حين يصبح النقد امتحاناً للأخوة: معضلة المثقف الإسلامي

حين يصبح النقد امتحاناً للأخوة: معضلة المثقف الإسلامي

كم مرة وجد المغربي نفسه في مفترق طرق بين الوفاء لجماعته والصدق مع ذاته؟ بين الولاء التنظيمي والنقد الضروري؟ هذه المعضلة ليست حكراً على السياسي أو الحزبي، بل هي سؤال يواجه كل من انتمى يوماً إلى تنظيم أو جماعة أو حتى فكرة، ثم وجد نفسه مضطراً لمراجعتها دون أن يخون من أحب أو يفشي أسرار من ائتمنوه.

في هذا السياق، يطرح الكاتب فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” إشكالية عميقة تتجاوز مجرد النقد التنظيمي، لتلامس جوهر الموقف الأخلاقي للمثقف حين يقرر الكتابة عن تجربته داخل التنظيمات الإسلامية. يقول أكريم: “سأحاول أن أكون خلال التحليل خصماً شريفاً لا يتجاوز خط الحق”، وهي جملة تختزل التوتر الدائم بين واجب النقد وأخلاقيات الانتماء.

الخصم الشريف: أخلاقيات النقد الداخلي

ما يميز موقف أكريم ليس مجرد نقده للتنظيمات الإسلامية، بل وعيه العميق بخطورة هذا النقد وتبعاته. فهو لا يكتب من برج عاجٍ، ولا من موقع العداء، بل من داخل تجربة حية تجمعه بأعضاء هذه التنظيمات “روابط الأخوة ووشائج المحبة”. هنا تكمن المعضلة الحقيقية: كيف تنتقد دون أن تخون؟ كيف تكشف دون أن تفضح؟ كيف تحلل دون أن تُسلّم رفاق الأمس لخصوم اليوم؟

هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو معضلة أخلاقية حقيقية يواجهها كل مثقف خرج من رحم تجربة تنظيمية. فالكتابة النقدية عن التنظيمات الإسلامية في المغرب وغيره غالباً ما تتأرجح بين نقيضين: إما المديح الأعمى والدفاع المطلق، وإما الهجوم الشرس والتشهير المجاني. أما الموقف الوسط، موقف “الخصم الشريف”، فهو الأصعب والأندر.

التنظيم بين المثال والخطر

يلفت أكريم الانتباه إلى حقيقة مُرّة: “التنظيم الإسلامي ليس معصوماً من القهر، فهو في حد ذاته آلة سياسية حادة، ويمكن أن يتحول في أية لحظة إلى ماكينة سياسية للقهر والتفقير والتجهيل والتقتيل”. هذا الوعي بازدواجية التنظيم، كونه أداة تغيير محتملة ومصدر قهر محتمل في الوقت ذاته، يعكس نضجاً فكرياً نادراً في الكتابات التي تتناول الحركات الإسلامية.

فالتنظيم، أي تنظيم، ليس كياناً ملائكياً بطبيعته، بل هو بناء بشري يحمل كل نقائص البشر وطموحاتهم. وحين يُحاط هذا التنظيم بهالة قداسة، أو حين يُعتبر نقده خيانة، فإنه يفقد أهم آليات تصحيح مساره: النقد الذاتي الصادق.

السرية والعلانية: التوازن الصعب

يميز أكريم بوضوح بين “علانية النصح” و”الحفاظ على سرية المؤسسات والرجال والأوراق”. هذا التمييز ليس مجرد تكتيك سياسي، بل هو موقف أخلاقي يحمي “البسطاء من المؤمنين الطيبين” من أن يكونوا وقوداً في معارك سياسية لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

في المشهد المغربي، حيث تتشابك العلاقات بين السياسي والديني، وحيث تُستخدم المعلومات أحياناً كسلاح في تصفيات حسابات، يصبح هذا التوازن بين الشفافية والحذر ضرورة وجودية. فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل صمت حكمة.

النقد البنّاء: ما وراء الهدم

ما يميز مقاربة أكريم أنه لا يكتفي بالنقد المجرد، بل يعد القارئ بـ”افتراض النظريات واقتراح الحلول” ضمن “إطار من الإنصاف والدراسة المتزنة”. هذا المنهج يحول الكتابة من مجرد تنفيس أو تصفية حسابات إلى مساهمة فكرية حقيقية في فهم ظاهرة معقدة: كيف تتحول التنظيمات من طلب معالي الأمور إلى المصلحية الضيقة؟

السؤال الذي يطرحه الكتاب، والذي يهم كل مغربي انتمى يوماً لفكرة أو جماعة: هل يمكن أن يكون النقد فعل محبة؟ وهل الصمت عن الخلل وفاء أم خيانة للمبادئ التي جمعتنا أصلاً؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية