حين يصبح الانتماء فخّاً: من الإحسان إلى تصفية الحسابات

حين يصبح الانتماء فخّاً: من الإحسان إلى تصفية الحسابات

كم مرة سمعنا في المغرب عن شاب أو فتاة وضعا كل آمالهما في تنظيم أو جماعة، ثم وجدا نفسيهما بعد سنوات خارج اللعبة، مجرّدين من كل شيء؟ كم من طاقات شبابية احترقت في أتون الولاءات الضيقة، فخرجت إما صامتة مهزومة، وإما ناقمة تبحث عن الانتقام؟ المفارقة المريرة أن الانتماء الذي يُفترض أن يكون طريقاً إلى معالي الأمور، يتحول أحياناً إلى سجن يسلب صاحبه حريته وكرامته، بل وحتى قدرته على رؤية الواقع بوضوح.

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يكشف فوزي أكريم عن تجربة شخصية عميقة مع هذا التحول، تجربة تتجاوز حدود الفرد لتلامس ظاهرة عامة تعيشها التنظيمات الإسلامية. يقول الكاتب: “لقد اخترت موقع الكلام العام المتزن النزيه عوض موقع المصفي للحسابات التنظيمية الضيقة”، وهو اختيار يكشف عن صراع داخلي بين رغبتين: رغبة المظلوم الطبيعية في الانتقام، ورغبة المفكر في تجاوز الجراح الشخصية نحو فهم أعمق للظاهرة.

هذا الصراع ليس فردياً فحسب، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية في طريقة عمل التنظيمات التي تبدأ بشعارات الإصلاح والتغيير، ثم تنتهي إلى ممارسات لا تختلف كثيراً عن الاستبداد الذي تدّعي مقاومته. الكاتب يشير إلى أن “ما يعرفه المخترقون من معلومات وأسرار أكبر بكثير مما يعرفه أعضاء التنظيم أنفسهم”، وهي حقيقة مذهلة تكشف عن مستوى التعتيم والسرية الذي يُمارس حتى على المنتمين أنفسهم.

من الإيمان بالمشروع إلى فقدان كل شيء

التجربة التي يرويها الكاتب تحمل درساً قاسياً: حين يضع المرء “كل البيض في سلة واحدة”، فإنه يخاطر بفقدان كل شيء. الانخراط الكلي في تنظيم ما، بحسن نية وإيمان بمشروع تغييري، قد ينتهي بخسارة فادحة: خسارة الوقت، والعلاقات، والفرص، وربما حتى الثقة في إمكانية التغيير ذاتها.

لكن الأهم من ذلك هو السؤال عن البديل. حين ينكشف زيف الشعارات، وحين تظهر “ألاعيب” القيادات و”جرائمها” كما يصفها الكاتب، ماذا يفعل من عاش التجربة؟ هل ينزلق إلى تصفية الحسابات رغم “طعمها اللذيذ في قلب المظلوم”؟ أم يختار طريقاً أصعب، طريق “الكلام العام المتزن النزيه” الذي يتطلب تجاوز الجراح الشخصية؟

الشهادة للتاريخ لا الانتقام من الأشخاص

اختيار الكاتب واضح: الشهادة للتاريخ بدل الانتقام الشخصي. هذا الاختيار يعكس نضجاً فكرياً نادراً في زمن تسوده ثقافة التشفي والتصفيات. فالهدف لم يعد مجرد فضح “زبانية التنظيم” أو إسقاط “زعامات التنظيم الإسلامي الفاسد”، بل النظر “بعيداً في أفق التغيير القلبي والدعوي والسياسي”.

هذا التحول من الانتقام إلى الشهادة، ومن المصلحة الضيقة إلى الهمّ العام، هو ما يمنح التجربة قيمتها. فالمغرب، مثل غيره من بلدان المنطقة، عاش ويعيش تجارب مماثلة مع تنظيمات وجماعات وعدت بالتغيير، لكنها انتهت إلى إعادة إنتاج آليات الاستبداد والفساد التي ادعت مقاومتها.

السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب، والذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: كيف نبني مشاريع تغييرية حقيقية لا تتحول مع الوقت إلى نسخ جديدة من الاستبداد؟ وكيف يمكن لمن عاشوا تجارب الخيبة مع التنظيمات أن يحوّلوا جراحهم إلى وعي نقدي بناء، بدل أن يسقطوا في دوامة الانتقام أو اليأس؟

هل عشتم أو عاش أحد من معارفكم تجربة مماثلة مع تنظيم أو جماعة؟ وكيف كان الخروج منها: بالصمت، أم بتصفية الحسابات، أم بمحاولة الفهم والتجاوز؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية