لماذا تتحول الجماعات التي تأسست على معاني الإحسان والتربية إلى بنيان تنظيمي جامد يُثقل كاهل أعضائه بدل أن يحررهم؟ هذا السؤال لا يخص المغرب وحده، لكنه يكتسي في السياق المغربي خصوصية لافتة، حيث تتعايش تنظيمات إسلامية عديدة، بعضها في السلطة وبعضها خارجها، وكلها تدّعي السعي نحو إصلاح المجتمع وتربية الأفراد. غير أن المفارقة التي يعيشها كثيرون ممن خاضوا التجربة التنظيمية هي أن الهياكل التي كان من المفترض أن تكون وسيلة للارتقاء الروحي والفكري، تتحول تدريجياً إلى غاية في حد ذاتها، فيصبح الولاء للتنظيم أهم من الفكرة التي قام عليها.
التمييز الصعب بين الفكرة والآلة
يقدم فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” شهادة نادرة من داخل التجربة التنظيمية، بعد ربع قرن قضاه في إحدى أبرز الجماعات الإسلامية المغربية. وما يلفت الانتباه في مقاربته هو ذلك التمييز الدقيق الذي يضعه بين الجماعة كفكرة والتنظيم كآلية تنفيذية. يقول بوضوح: “لست أوجه اللوم إلى جماعة العدل والإحسان كـكل بل إلى تنظيمها فقط، ذلك أن الجماعة من المنظور العام فكرة سامية لا يمكن هدمها أو الانتقاص من مكانتها”.
هذا التمييز ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح فهم الأزمة التي تعيشها كثير من التنظيمات الإسلامية اليوم. فالفكرة في أصلها نبيلة: جمع الناس على الله، التربية الروحية، العمل الصالح، السعي للإصلاح. لكن حين تتحول هذه الفكرة إلى بنية تنظيمية صارمة، بقيادات وهياكل وولاءات ومصالح، تبدأ رحلة الانحراف التدريجي عن الأصل.
المحنة كمفتاح للبصيرة
لا تولد الرغبة في النقد من فراغ، ولا من مجرد ملاحظة خارجية باردة. يعترف الكاتب بأن “الأقدار بعد محنة شديدة مع هذا التنظيم” هي ما أشعلت في نفسه الرغبة في التوثيق والنقد. المحنة هنا ليست مجرد خلاف تنظيمي عابر، بل هي تلك اللحظة التي ينكسر فيها الوهم، حين يكتشف المنخرط أن التنظيم الذي كان يظنه وسيلة للارتقاء قد يصبح سبباً للأذى النفسي والفكري.
هذه اللحظة الفارقة يعرفها كثير من المغاربة الذين مروا بتجارب مماثلة في تنظيمات مختلفة، سواء كانت إسلامية أو يسارية أو غيرها. تلك اللحظة التي تفتح العينين على “حقائق كثيرة” كانت محجوبة بستار الحماس الأولي والانتماء العاطفي. وهي اللحظة التي يصبح فيها النقد واجباً أخلاقياً، لا مجرد ترف أو تشفٍّ.
بين الإصلاح والهدم
ما يميز مقاربة أكريم هو صراحتها في طرح الخيارات: إما “الارتقاء بها إلى الأفضل أو تدميرها بالمرة بما يضمن عدم الوقوع في نفس الإشكالات التربوية والتنظيمية لاحقاً”. هذه الثنائية قد تبدو حادة، لكنها تعكس حالة من اليأس من الإصلاح التدريجي الذي لا ينتهي. فكم من الوقت يجب أن ننتظر حتى تصلح التنظيمات نفسها من الداخل؟ وكم من الأجيال يجب أن تمر بنفس التجارب المؤلمة قبل أن ندرك أن الخلل ليس في الأفراد فقط، بل في البنية ذاتها؟
التنظيمات الإسلامية المغربية اليوم تقف أمام مفترق طرق. فهي إما أن تعيد النظر جذرياً في علاقة الفكرة بالآلة، وفي كيفية تحويل الطاقات الشبابية من مجرد أدوات تنفيذية إلى عقول مفكرة ومبدعة، وإما أن تواصل الدوران في حلقة مفرغة من الأزمات الداخلية والانشقاقات والمحن الفردية التي تنتهي بخروج أفضل العناصر محبطة ومتألمة.
سؤال للنقاش
هل يمكن لأي تنظيم، مهما كانت نبل فكرته الأصلية، أن يحافظ على نقائه حين يتحول إلى مؤسسة بهياكل ومصالح؟ أم أن التنظيم بطبيعته محكوم عليه بالانحراف التدريجي عن الفكرة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً