كم مرة سمعنا في المغرب عبارة “الجماعة خط أحمر”، أو “لا اجتهاد مع النص التنظيمي”؟ كم من الشباب الذين دخلوا التنظيمات الإسلامية بحثاً عن معنى ورسالة، ثم وجدوا أنفسهم محاصرين بين جدران الطاعة العمياء والولاء المطلق؟ المفارقة أن هذه التنظيمات التي انطلقت باسم تحرير الإنسان من عبودية غير الله، تحولت بمرور الوقت إلى أقفاص ذهبية تمارس على أفرادها وصاية فكرية وسلوكية تفوق أحياناً ما كانت تنتقده في خصومها.
الشجاعة في مواجهة القطيع
في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يقدم فوزي أكريم شهادة نادرة من داخل التجربة التنظيمية الإسلامية. ليست شهادته مجرد سرد لأحداث، بل هي اعتراف بالألم الذي يرافق الخروج من رحم الجماعة. يقول بوضوح لافت: “زهقت من قبضة التنظيم المتحكمة وتحررت من آفاقه الضيقة وخرجت من عباءته القاهرة وأفلتت من مصائده القاتلة”. هذه الكلمات ليست مجرد استعارات بلاغية، بل هي وصف دقيق لعلاقة سلطوية تُمارس باسم الدين والدعوة.
ما يلفت في هذه الشهادة هو إصرار الكاتب على استعادة صوته الفردي بعد سنوات من الذوبان في الصوت الجماعي. “سأتحدث من زاويتي الخاصة لا من زاوية أحد، لا أتحدث باسم أحد ولا أريد أن يتحدث باسمي أحد” – هذا الإعلان يبدو بسيطاً، لكنه في سياق ثقافة تنظيمية تقوم على “نحن” وتمحو “أنا”، يصبح فعل تمرد حقيقي. إنه استرداد للذات التي ابتلعتها الجماعة.
من الرسالة إلى المؤسسة
التنظيمات الإسلامية في المغرب، كما في بقية العالم العربي، بدأت غالباً بنَفَس إحساني ورسالي. كان الشباب ينخرطون فيها بحثاً عن معنى أكبر من ذواتهم، عن مشروع حضاري يتجاوز الفردانية الضيقة. لكن مع الزمن، ومع احتكاك هذه التنظيمات بالسياسة والمال والسلطة، تحولت تدريجياً إلى مؤسسات بيروقراطية همها الأول الحفاظ على بقائها ومصالحها، لا تحقيق رسالتها الأصلية.
هنا تكمن المأساة: التنظيم الذي كان يُفترض أن يكون وسيلة لتحقيق غاية نبيلة، يتحول إلى غاية في حد ذاته. يصبح الولاء للتنظيم أهم من الولاء للفكرة، والطاعة لقيادته أقدس من الطاعة للحق، والحفاظ على تماسكه أولى من النقد الذاتي أو المراجعة. وهكذا يجد العضو نفسه أمام خيار مؤلم: إما الصمت والخضوع، أو المواجهة والخروج.
جرأة النصيحة أم خيانة الصف؟
ما يميز شهادة أكريم هو رفضه لمنطق “كل شيء أو لا شيء” الذي تفرضه التنظيمات. فهو لا يقدم نفسه كمن انقلب على كل شيء، بل كمن عاش التجربة بصدق وخرج منها بدروس. “الحقائق التي سأتحدث عنها عشتها بدمي وعقلي وأعصابي وقلبي وهمتي”، يقول، مؤكداً أن نقده نابع من الداخل، من المعايشة والمكابدة، لا من الخارج ولا من موقع العداء.
لكن هذا الموقف النقدي غالباً ما يُواجه بالاتهام والتخوين. في ثقافة التنظيمات، النقد خيانة، والمراجعة ضعف، والخروج ردة. لذا فإن نصيحة الكاتب الأخيرة تكتسب أهمية خاصة: “لا تضعوا كل بيضكم في سلة التنظيم”. إنها دعوة لحفظ التوازن بين الانتماء والاستقلالية، بين الجماعة والفردية، بين الولاء والحرية.
خاتمة
التجربة التنظيمية ليست شراً مطلقاً، لكنها ليست خيراً مطلقاً أيضاً. المشكلة تبدأ حين تتحول الوسيلة إلى غاية، وحين يصبح التنظيم كياناً مقدساً لا يُمس. في سياق مغربي يشهد تحولات كبرى في علاقة الإسلاميين بالدولة والمجتمع، تطرح شهادات كهذه أسئلة جوهرية عن معنى الانتماء، وحدود الطاعة، وثمن الحرية.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل يمكن للتنظيمات الإسلامية أن تصلح نفسها من الداخل، أم أن طبيعتها البنيوية تجعلها محكومة بالتحول من الرسالة إلى المؤسسة، ومن الإحسان إلى المصلحة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً