📖 الزواج — الفصل 2 من 15 — فهرس الكتاب
يمكن تعريف الأسرة بأنها:
• تجمع اجتماعي قانوني لأفراد تربطهم روابط الزواج والقرابة يتشاركون منزلا واحدا .
• الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاه كل أعضائه.
• جماعة تحددها علاقة جنسية محكمة على درجة من قوة التحمل تمكنها من إنجاب الأطفال وتربيتهم.
• تجمع قانوني اجتماعي لأفراد تربطهم روابط الزواج والقرابة.
• وحدة اجتماعية مكونة من شخص واحد أو مجموعة أشخاص تكفل لنفسها استقلالا اقتصاديا منزليا .
• ليس ضروريا وجود أطفال فقد تتكون الأسرة فقط من زوج وزوجة .
التعريف الدولي للأسرة
• المادة 36 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة 1948 تعرف الأسرة بأنها : ” الخلية الطبيعية الأساسية للمجتمع ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة” .
وإذا كانت الأسرة من الناحية الاجتماعية عبارة عن مجموعة مكونة من أشخاص تربط بينهم رابطة بيولوجية، فهي من الناحية القانونية مجموعة أشخاص تربط بينهم رابطة الزواج أو البنوة أو الأبوة أو القرابة الناتجة عن الزواج، وبهذا يمكن اعتبار الأسرة أهم هيكل أساسي للتنظيم الاجتماعي ينظمها القانون وتقوم على قيم وقواعد قانونية يضعها المشرع وتترتب على مخالفتها عقوبات، ثم إن مفهوم الأسرة يختلف من مجتمع لآخر، وفقا لطبيعة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والدينية والتاريخية والثقافية، حيث تنعكس هذه الظروف على طبيعة الأسرة خصوصا منها الظروف الدينية.
تعريف علماء الاجتماع للأسرة
• الأسرة الممتدة : تتكون من الأب و الأم والأطفال والأحفاد والأخوال والأعمام الذين يعيشون في وسط واحد الأسرة.
• الممتدة المحدودة : أقل حجما و تتكون من واحد أو اثنين تتكون عندما يغادر أحد أفراد الأسرة للعيش في منطقة جغرافية أخرى كالهجرة للعمل مثلا.
• الأسرة الزواجية : وتتكون من الأب والأم والأطفال وتسكن في بيت واحد مستقلة عن الأهل وقد تكون بين زوج وأكثر من زوجة فيسمى الزواج التعددي . وهي أقل أنواع التنظيم الأسري شيوعا ويطلق عليه اسم الزواج الواحدي .
وقد بقت الأسرة العربية أسرة ممتدة طيلة قرون قبل أن تتطور إلى أسرة ممتدة محدودة أو أسرة زواجية صغيرة نظرا لظروف العمل والتعليم .
وحسب علماء الاجتماع يمكن تصنيف ظاهرة الزواج والأسرة بطرق تكاد تكون غير محدودة :
• أسرة التنشئة أو أسرة التناسل .
• من ناحية النسب هناك أسرة الانتساب للأب وأسرة الانتساب للأم أو الأسرة المزدوجة .
• من ناحية السكنى : هناك أسرة السكنى عند الأب وأسرة السكنى عند الأم وهناك أسرة السكنى المستقلة.
• أما من ناحية السلطة فهناك الأسرة الأبوية وهناك أسرة المساواة حيث لا سلطة للرجل في الأسرة، بل هي المشاركة.
ويذكر الباحثون خمسة إطارات نظرية مستقلة لدراسة الأسرة، كلها ذات اتجاه سوسيولوجي :
• اتجاه دراسة الأسرة كنظام : هو أول الاتجاهات ظهورا ويتصف باتساع النطاق والوصفية والأخلاقية ويتمحور حول النظام العائلي وتطوره .
• الاتجاه البنائي الوظيفي : وينظر للأسرة كنسق اجتماعي بين مكونات متفاعلة اجتماعيا ويركز الاهتمام على العلاقات الداخلية للنسق العائلي والعلاقة بين الأسرة والانساق الاجتماعية الأخرى .
• الاتجاه التفاعلي : يهتم بالأسرة باعتبارها وحدة من الشخصيات المتفاعلة ويسعى إلى تفسير ظواهرها .
• اتجاه دراسة الموقف : وهو ينظر للأسرة كموقف اجتماعي يؤثر في السلوك أي من بين المؤثرات على تصرفات الأفراد .
• الاتجاه التطوري : وينطلق من دراسة الأسرة ومراحل تطورها وتطور أفرادها
التعريف القانوني للأسرة
مجموعة أشخاص يربط بينهم الزواج أو البنوة أو الأبوة أو القرابة الناتجة عن الزواج والبنوة، والتالي فالأسرة تخضع للقانون وليس للفقه الإسلامي، فالقانون هو الذي ينظم الأسرة، وبالتالي فهي تخضع لقواعد قانونية تضعها السلطة العامة بواسطة السلطة التشريعية للدولة ويترتب على ذلك عقوبات لمن خالفها لأنها من النظام العام.
مميزات الأسرة أو الخصائص التي تميز الأسرة كنظام اجتماعي :
• هي أبسط أشكال المجتمع
• توجد في كل المجتمعات وفي كل الأزمنة
• النظام الذي يؤمن وسائل العيش لأفراده
• هي أول وسط اجتماعي يحيط بالفرد ويمرنه على الحياة ليكون عنصرا في المجتمع
• الاسرة كنظام اجتماعي تؤثر في باقي النظم الاجتماعية وتتأثر بها
وظائف الاسرة :
• أصلح نظام للتناسل، فتتولى تغذية الصغار وتنشئتهم
• وحدة اقتصادية متضامنة، الأب للاعالة والأم لاعمال المنزل
• المدرسة الأولى للفرد
• نشأة العقيدة الدينية والمحافظة عليها
• تعليم اللغة والتوجيه والإرشاد
• بناء شخصية الطفل وعلاقاته وعقيدته وقيمه وواجباته وسلوكه وثقافته
• تعكس على المجتمع صفاتها
• تنمية الوعي وترشيد الاستهلاك
• التصريف الجنسي بالطريقة المشروعة
مكانة الأسرة في الشريعة الإسلامية
عنيت الشريعة الإسلامية بالأسرة عناية فائقة، وقد جاء الإسلام بتشريع يمكن أن يحكم نظام الأسرة في كل زمان ومكان، حيث يتبع العلاقة الزوجية منذ أن تكون فكرة في ذهن الزوجين ويتعهدها بالرعاية حتى تخرج إلى حيز التنفيذ، وحين تفشل هذه العلاقة يضع لذلك نظاما أيضا يحفظ حقوق كل من الرجل والمرأة، ففي مرحلة الخطوبة يبين للخاطب كيفية الاختيار وأسسه، وإذا تم الزواج توضح الشريعة الإسلامية كيف تكون المعاشرة، وفوق ذلك ينص على إصلاح ذات البين ونزع الشقاق وتنظيم الطلاق في حالة تعذر الحياة المشتركة .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن وضعية المرأة في المجتمعات الإسلامية تسلل منها الكثير من أعداء الإسلام وبثوا أفكارا كثيرة الإسلام بريء منها، إذ أن الإسلام حض على الرحمة والمودة والمعاشرة بالمعروف، وجعل الأسرة حاضنة أساسية لأفراد المجتمع وحماية لهم من الفساد، من ذلك أنهم زعموا أن التعدد ظلم للمرأة، وأن طاعتها لزوجها انتقاص من كرامتها، ومع ذلك بقيت الأسرة في ظل الشريعة الاسلامية أسرة قوية، أسرة أبوية في عمومها تحت إشراف الأب وتوجيهه، كبيرة الحجم، وذات معدلات إنجاب عالية، الأمر الذي دفع البعض إلى انتقاد هذا الشكل الأسري وطرح فكرة المساواة بين الرجل والمرأة، واعتماد أسس المساواة والمشاركة بين الزوجين، لكن بالمقابل دافع الكثير عن الشكل الأبوي للأسرة لما في هذا الشكل من حماية للبنية المجتمعية والدين وقالوا بأن السفينة بقائدين مصيرها الغرق وضياع الأبناء.
ورغم ذلك فإن الأسرة العربية شهدت الكثير من التحولات بفعل التطور الاجتماعي الحاصل والتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافة القادمة من الغرب التي أثرت على دور المرأة وأخرجتها من البيت إلى العمل وأعطتها نفس حقوق الرجل، وفقد الرجل جميع الامتيازات رغم قوته البدنية وتاريخه الطويل لقرون طويلة في القوامة على البيت، الشيء الذي أثر على البنية الاجتماعية وأدى إلى تراجع دور الرجل واكتساح المرأة لجميع المراكز الاقتصادية والاجتماعية والمهنية، كما أنتج ظواهر اجتماعية كارتفاع سن الزواج وتراجع التعدد وارتفاع معدل العنوسة و ارتفاع نسبة النساء العاملات حيث تفوق في الشركات نسبة عمل الرجال .
واقع الأسرة في العالم الغربي والإسلامي
تم تنظيم الأسرة في الأصل في الدول الإسلامية وفي الغرب بنصوص سماوية، لكن حدث عراك في الغرب حول مفهوم النصوص الدينية فتم استبعاد الدين نهائيا من تنظيم الأحوال الشخصية في الدول الغربية وحل محل الدين التنظيم الوضعي المعتمد على العقل البشري والدراسة والتفكير والتقدير وفق مصالح المجتمع من المنظور البشري، ومع دخول الاستعمار الغربي تسللت إلى المجتمع الإسلامي مظاهر المطالبة بإبعاد الإسلام عن تنظيم الأحوال الشخصية على اعتبار أن الإسلام ظلم المرأة عندما حرمها من المشاركة وأمرها بطاعة الزوج وأعطى للزوج حقوقا انفرد بها كحق الطلاق وحق التعدد، هكذا تعالت أصوات حقوقية منادية بإلغاء التعدد ومنح الطلاق للمرأة على قدر المساواة مع الرجل ومساواتها به أيضا في الإرث.
في الغرب جاء مارتن لوثر بحركة تصحيحية تسمح للرهبان بالزواج وتسمح بالطلاق، وهو الأمر الذي اعتبرته الكاثوليكية انتهاكا لقدسية الزواج وانحرافا عن المسيحية الحقة، وبعد عقد صلح بين المذهبين تم الاتفاق على احترام كل منهما تعاليم الأخر، من هنا دخل مفهوم شخصية قواعد الاحوال الشخصية التي أصبحت فيما بعد من أسس القانون الدولي الخاص، وامتدت الى العالم الإسلامي، ذلك أن الأفكار البروستينتانية جردت الزواج من قدسيته ونفس الامر فعل العقل المتفتح في مجال العلوم، كل ذلك دفع إلى تقنين الزواج ضمن القانون المدني كعلاقة مدنية بعيدا عن الدين، من هنا سيعمل اللائكيون على تكريس فصل الدين عن الحياة الخاصة، وإبعاد الدين نهائيا عن حياة الأفراد، فصدرت قوانين مدنية أدمجت الزواج ضمن القانون المدني من ذلك القانون المدني الفرنسي، وبالتالي أصبح ابرام عقد الزواج من مهام الدولة والإدارة والقضاء عوض أن يكون من مهام رجال الدين.
القوانين الوضعية التي حلت محل الشرائع السماوية الدينية في تنظيم الاحوال الشخصية اتسمت في البداية بالإجحاف بخصوص حقوق المرأة، ذلك أنها لم تتخلص بعد من الثقافة السائدة، فنجد أن مدونة نابوليون لسنة 1804 لا تعترف للمرأة بتسيير الأسرة وعدم إمكانية الترافع أمام القضاء وعدم السماح لها بالعمل خارج البيت ولا إبرام أي عقد من عقود التفويت أو الرهن إلا بحضور زوجها وبموافقته، هذا الأمر جعل البعض ينادي بالاصلاح والمساواة بين الرجل والمرأة، ولم تبدأ هذه الإصلاحات إلا في القرن العشرين وبالضبط في سنة 1938 حيث حصلت المرأة في فرنسا على الأهلية لإبرام التصرفات القانونية ومساواتها مع الرجل في تسيير البيت، ثم توالت التعديلات في اتجاه تكريس المزيد من حقوق المرأة في اتجاه إلغاء أي تمييز بين الرجل والمرأة.
هكذا وباسم المساواة تم الغاء كل الامتيازات التي كانت للرجل وأصبح الرجل متساويا مع المرأة، لا شيء يميزه عن المرأة، بدءا من ابرام عقد الزواج مرورا بالشؤون المالية والمعنوية في البيت وانتهاء بإنهاء العلاقة الأسرية والولاية على الأبناء، بل إن المرأة حافظت على امتيازاتها في ما يخص آثار الزواج، وحصلت على عديد من الامتيازات الاضافية حيث لم يتم تطبيق المساواة في الأمور المالية، فرغم المساواة بقيت المرأة مستفيدة من نفقة الزوج والمتعة والسكن وجميع مستحقات الزواج من صداق وغيره، ومستفيدة من الحضانة، هكذا كان لهذه المساواة دور سلبي على استقرار الاسرة وعلى صفتها كمؤسسة يحميها القانون، فتراجعت نسبة الزواج حيث نفر الرجال من مؤسسة الزواج، خصوصا مع العقوبات السجنية التي اقترنت بعدم الإنفاق، وتزايدت نسبة الطلاق نظرا للمساواة داخل البيت وكثرة الشجار، كما ساهم إعطاء المرأة حق الطلاق في ارتفاع نسبة الطلاق فأصبحت المرأة تطلق نفسها متى شاءت، وانتشرت ظاهرة المساكنة أو الزواج الفعلي الذي لا يقوم على عقد الزواج بل على التراضي على العيش المشترك دون عقد مليء بالالتزامات التي يفرضها القانون للخروج من الزواج بأقل الخسائر، فالمبدأ الذي اعتمدته المدنية المعاصرة هو حث المرأة على الحرية والمساواة والخروج من البيت وإظهار جمالها ومخالطة الرجال والتبرج بزينتها بكل حرية.
من ناحية المفهوم القانوني لحقوق الإنسان تأثر التشريع بالمفهوم الحقوقي بعد الحرب العالمية الثانية الذي جرد الاسرة كمؤسسة اجتماعية قائمة على المودة والرحمة وجعلها مجرد تجمع نفعي فيه حسابات مالية، نتيجة ذلك كانت إباحة العلاقات الجنسية بين الجنسين وإباحة الخيانة الزوجية فرنسا 1975 هولاندا 1971، إذن في النظام القانوني الأوروبي مقتضيات تقضي على النظام القانوني للأسرة باسم القانون والحقوق وتقضي على الأسرة بصفتها مؤسسة اجتماعية، الشيء الذي كانت له انعكاسات على البنية الديمغرافية فانخفضت الولادات وارتفعت نسبة الشيوخ وارتفاع نسبة الطلاق والعنوسة وانخفاض نسبة الزواج، ثم ما لبث أن تم السماح بزواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة في هولاندا 2001 بلجيكا 2003اسبانيا كندا 2005 السويد النرويج 2009 البرتغال 2010 فرنسا 1913 فنلاندا 2014 الولايات المتحدة 2015 .
• التشريعات الأسرية في البلدان الاسلامية انبهرت بالحقوق في الدول الغربية وحاولت تطبيقها لكننا نجد ثلاثة اتجاهات، الاتجاه الاول يدعو الى التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية رغم مظاهر التخلف بين قوسين كحق التعدد وحق الطاعة اللتين خولتهما الشريعة الاسلامية للرجل، بداعي الحفاظ على المرأة من الضياع وحماية الأسرة من الشتات، ثم تيار علماني متجرد تماما من الدين ينادي باعتماد النظام الغربي التحرري والاتفاقيات الدولية الحديثة، ووقف بينهما تيار وسطي يدعو إلى عدم التخلي عن الشريعة الاسلامية والتماشي مع الثقافة الغربية، بمعنى إزالة القدسية عن الشريعة الاسلامية بكل هدوء، هكذا انقسمت التشريعات العربية بين ثلاثة مدارس:
• تشريعات ما تزال تعتمد الشريعة الاسلامية
• تشريعات تقتبس من التشريعات الغربية وهو التيار الغالب
• تشريعات تقتبس من التشريعات الغربية لكن تحافظ على بعض مقتضيات الشريعة الاسلامية
الأسباب :
• الفرد الأوروبي ينظر إلى الزواج على أنه نظام اجتماعي متجاوز
• أسلوب توزيع الدخل المعتمد على الدخل والإنتاج والاستهلاك ساعد على تفكك الروابط الاجتماعية
• استقلال المراهق عن أسرته في سن مبكرة وعيشه حياته الخاصة
• الابتعاد عن الدين أدى إلى الابتعاد عن بعض المظاهر الاخلاقية
• النزعة المادية والحرية الشخصية والميل إلى حقوق الفرد بعيدا عن التدخل في حياته الشخصية
• الصراع بين الأزواج بدل البحث عن التكامل ووصف المرأة دائما بالمظلومية والمتاجرة بحقوقها لدفعها الى مزيد من الانطلاق والصدام مع الرجل واعتبار الأسرة والأمومة من أسباب قهر المرأة وأن بيت الزوجية سجن للمرأة يقيد حريتها.
• مفهوم الجمال وتفنن وسائل الإعلام في التركيز على جسد المرأة دون الاهتمام بالأخلاق والدين
الأسرة في العالم الإسلامي لم تنج من هذه المظاهر لكن بحدة أقل بدرجة تطبيقها للثقافة الغربية، وأول ملاحظة هي تراجع دور الدين في قوانين الأسرة .
النتائج :
• التفكك الأسري
• انعدام التوازن داخل الأسرة
• ارتفاع نسبة الطلاق
• العزوف عن الزواج
• المساكنة الحرة
• الزواج العرفي
تقنين أحكام الأسرة : وردت عدة تعبيرات لهذا القانون منها :
• قانون الأسرة
• قانون الأحوال الشخصية
• وثيقة أحكام الأحوال الشخصية
• مدونة أحكام الأسرة
• تبويب أحكام الأسرة
• مجلة الأحكام العدلية : العثمانيين
• مجلة الأحكام الشرعية : السعودية
تسمية الأحوال الشخصية :
هي حسب البعض تسمية عامة والأنسب أن تسمى أحكام الأسرة ما دام موضوعها متعلقة بالأسرة، ولم تكن كلمة الأحوال الشخصية معروفة عند فقهاء المسلمين القدامى وإنما هي اصطلاح قانوني جديد جاء نتيجة تقسيم الأحوال المدنية إلى أحوال شخصية تتعلق بشخص الإنسان كالزواج والطلاق والعدة والنفقة .. وأحوال متعلقة بالأمور المالية وكلاهما من أقسام القانون الخاص .
تعريف الأحوال الشخصية :
هي مجموعة القواعد القانونية التي تنظم علاقة الزوج بالزوجة والأبناء والأقارب، فهي قانون الأسرة الذي ينظم أحوال أفرادها في المسائل التالية :
• عقد الزواج : عناصره، شروطه، الأثار المترتبة عنه والحقوق والواجبات
• الطلاق : من يوقعه، كيفية انحلال ميثاق الزوجية، العدة و أحكامها
• الولادة : شروط ثبوت النسب، الرضاعة، الحضانة، الإنفاق
• الولاية : على الأولاد ورعاية شؤونهم الشخصية والمالية
• أموال الفرد بعد الموت : الوصية، الإرث
هذه بخلاصة الأمور التي ينظمها القانوني الموضوعي للأسرة ( مدونة الأحوال الشخصية الملغاة التي عوضتها مدونة الأسرة سنة 2003) والذي يكمله قانون شكلي تتضمنه المسطرة المدنية .
لمحة تاريخية عن تقنين مادة الأسرة
كيف انتقلت أحكام الأسرة من الفقه الإسلامي إلى مجال القانون
لقد كان مرجع القضاء في العصور الاسلامية الأولى هو الفقه الاسلامي وما يتضمنه من أحكام نصية ثابتة بالكتاب والسنة واجتهاد الفقهاء، ومع دخول المستعمر إلى البلاد الاسلامية جاءت معه القوانين الأجنبية، وظهرت محاكم أخرى جديدة تعمل وفق القوانين التي جاء بها الاستعمار، وتقلص دور المحاكم الشرعية التي تقضي وفق أحكام الشريعة الاسلامية، وأصبح اختصاصها مقتصرا فقط على النظر في الأحوال الشخصية بعد أن كانت تفصل في كل شيء . ثم سينعدم دورها لاحقا بسبب قيام الحركات النسائية بالمطالبة بالابتعاد عن الدين وتقنين أحكام الأحوال الشخصية بعيدا عن أحكام الشريعة الاسلامية .
أصدرت الدولة العثمانية قانون “حقوق العائلة ” سنة 1917 وطبق في معظم البلاد العربية الخاضعة لنفوذها ثم أصدرت مصر سنة 1920 مشروع تقنين أخذت كل أحكامه من الفقه المالكي وتكون من 13 مادة .
أما في المغرب فقد تأخر صدور قانون الأحوال الشخصية إلى ما بعد الاستقلال حيث صدر ظهير شريف سنة 1957 يقضي بتكوين لجنة لوضع مدونة أحكام الفقه الاسلامي، وقدمت وزارة العدل لهذه اللجنة مشروع قانون الأحوال الشخصية تكون من 265 مادة وبعد مراجعته حررته في 297 تحت إسم مدونة الأحوال الشخصية، هذه المدونة صدرت في خمسة ظهائر كان أولها بتاريخ 22 نونبر 1957 وآخرها بتاريخ 3 أبريل 1958، حيث اعتمدت بشكل كلي على المذهب المالكي ما عدا بعض الأحكام القليلة مقتبسة من المذاهب الأخرى ومقتضيات تنظيمية من القانون المقارن ويرتكز على المحددات الأساسية التالية:
• الشريعة الإسلامية المستقاة من نصوص القرآن والسنة النبوية .
• المذهب المالكي كفقه تأويل واجتهاد .
إن مدونة الأحوال الشخصية المغربية هي اجتهاد بشري تأسس على النص واحتاجت بدورها إلى تحيين يمكنها من مواكبة المستجدات، لكن وجهت إليها العديد من الانتقادات من التيارات العلمانية والجمعيات النسائية المتأثرين بالغرب وحزب الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية وغيرهما من الأحزاب اليسارية والتنظيمات النسائية التابعة لهذه الأحزاب اليسارية، فقالوا بأن مدونة الأحوال الشخصية غير دستورية وأنها مستمدة من آراء دينية متخلفة بعيدة عن روح العصر وأنها غير مواكبة للاتفاقيات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان التي وقع المغرب عليها، وأنها عبارة عن أفكار متحجرة قديمة، فجاء تعديل على المدونة على إثر العريضة التي قدمها اتحاد العمل النسائي، التي طالب فيها بتغيير نصوص مدونة الأحوال الشخصية في اتجاه إقرار بعض المفاهيم الجديدة على الأسرة المغربية مثل :
• المساواة بين الأب والأم داخل الأسرة .
• اعتبار المرأة كالرجل تكمل أهليتها لمجرد بلوغ سن الرشد
• الحق للفتاة في الزواج دون ولي تزوج نفسها بنفسها
• نفس الحقوق والواجبات للرجل والمرأة
• وضع الطلاق بيد القضاء وجعل طلبه بيد المرأة والرجل على حد سواء
• منع الزوجة الثانية
• الحق للمرأة في الولاية على أبنائها مثل الرجل
• المساواة في الارث
وقد أعقب هذه العريضة التي تعتبر أساس ما سيعرف لاحقا بـ “مدونة الأسرة” ردود فعل مستنكرة ورافضة، وأول من رفضها هو رابطة علماء المغرب، كما رفضها وزير الاوقاف والشؤون الإسلامية أنذاك المرحوم عبد الكبير العلوي المدغري، ورفضها جميع خطباء المساجد وخريجو الدار الحسنية للحديث ورفضتها جامعة القرويين ورابطة علماء فاس، بل إن مشروع مدونة الاسرة رفضته حتى نساء جمعية تجديد الوعي النسائي ذات التوجه الاسلامي، وقد قامت الهيئة الوطنية لحماية الاسرة المغربية بتنسيق مع عديد من الحركات الاسلامية بتنظيم عدة مسيرات احتجاجية على التعديلات المزمعة كانت أكبرها بمدينة الدار البيضاء التي اعتبرت مظاهرة مليونية، تقدمتها العديد من الفعاليات الاسلامية.
قام الملك محمد السادس بتشكيل لجنة تكونت من مستشارين بالمجلس الأعلى منهم ثلاث نسوة وترأس هذه اللجنة محمد بوستة الأمين العام لحزب الاستقلال، ودام عمل هذه اللجنة حوالي السنتين استعمت فيه إلى 80 جمعية نسائية ومنظمات حقوقية ومغاربة قاطنين بالخارج وفقهاء، هذه اللجنة حاولت صياغة قانون للأسرة يخدم مطالب الجمعيات النسائية بالأساس، وفي 10 أكتوبر 2003 ألقى الملك خطابا أمام البرلمان قدم من خلاله أهم مستجدات المشروع المتعلق بقانون الاسرة، ثم صادق عليه البرلمان في 16 يناير 2004 و مجلس المستشارين في 23 يناير 2004، وانتقل المغرب من مدونة الاحوال الشخصية إلى مدونة الاسرة أي قانون 70.03 الذي جاء على الشكل التالي :
• باب تمهيدي يتضمن أحكام عامة يشمل المواد من 1 إلى 3
• الكتاب 1 يتعلق بالزواج ويشمل المواد من 4 إلى 69
• الكتاب 2 يتعلق بالطلاق ويشمل المواد من 70 إلى 141
• الكتاب 3 يتعلق بالولادة ونتائجها ويشمل المواد من 142 إلى 205
• الكتاب 4 يتعلق بالأهلية والنيابة الشرعية من المواد 206 إلى 276
• الكتاب 5 يتعلق بالوصية ويشمل المواد من 277 إلى 320
• الكتاب 6 يتعلق بالميراث ويشمل المواد 321 إلى 395
• الكتاب 7 يتعلق بأحكام انتقالية وختامية من 396 إلى 400
المستجدات التي جاء بها قانون 70.03 بمثابة مدونة الاسرة
• جعل الاسرة مشتركة تحت مسؤولية الزوجين معا وليس تحت رئاسة الزوج
• الشراكة بين الزوجين والتساوي في الحقوق والواجبات
• المساواة بين الرجل والمرأة في سن الزواج
• حق المرأة في تزويج نفسها بنفسها
• حق المرأة في تطليق نفسها
• جعل التعدد شبه ممتنع
• الحفاظ على حقوق الطفل وفق الاتفاقيات الدولية
التعديلات التي عرفتها مدونة الأسرة هي أحكام اجتهادية وليست من القرآن ولا من السنة ولا من المذهب المالكي، على اعتبار أن المصلحة الاجتماعية اقتضت ذلك، لذلك لا غرابة أن يجد القارئ لمدونة الاسرة اختلافا بين الفقه الاسلامي ومدونة الاسرة فيما يتعلق بشؤون الاسرة، فعلى سبيل المثال لم تعد تحتاج البنت إلى ولي الامر للزواج، وأصبح الطلاق بيد المرأة، وطلاق الرجل لا معنى له دون إذن من القضاء ولو قال لزوجته طلقتك، ولم تعد السلطة التقديرية للتعدد بيد الرجل بل بيد القضاء فهو من يسمح للرجل بالزواج بالزوجة الثانية، وهناك أيضا حديث عن تعديل مرتقب يتعلق بالمساواة في الارث، هذه المقتضيات المستمدة من التشريعات الدولية المقارنة ومواثيق حقوق الانسان ستؤدي لا محالة إلى نفس المظاهر الاجتماعية الموجودة في الغرب، كالعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وارتفاع نسبة الأبناء من علاقات غير شرعية وارتفاع العنوسة لدى النساء وارتفاع العزوف عن الزواج من الرجال وارتفاع نسبة الطلاق .
مرتكزات مدونة الأسرة
بسطت ديباجة المدونة هذه المرتكزات على الشكل التالي :
• جعل الاسرة المغربية قائمة على المسؤولية المشتركة والمودة والمساواة والعدل والمعاشرة بالمعروف والتنشئة السليمة للأطفال، وجعلها لبنة جوهرية في دمقرطة المجتمع باعتبار الأسرة نواته الأساسية.
• الالتزام بأحكام الشرع ومقاصد الشريعة السمحة وإعمال الاجتهاد في استنباط الأحكام مع الاهتداء بروح العصر والتطور والتزام المغرب بحقوق الإنسان على الطريقة المتفق عليها عالميا .
• صياغة المدونة بأسلوب قانوني حديث متطابق مع أحكام الشريعة واضعا حلولا متوازنة وعملية تنم عن الاجتهاد المتفتح .
• إيجاد فضاء اسري متخصص ومؤهل وفعال مع توفير كل الوسائل والنصوص لايجاد منظومة تشريعية متكاملة ومنسجمة من أجل تماسك الاسرة وتآزر المجتمع .
• تبسيط مسطرة ابرام عقد الزواج بالخارج من خلال الإعفاء من تسجيل العقد بحضور شاهدين مسلمين بشكل مقبول لدى موطن الإقامة وتوثيق الزواج بالمصالح القنصلية أو القضائية بالمغرب .
• جعل الطلاق حلا لميثاق الزوجية يمارس من الطرفين مع موافقة القضاء، للحد من الممارسة التعسفية للرجل في الطلاق .
• توسيع حق المرأة في طلب التطليق عند إخلال الرجل بشرط من شروط عقد الزواج أو الإضرار بالزوجة
• تعزيز المساواة بين الزوجين وإقرار الطلاق الاتفاقي تحت مراقبة القاضي
• الحفاظ على حقوق الطفل، كما هو مصادق عليه بالاتفاقيات الدولية وحماية حقه في النسب في حالة عدم توثيق عقد الزواج باعتماد المحكمة البينات المقدمة في شأن اثبات البنوة .
• استقلال الذمة المالية للزوجين مع جواز الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج على وضع اطار لتدبير أموالهما المكتسبة خلال فترة الزواج .
مصادر المدونة
يلاحظ أن المدونة لم تعد تقتصر على الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي، بل توسعت وأخذت بمصالح المرأة أينما وجدت وفي أي مذهب كانت وفي أي قانون أو اتفاقية دولية، ففي الولاية مثلا وخلافا للمعمول به في المذهب المالكي وأغلب المذاهب ذهبت المدونة إلى المذهب الحنفي واعتبرت الولاية غير لازمة، كما أخذت بالمذهب الظاهري في منح المطلقة المتعة في كافة الاحوال، وسكتت المدونة عن الطلاق السني واستحدثت أنواعا أخرى من الطلاق كالطلاق الاتفاقي والطلاق للشقاق، وضعفت من مؤسسة الرجعة المترتبة عن الطلاق الرجعي وأصبحت متوقفة على قبول الزوجة، وأصبح التعدد مقيدا بالمبرر الموضوعي الذي تقتنع به المحكمة، هذا المبرر لا يوجد في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الفقهاء، وبذلك لم يعد التعدد حقا للرجل، ويبقى أغرب ما جاءت به المدونة هو إضفاء الشرعية على حمل المخطوبة من خاطبها، وبذلك لم تعد الخطبة مجرد وعد بالزواج بل اصبحت بمثابة عقد زواج لم يوثق لأسباب قاهرة.
هكذا يمكن الحديث عن مصادر شرعية ثم مصادر وضعية وهي الاتفاقيات الدولية وتوصيات الأمم المتحدة ومواثيق حقوق المرأة والطفل، ثم اعتبار الفقه المالكي فقط مصدرا تكميليا كآخر مصدر في حالة عدم وجود حكم في مدونة الأسرة.
• الفقه المالكي كمصدر تكميلي فقط وفق المادة 400 : ” كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف.”
• المذاهب الفقهية الأخرى
• قانون الالتزامات والعقود و القانون التجاري الذين تخالف قواعدهما قواعد المدونة
• قانون 72.03 بمثابة المسطرة المدنية الذي يحتوي على بعض المساطر القضائية في قضايا الأسرة
• الاتفاقيات الدولية التي تتعارض مقتضياتها مع الشريعة الإسلامية
مميزات المدونة
• اعتماد مرجعية وطنية : الدين الإسلامي، جعل قانون الأسرة من اختصاص البرلمان .
• اعتماد مرجعية دولية : الاتفاقيات الدولية، حقوق المرأة، حقوق الطفل .
• اعتبار التحولات الاجتماعية : ارتفاع سن الزواج، العمل، المستوى الاقتصادي والاجتماعي، تقلص حجم الأسرة .
• إعطاء الأسرة مركز الصدارة : مقاربة شمولية ومتوازنة لتحقيق التنمية .
• اعتماد صياغة تشريعية جديدة : على شكل قانوني، مقرات لائقة لقضاء الأسرة، صندوق التكافل الاجتماعي، دليل عملي كمرجع لقضاء الأسرة .
نطاق سريان المدونة من حيث الأشخاص
جاء في المادة 2 : ” تسري أحكام هذه المدونة على:
1 – جميع المغاربة ولو كانوا حاملين لجنسية أخرى؛
2 – اللاجئين بمن فيهم عديمو الجنسية، طبقا لاتفاقية جنيف المؤرخة بـ 28 يوليوز لسنة 1951 المتعلقة بوضعية اللاجئين؛
3 – العلاقات التي يكون فيها أحد الطرفين مغربيا؛
4 – العلاقات التي تكون بين مغربيين أحدهما مسلم.
أما اليهود المغاربة فتسري عليهم قواعد الأحوال الشخصية العبرية المغربية.”
العلاقات التي يكون أحد طرفيها مغربيا تسمى زواجا مختلطا، مع احترام المادة 39 التي نصت على أن من بين الموانع المؤقتة للزواج زواج المسلمة بغير المسلم، وزواج المسلم بغير المسلمة ما لم تكن كتابية.
كما أن اليهود المغاربة لا تطبق عليهم مدونة الأسرة ب لتسري عليهم مقتضيات الأحوال الشخصية العبرية المغربية، وهي مجموعة من الأحكام العرفية الجاري بها العمل بين اليهود المغاربة ويأخذ هذا القانون طابعا دينيا مقتبسا من الكتب الخمسة في التوراة والتعاليم الصادرة عن الأحبار المغاربة، فزواج اليهود على عكس المسلمين لا تطبق عليه مدونة الأسرة حيث يشرف عليه العدول العبريين “الصوفريم” مع بعض الإجراءات ككتابة العقد وتحديد المهر وواجبات الزوجين وشهادة شاهدين يهوديين والصداق من أركان الزواج عند اليهود، يسجل العقد بالمحكمة الابتدائية وفق التقويم العبري والهجري والميلادي.
📗 خلاصة الباب
- الأسرة هي الخلية الأساسية للمجتمع، وتعرَّف قانونيا بأنها مجموعة أشخاص يربط بينهم الزواج أو البنوة أو الأبوة أو القرابة الناتجة عنهما.
- قبل الاستقلال حكمت أحكام الزواج قواعد الفقه المالكي، وبعده صدرت مدونة الأحوال الشخصية (1957-1958)، ثم عُوِّضت سنة 2004 بمدونة الأسرة (القانون 70.03) إثر لجنة ملكية استجابت لمطالب مذكرة 1 مليون توقيع.
- مدونة الأسرة استقت مصادرها من الشريعة الإسلامية والمذهب المالكي كفقه تأويل واجتهاد، مع مراعاة الالتزامات الدولية للمغرب والمساواة بين الزوجين في تدبير شؤون الأسرة.
اترك تعليقاً