حين ينفصل التنظيم عن التربية: سؤال الإسلاميين المغاربة

حين ينفصل التنظيم عن التربية: سؤال الإسلاميين المغاربة

لماذا يشعر كثير من المغاربة اليوم بالغربة حين يقارنون بين الخطاب الإسلامي الذي يسمعونه في المساجد وبين الممارسة السياسية للحركات التي ترفع الشعار نفسه؟ لماذا تبدو التربية الروحية في واد، والتنظيم السياسي في واد آخر، وكأنهما نقيضان لا يلتقيان؟ هذا الانفصام ليس وليد اليوم، بل له جذور تاريخية عميقة تكشف عن لحظة فارقة في تاريخ المسلمين، لحظة افترق فيها طريق السلطة عن طريق الدلالة على الله.

اللحظة الفاصلة

في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية”، يضع فوزي أكريم يده على الجرح القديم، حين يرصد كيف “انفصلت التربية عن التنظيم تماما في عهد التوريث الملعون”، وكيف أن معاوية “استطاع بمكره وحرصه على الرئاسة أن يقطع أوصال البناء النبوي”. هذا التشخيص التاريخي ليس مجرد سرد لأحداث الماضي، بل هو مفتاح لفهم أزمة الحاضر، حيث تحول التنظيم من وسيلة لتحقيق غاية روحية إلى غاية في حد ذاته.

في التجربة النبوية الأولى، لم يكن التنظيم منفصلاً عن التربية، بل كان امتداداً طبيعياً لها. كان الصحابة يتعلمون ويتربون ويتنظمون في آن واحد، تحت رعاية مباشرة من النبي الكريم. لم تكن هناك قطيعة بين الروحي والتنظيمي، بين الدعوة والدولة، بين القلب والسلطة. لكن هذا التلاحم بدأ يتفكك تدريجياً بعد انتهاء عهد الخلافة الراشدة.

المصلحة مقابل المعنى

ما حدث في العهد الأموي لم يكن مجرد تحول سياسي، بل كان انقلاباً في الأهداف والغايات. حين تحول التنظيم إلى أداة لخدمة أهداف سلطوية شخصية، وجد حملة الرسالة الروحية أنفسهم مضطرين للانسحاب. لم يعد التنظيم السياسي قادراً على احتواء التربية، لأن التناقض بينهما أصبح صارخاً: طهارة من جهة، ووساخة من جهة أخرى.

هذا الانفصال التاريخي يلقي بظلاله الثقيلة على واقعنا المعاصر. كم من حركة إسلامية في المغرب وغيره بدأت بنفَس تربوي روحي عال، ثم وجدت نفسها تدريجياً منشغلة بحسابات المكاسب والمواقع، بعيداً عن الهم التربوي الأصيل؟ كم من قيادي كان يوماً معلماً روحياً، ثم تحول إلى مناور سياسي بارع، يجيد حساب المصالح أكثر مما يجيد تزكية النفوس؟

إعادة الوصل أم تكريس القطيعة؟

المفارقة المؤلمة أن كثيراً من التنظيمات الإسلامية اليوم تعيد إنتاج المعادلة الأموية دون أن تدري: تنظيم محكم، لكنه مفرغ من المحتوى التربوي الحقيقي. شعارات دينية، لكن ممارسات براغماتية بحتة. خطاب عن الآخرة، لكن انشغالاً كلياً بالدنيا وحساباتها الضيقة.

في المقابل، استقل “كبار الصحابة وآل البيت بمؤسسة التربية”، وظلوا يحملون “مشعل الدلالة على الله”، بعيداً عن صراعات السلطة وحساباتها. هذا الانفصال خلق ثنائية مازلنا نعاني منها: إما تنظيم سياسي بلا روح، أو تربية روحية بلا فاعلية تنظيمية. والسؤال الذي يواجه الإسلاميين اليوم، في المغرب وخارجه: هل من سبيل لإعادة الوصل بين ما انفصل؟

التحدي الحقيقي ليس في بناء تنظيمات قوية، بل في بناء تنظيمات لا تفقد روحها في الطريق إلى السلطة. التحدي في ألا يصبح التنظيم غاية تبتلع الغاية الأصلية، وألا تتحول الوسيلة إلى معبود جديد. فهل تستطيع الحركات الإسلامية المعاصرة أن تتعلم من هذا الدرس التاريخي، أم أنها محكومة بتكرار المأساة نفسها؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية