حين يصبح التنظيم غاية: من الإحسان إلى حفظ الذات

حين يصبح التنظيم غاية: من الإحسان إلى حفظ الذات

لماذا تتحول الحركات التي تنطلق بشعارات الإصلاح والتغيير إلى كيانات همها الأول البقاء والاستمرار؟ ولماذا يصبح التنظيم الذي كان في الأصل وسيلة لتحقيق غاية نبيلة، غاية في حد ذاته؟ هذا السؤال لا يطرحه المغاربة اليوم من فراغ، بل من صميم مشاهدتهم لمسارات فصائل سياسية ودينية بدأت بوعود الإصلاح وانتهت إلى حسابات ضيقة لا تتجاوز المصلحة الآنية والمكاسب الجزئية.

التنظيم: من الوسيلة إلى الغاية

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم إصبعه على جرح عميق في جسد التنظيمات الإسلامية المعاصرة. فهو يرى أن “التنظيم هو المحك، وهو البرهان، وهو الوسيلة التي تنقل بها التربية من سماء الأحلام إلى أرض الواقع”، لكن هذه الوسيلة ما تلبث أن تتحول إلى هدف قائم بذاته، يستنزف طاقات أعضائه ويحول بوصلتهم من خدمة المجتمع إلى خدمة الهيكل التنظيمي نفسه.

هذا التحول ليس عرضياً ولا طارئاً، بل هو نتيجة حتمية لمنطق التنظيم ذاته. فكل بنية تنظيمية، مهما كانت نقية في انطلاقتها، تحمل في جيناتها بذرة التحول من الرسالة إلى المؤسسة، ومن الفكرة إلى البيروقراطية، ومن الإحسان إلى المصلحة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: التنظيم الذي أُنشئ ليكون “درع المؤمنين المحصن” يتحول تدريجياً إلى قفص يحبس طاقاتهم ويحد من أفق تفكيرهم.

دورة الصعود والسقوط

يلفت أكريم الانتباه إلى قانون تاريخي لا يكاد يتخلف: “دولة العدل التي ما تلبث أن ينهار نظامها أيضاً عندما تسقط هي نفسها خلال مرحلة تدبير الشأن العام في نفس الفساد الذي كانت تحاربه في مرحلة التأسيس”. هذه الدورة المأساوية ليست حكراً على الدول فحسب، بل تشمل التنظيمات والحركات أيضاً. فالذين يبدؤون بمحاربة الاستبداد قد يمارسونه داخل تنظيماتهم، والذين ينتقدون الفساد المالي في الدولة قد يسقطون في منطق المصالح والمغانم حين تتاح لهم الفرصة.

المشهد المغربي يقدم أمثلة حية على هذا التحول. فحركات كانت تتحدث عن العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، باتت تتفاوض على حقائب وزارية ومقاعد برلمانية. والخطاب الذي كان يركز على القيم العليا وإصلاح المجتمع، تحول إلى لغة براغماتية تدور حول الممكن والمتاح والتوازنات السياسية.

ثمن التنظيم

يشير الكاتب إلى أن بناء أي تنظيم يتطلب “ضحايا كثر يكونون الوقود الذي يؤسس الهياكل”. لكن السؤال الذي يغيب غالباً هو: هل تستحق الغاية هذه التضحيات؟ وماذا لو تحولت الغاية نفسها من إصلاح المجتمع إلى مجرد الحفاظ على استمرار التنظيم؟ عندها تصبح التضحيات بلا معنى، ويتحول المناضلون إلى وقود يُستهلك لإدامة آلة لم تعد تخدم إلا نفسها.

المفارقة أن التنظيم الذي كان يُفترض أن يكون حاضنة للتربية والقيم، يتحول في كثير من الأحيان إلى مدرسة لتعلم النفاق والمداهنة والحسابات الضيقة. فبدل أن يرتقي الأفراد من خلاله نحو معالي الأمور، ينحدرون إلى دهاليز الصراعات الداخلية والولاءات الشخصية والمصالح الفئوية.

البحث عن البديل

لا يعني هذا التشخيص دعوة للفوضى أو إلغاء فكرة التنظيم برمتها، فالعمل الجماعي المنظم ضرورة لا غنى عنها لأي مشروع إصلاحي جاد. لكنه يطرح سؤالاً محورياً حول كيفية بناء تنظيمات لا تسقط في فخ التحول إلى غايات في ذاتها، تنظيمات تحافظ على روح الانطلاقة وتظل أمينة على الرسالة الأصلية حتى وهي تكبر وتتمدد.

ربما يكمن الحل في مراجعات جذرية دورية، في آليات شفافة للمحاسبة، في تجديد القيادات وتداول الأدوار، وفي الحفاظ على مساحة نقدية داخلية لا تُكمّم باسم الانضباط التنظيمي. لكن هل تملك التنظيمات القائمة الشجاعة لإجراء هذه المراجعات؟ وهل يملك أعضاؤها القدرة على التمييز بين الولاء للفكرة والولاء للهيكل؟

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام القارئ المغربي: هل شهدتم في تجاربكم تنظيمات نجحت في الحفاظ على نقائها الأول، أم أن قانون التحول من الإحسان إلى المصلحية هو قدر محتوم لا مفر منه؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية