لماذا تتحول الحركات التي تنطلق بشعارات التغيير والإصلاح إلى دوائر ضيقة تدور حول شخص واحد؟ ولماذا نجد أنفسنا في المغرب، بعد عقود من العمل الجماعي المنظم، نشهد تراجعاً إلى منطق الزعامات الفردية والولاءات الشخصية، حتى داخل التنظيمات التي كانت تفاخر بمؤسساتيتها؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو مفتاح لفهم أزمة عميقة تعصف بالعمل الجماعي في بلادنا، سواء كان سياسياً أو مدنياً أو حتى دينياً.
وهم الاستغناء عن المؤسسة
في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يطرح فوزي أكريم سؤالاً جوهرياً حول مآلات التنظيمات حين تفقد بوصلتها المؤسساتية. يكتب أكريم: “لن تجد هذه المجموعة أمامها سوى أسلوب الزعيم والقطيع، ستعود إلى عهود خلت خضعت فيها الناس إلى أوامر الفرد المقدس المطاع”. هذه الجملة تلخص مأزقاً حقيقياً نعيشه اليوم: الانزلاق من منطق المؤسسة إلى منطق الشخصنة، ومن ثقافة البرنامج إلى ثقافة الكاريزما.
المفارقة أن هذا التراجع لا يحدث بسبب غياب الوعي بأهمية التنظيم، فالجميع يتحدث عن المؤسسات ويمجدها خطابياً. لكن الممارسة الفعلية تكشف عن تفضيل مريح للقيادة الفردية على التدبير الجماعي. فالتنظيم يتطلب جهداً، وصبراً على آليات اتخاذ القرار، وقبولاً بالاختلاف الداخلي، بينما يوفر “الزعيم” حلولاً سريعة وقرارات حاسمة، ولو على حساب المشاركة والشفافية.
معايير الاختيار في غياب المؤسسة
يقدم أكريم قائمة ساخرة لكنها واقعية للمعايير التي تحكم الاختيار في غياب التنظيم المؤسساتي. يكتب عن الناس الذين يجدون أنفسهم أمام خيارات بين “ذي الأنف المسنن أو ذي العضلات القوية أو ذي الأموال الطائلة أو ذي النفوذ أو ذي الأصل المميز والعائلة العريقة”. هذه القائمة ليست تنظيراً مجرداً، بل هي وصف دقيق لما نشاهده في الساحة السياسية والدينية المغربية.
حين تغيب المعايير المؤسساتية الواضحة – الكفاءة، الخبرة، البرنامج، المساءلة – تحل محلها معايير أخرى أكثر بدائية: النسب، المال، الشبكة العائلية، أو “البركة” الموروثة. وهكذا نجد أنفسنا أمام تنظيمات تحمل أسماء حديثة لكنها تعمل بمنطق قبلي قديم، حيث الولاء للشخص يعلو على الولاء للمبدأ، والقرب من القيادة يُقدَّم على الإنجاز الميداني.
ثمن التنازل عن التنظيم
الثمن الذي تدفعه الجماعة حين تتخلى عن التنظيم السليم ليس مجرد عدم كفاءة إدارية. إنه تحول جذري في طبيعة المشروع ذاته. فالتنظيم المؤسساتي ليس مجرد أداة تقنية لتقسيم المهام، بل هو ضمانة لاستمرارية الرسالة وحمايتها من تقلبات الأهواء الشخصية. حين يصبح التنظيم مجرد هيكل شكلي يخفي واقع الزعامة الفردية، فإن “الإحسان” الذي انطلقت به الحركة – أي السعي لمعالي الأمور والمصلحة العامة – يتحول إلى “مصلحية” ضيقة تدور حول خدمة الزعيم وحاشيته.
في المغرب اليوم، نحن أمام امتحان حقيقي: هل نملك الجرأة لإعادة بناء تنظيمات حقيقية تقوم على الاختصاص والمؤسساتية، أم سنستمر في إنتاج نماذج هجينة تجمع بين الخطاب الحداثي والممارسة التقليدية؟ التنظيم السليم ليس رفاهية، بل هو الفارق بين حركة تغييرية حقيقية وبين مجرد تجمع حول شخصية كاريزمية تتبخر بمجرد غيابها.
فهل نحن مستعدون لدفع ثمن التنظيم الحقيقي: الصبر على المؤسسات، وقبول المساءلة، والتخلي عن إغراء الحلول السحرية التي يقدمها الزعيم الملهم؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً