حين يصبح التنظيم مخيفاً: لماذا نهرب مما نحتاجه؟

حين يصبح التنظيم مخيفاً: لماذا نهرب مما نحتاجه؟

لماذا ينفر المغاربة من الانخراط في العمل الجمعوي المنظم، بينما يتوقون في الوقت نفسه إلى التغيير والإصلاح؟ هذه المفارقة التي نعيشها يومياً في مجتمعنا تكشف عن علاقة ملتبسة بين الفرد والتنظيم، بين الرغبة في الفعل الجماعي والخوف من الالتزام المؤسسي. نشكو من غياب التأطير ونفتقد القوة الجماعية، لكننا في اللحظة ذاتها نتحاشى كل ما يشبه البنية المنظمة، كأننا نريد الثمرة دون أن نغرس الشجرة.

الرضى أساس القوة

يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” مسألة جوهرية حين يقول: “رضى الناس بالقانون هو القوة التي يضرب بها القانون، كونه نابع من الأمة لا مفروض عليها”. هذه الجملة تضع إصبعها على الجرح، فالتنظيم الحقيقي لا ينبع من فوق، بل من إرادة جماعية تختار أن تنتظم طوعاً لا كرهاً. والإنسان بطبعه “جُبل على طاعة ما صدر منه واحترام ما أقره عن طواعية واختيار، نافر من القوانين التي تُفرض عليه وتُجهز على حريته في الاختيار”.

لكن المشكلة تكمن في أن هذا المبدأ النظري يصطدم بواقع معقد. فإذا كان التنظيم ضرورياً ونابعاً من إرادة الناس، فلماذا يهرب أغلبهم منه؟ السؤال ليس بلاغياً، بل يحيلنا إلى تجربة تاريخية مريرة مع أشكال التنظيم التي عرفناها، سواء كانت حزبية أو نقابية أو حتى جمعوية.

الخوف المتبادل

المفارقة تزداد عمقاً حين ندرك أن السلطات العامة في الدول المتخلفة، كما يلاحظ الكاتب، تحارب العمل المنظم وتضيق عليه وتخشاه. هذا الخوف من التنظيم ليس عبثياً؛ فالأنظمة تعرف جيداً أن الأفراد المشتتين لن يستطيعوا تغيير الواقع، بينما التنظيمات القوية قادرة على إحداث الفارق السياسي والطفرة العمرانية والتغيير الاجتماعي.

وهنا نجد أنفسنا أمام معادلة معقدة: السلطة تخشى التنظيم لأنه قوي، والناس تتحاشاه لأنهم يخشون بطش السلطة، أو لأنهم فقدوا الثقة في التجارب التنظيمية السابقة التي انحرفت عن مساراتها الأولى. هذه الحلقة المفرغة تبقي المجتمع في حالة من الضعف البنيوي، حيث تغيب القدرة الجماعية على الفعل، وتسود الفردانية التي لا تنتج سوى الإحباط.

التنظيم بين الضرورة والتشويه

إن استكشاف الأنظمة الدولية للتنظيمات العاملة في الساحات الداخلية للدول يكشف عن حقيقة بسيطة: التنظيم هو مصدر القوة الحقيقي. لولا ذلك، لما سُخّرت كل هذه الأجهزة لمراقبة “كل صغيرة وكبيرة” عن التنظيمات النشطة. هذا الاهتمام الاستخباراتي المفرط ليس إلا اعترافاً ضمنياً بأن التنظيمات هي الأقوى والأقدر على إحداث التغيير.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في السياق المغربي: كيف نبني تنظيمات تحترم حرية الأفراد ولا تتحول إلى بنى سلطوية جديدة؟ كيف نخلق أشكالاً تنظيمية نابعة من رضى الناس الحقيقي، لا من استغلال حاجتهم أو خوفهم؟ التجربة علمتنا أن كثيراً من التنظيمات التي بدأت بشعارات الإحسان والخدمة انتهت إلى المصلحية الضيقة، فتحولت من أدوات للتغيير إلى آليات للمحافظة على امتيازات قلة.

نحو تنظيم إنساني

الحاجة إلى التأطير والتنظيم لا تزال قائمة، بل هي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لكن التنظيم المطلوب ليس ذلك الذي يسحق الفرد أو يصادر حريته، بل التنظيم الذي ينبع من إرادة جماعية واعية، ويحترم استقلالية أعضائه، ويبقى وفياً لمبادئه الأولى. هذا هو التحدي الحقيقي: كيف نبني تنظيمات قوية دون أن نعيد إنتاج نماذج السلطة التي نريد تغييرها؟

فهل ما زال بإمكاننا أن نثق في العمل المنظم، أم أن التجربة حطمت كل أمل في بناء تنظيمات حقيقية تخدم المجتمع لا النخب؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية