حين يصبح التنظيم سلاحاً ذا حدين

حين يصبح التنظيم سلاحاً ذا حدين

لماذا تُرفض طلبات تأسيس جمعيات بسيطة في المغرب، بينما تزدهر أخرى لا هدف لها سوى استهلاك الدعم العمومي؟ ولماذا تُحارب مبادرات شبابية نظيفة، فيما تُترك شبكات الفساد تتمدد براحة في ظل أجهزة إدارية ومالية؟ المفارقة ليست في غياب الوعي بالفساد، بل في فهم عميق لدى السلطة لطبيعة التهديد الحقيقي: ليس الفرد مهما بلغت كفاءته، بل التنظيم مهما صغر حجمه.

خوف السلطة من التنظيم لا من الأفراد

في مقطع لافت من كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يضع فوزي أكريم إصبعه على الجرح حين يقول: “تأكد صديقي أنك لو طلبت جمعية ثقافية بسيطة في دولة متخلفة ثم لمس منك المعنيون بالأمر نسبة ضئيلة من القدرة على العمل المنظم ضد الفساد فلن يمكنوك من توصيل قانوني لتعمل بشكل شرعي حر فاعل”. هذه الملاحظة تكشف جوهر اللعبة السياسية في بلداننا: السلطة لا تخاف المعارض الفرد، بل تخاف البنية المنظمة القادرة على الاستمرار والتأثير.

المغرب عرف نماذج كثيرة من هذا الخوف. جمعيات حقوقية تنتظر سنوات للحصول على وصل الإيداع القانوني، مبادرات شبابية تُواجه بالبيروقراطية القاتلة، تجمعات مدنية تُحاصر إدارياً لا لشيء إلا لأنها أبدت قدرة على التنظيم والتأثير. في المقابل، تُمنح التسهيلات لجمعيات صورية لا وجود لها على الأرض، لأنها لا تشكل تهديداً حقيقياً. المعيار واضح: ليس المحتوى الأخلاقي للمشروع، بل القدرة التنظيمية التي يحملها.

التنظيم سلاح الأقوياء وسرّ ضعف الضعفاء

الملاحظة الثانية في المقطع أكثر عمقاً: “الأنظمة السياسية الحاكمة دائما منظمة، والقوى الدولية الضاغطة مؤسسات منظمة، والشركات الكبرى منظمة، وكل قوي على الساحة السياسية أو الاقتصادية أو النقابية أو الدينية هو عبارة عن شكل منظم”. هنا يكمن سر استمرار منظومات الفساد: ليس لأنها أكثر ذكاءً أو قوة فردية، بل لأنها منظمة تنظيماً محكماً.

حين ننظر إلى الواقع المغربي، نجد أن كل بنى الفساد الإداري والمالي تشتغل بمنطق مؤسساتي، بقواعد غير مكتوبة لكنها محكمة، بشبكات مترابطة تحمي بعضها بعضاً. المواطن الفرد الذي يحاول مقاومة الرشوة في إدارة ما يُسحق، لكن جمعية منظمة لمكافحة الفساد تستطيع أن تُحدث فرقاً. الموظف الشريف وحده يُحارب، لكن نقابة نظيفة تستطيع أن تحميه وتغير القواعد.

الوهم الفردي والضرورة الجماعية

نعيش في زمن يُسوّق فيه لوهم “البطل الفرد”، ذلك الرامبو الذي يستطيع وحده أن يغير العالم. وسائل الإعلام والسينما والخطابات الشعبوية كلها تغذي هذا الوهم. لكن الواقع يقول عكس ذلك تماماً: التغيير الحقيقي لا يأتي من أفراد خارقين، بل من بنى منظمة قادرة على الاستمرار والتراكم.

المشكلة في المغرب أن التنظيمات التي كان يُفترض أن تحمل مشاريع التغيير، بما فيها الإسلامية، تحولت بدورها إلى بؤر فساد منظم. هذا ما يشير إليه أكريم في كتابه: حتى الفساد داخل الجمعيات والتنظيمات الإسلامية هو “فساد منظم”. ما يعني أن المشكلة ليست في التنظيم بحد ذاته، بل في الغاية التي ينشأ من أجلها والقيم التي يحملها.

من التنظيم المبدئي إلى التنظيم المصلحي

التحول الخطير الذي عرفته التنظيمات في المغرب هو انتقالها من منطق الإحسان والمبدأ إلى منطق المصلحة الضيقة. حين يصبح التنظيم أداة للوصول إلى المناصب والامتيازات لا لتحقيق مشروع مجتمعي، فإنه يفقد شرعيته الأخلاقية ويتحول إلى جزء من منظومة الفساد التي كان يُفترض أن يحاربها.

السؤال الذي يطرح نفسه اليوم على المغاربة: هل نحن قادرون على بناء تنظيمات نظيفة تحمل مشاريع حقيقية، أم أن كل تنظيم محكوم عليه بالتحول إلى بنية مصلحية لا تختلف عن منظومة الفساد التي يدّعي مقاومتها؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية