الإسلامي، وإعادته إلى أصوله الأخلاقية والدينية، بعيداً عن المصلحية الضيقة والصراعات التنظيمية.

التخليق هنا لا يعني إلغاء التنظيم، بل تطهيره من الممارسات المنحرفة. يعني العودة إلى روح الإحسان والتربية والصحبة، وجعل المصلحة العامة فوق المصالح الفئوية. يعني أن يكون التنظيم في خدمة الرسالة، لا أن تكون الرسالة مجرد غطاء للتنظيم.

أسئلة الواقع

الشباب المغربي اليوم أكثر وعياً من أي وقت مضى. يرى التناقضات، ويطرح الأسئلة، ولا يقبل بالأجوبة الجاهزة. وربما هذا هو الأمل الحقيقي: أن تنتج هذه الأزمة جيلاً جديداً لا يكرر أخطاء من سبقوه، جيلاً يفهم أن العمل الإسلامي رسالة أخلاقية قبل أن يكون مشروعاً سياسياً، وأن الإحسان منهج حياة لا شعاراً موسمياً.

لكن السؤال الأهم يبقى مفتوحاً: هل يمكن حقاً إنقاذ التنظيمات الإسلامية من “الضباع التنظيمية”، أم أن الحل يكمن في البحث عن أشكال جديدة تماماً للعمل الإسلامي بعيداً عن الأطر التقليدية؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية