عندما يصبح التنظيم أفعى: من الإحسان إلى الغدر

عندما يصبح التنظيم أفعى: من الإحسان إلى الغدر

كم مرة سمعنا في المغرب عن شاب التحق بتنظيم إسلامي بحثاً عن العدالة والإحسان، ثم وجد نفسه بعد سنوات غارقاً في دهاليز المكائد والنميمة والتعبئة ضد إخوانه؟ كم من مناضل دخل الباب واسعاً حالماً بإنصاف المظلوم وإعزاز المستضعف، ليخرج منه ضيقاً محطماً، يحمل جراحاً لا تندمل من “الإخوان” أنفسهم قبل الخصوم؟ هذه المفارقة المؤلمة ليست استثناء فردياً، بل باتت ظاهرة تستحق التأمل العميق في مسار التنظيمات الإسلامية المعاصرة.

من الحلم إلى الكابوس

يكتب فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” بمرارة الخبرة: “تجاوزت مرحلة كنت أحزن فيها من مجرد كلام الإخوان وتنابزهم ونشرهم للإشاعات في التنظيم والشارع ومواقع التواصل، كما أنني تجاوزت مرحلة كنت أخاف فيها من المكائد التنظيمية والغدر والتبليغ والتخابر والضرب تحت الحزام والتسلط إلى الأسرة”. هذه الشهادة ليست مجرد بوح شخصي، بل هي تشخيص دقيق لانحراف خطير: تحول التنظيم من فضاء للتربية الروحية والنضال من أجل القيم، إلى حلبة صراع على المواقع والنفوذ.

المفارقة المرة أن هذه التنظيمات التي قامت أصلاً لمواجهة “دولة الفساد النخرة”، كما يصفها الكاتب، تبنّت تدريجياً آليات الفساد ذاتها: النميمة بدل النصيحة، والغدر بدل الوفاء، والمكائد بدل المكاشفة. صارت “التعبئة التحتية والفوقية والفيسبوكية” أدوات يومية لتصفية الحسابات الداخلية، بدلاً من أن تكون طاقات التنظيم موجهة نحو خدمة المجتمع وإصلاحه.

عندما يتحول الرفاق إلى ذئاب

الأشد إيلاماً في شهادة أكريم ليس انتقاده للتنظيم، بل وصفه لرحلته النفسية من الثقة إلى الحذر، ومن الأخوة إلى المواجهة. أن يصل المناضل إلى مرحلة يقول فيها إن قلبه “صار أقسى من زبر الحديد في مواجهة الذئاب”، فهذا يعني أن شيئاً أساسياً قد انكسر في العقد الأخلاقي الذي يفترض أن يربط أعضاء التنظيم. المفترض أن تكون الجماعة حاضنة تربوية، لا غابة يحتاج فيها العضو إلى قلب من حديد ليحمي نفسه من “إخوانه”.

هذا التحول من الإحسان إلى المصلحية الضيقة لا يمسّ الأفراد فحسب، بل يضرب في الصميم مصداقية المشروع الإصلاحي برمته. كيف لتنظيم يدّعي السعي لإقامة “دولة العدل” أن يكون عاجزاً عن إقامة العدل بين أعضائه؟ كيف لجماعة ترفع شعار الأخوة أن تمارس النميمة والوشاية؟ هذا التناقض الصارخ بين الشعار والممارسة هو ما يفسر جزئياً تراجع الجاذبية الشعبية لهذه التنظيمات في السنوات الأخيرة.

الدورة التاريخية المنسية

يتحدث الكاتب عن “دورة تاريخية” تتكرر: تنظيم صاعد صادق يُسقط دولة فاسدة، لكنه يصاب بالترهل والفساد تدريجياً، ليأتي تنظيم جديد يحل محله. لكن السؤال الذي يغيب عن هذا التصور: ماذا لو كانت المشكلة ليست في “قِدَم” التنظيم، بل في بنيته الداخلية ذاتها؟ ماذا لو كانت آليات العمل التنظيمي المغلق، والولاء الأعمى، والطاعة غير المشروطة، هي ما يولّد حتماً هذا الانحراف؟

ربما آن الأوان للتفكير في أشكال جديدة من العمل الجماعي، تقوم على الشفافية بدل السرية، وعلى المساءلة بدل الطاعة العمياء، وعلى احترام الفرد بدل إذابته في “الجماعة”. أشكال تضع معايير أخلاقية صارمة لا تقبل التنازل عنها مهما كانت “المصلحة التنظيمية”.

هل يمكن لتنظيم أن يحافظ على نقائه الأخلاقي ومشروعه الإحساني دون أن ينزلق إلى مستنقع المصلحية والمكائد؟ أم أن القانون الحديدي للتنظيمات هو الانحراف الحتمي؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية