📖 نظرية الالتزام — الفصل 5 من 9 — فهرس الكتاب
بيّنا في الباب السابق أن للعقد أركاناً ثلاثة أساسية هي الرضا والمحل والسبب، وأشرنا إشارة عابرة إلى شروط كل ركن منها. ونخصّص هذا الباب لتفصيل هذه الشروط فصلاً فصلاً، لأنها هي المعيار الذي يُميَّز به العقد الصحيح من العقد الباطل أو القابل للإبطال، وهي محلّ أغلب المنازعات التي تُعرض على القضاء في هذا الميدان.
الفصل الأول : الأهلية
أولا : تعريف الأهلية ومصدرها
الأهلية هي صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمُّل الالتزامات (أهلية الوجوب)، وصلاحيته لمباشرة التصرفات القانونية بنفسه على وجه يعتدّ به القانون (أهلية الأداء). وقد أحال المشرع المغربي في شأن الأهلية المدنية للفرد على قانون الأحوال الشخصية للشخص، فنصّ في الفصل 3 من قانون الالتزامات والعقود على أن «الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية. وكل شخص أهل للإلزام والالتزام ما لم يصرح قانون أحواله الشخصية بغير ذلك».
ومقتضى هذه الإحالة أن الأهلية ليست موضوعاً مستقلاً بذاته في قانون الالتزامات والعقود، بل الأصل فيها أن كل شخص أهل للتعاقد، والاستثناء هو ما يقرره قانون الأحوال الشخصية — ويقصد به اليوم مدونة الأسرة بالنسبة للمغاربة المسلمين، والنصوص الخاصة بغير المسلمين والأجانب فيما يخصّهم.
وقد حدَّدت المادة 209 من مدونة الأسرة سنّ الرشد القانوني في «ثماني عشرة سنة شمسية كاملة». فمن بلغ هذه السنّ متمتعاً بقواه العقلية كان كامل الأهلية، ومن لم يبلغها أو بلغها وهو مصاب بعارض من عوارض الأهلية كان ناقص الأهلية أو عديمها بحسب الأحوال.
وقد بيّنت المادة 213 من مدونة الأسرة طوائف ناقصي أهلية الأداء فنصّت على أنه «يعتبر ناقص أهلية الأداء: 1 – الصغير الذي بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد؛ 2 – السفيه؛ 3 – المعتوه».
ثانيا : النيابة الشرعية عن ناقص الأهلية
بيّنت المادة 229 من مدونة الأسرة أن «النيابة الشرعية عن القاصر إما ولاية أو وصاية أو تقديم»، وفصّلت المادة 230 من نفس المدونة صور النائب الشرعي فقالت : «يقصد بالنائب الشرعي : 1 – الولي وهو الأب والأم والقاضي؛ 2 – الوصي وهو وصي الأب أو وصي الأم؛ 3 – المقدَّم وهو الذي يعينه القضاء».
وقد رتّب قانون الالتزامات والعقود على تعاقد القاصر أو ناقص الأهلية بغير إذن نائبه الشرعي جزاءً خاصاً، إذ نصّ الفصل 4 على أنه «إذا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدَّم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها، ولهما أن يطلبا إبطالها وفقا للشروط المقررة بمقتضى هذا الظهير. غير أنه يجوز تصحيح الالتزامات الناشئة عن تعهدات القاصر أو ناقص الأهلية، إذا وافق الأب أو الوصي أو المقدَّم على تصرف القاصر أو ناقص الأهلية، ويجب أن تصدر الموافقة على الشكل الذي يقتضيه القانون».
فجزاء تعاقد ناقص الأهلية بغير إذن هو البطلان النسبي لا البطلان المطلق : العقد قائم منتج لآثاره ما لم يطلب إبطاله من تقرر البطلان لمصلحته، وهو النائب الشرعي أو القاصر نفسه بعد بلوغه الرشد، ويقبل التصحيح بالإجازة.
ثالثا : الاستثناءات الواردة على قاعدة عدم إلزام ناقص الأهلية
لم يجعل المشرع من نقص الأهلية سبباً مطلقاً للتحلل من كل التزام، بل أورد عليه استثناءات ثلاثة تحقيقاً للتوازن بين حماية القاصر واستقرار المعاملات :
1) التصرفات النافعة نفعاً محضاً. نصّ الفصل 5 على أنه «يجوز للقاصر ولناقص الأهلية أن يجلبا لنفسهما نفعا ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدَّم، بمعنى أنه يجوز لهما أن يقبلا الهبة أو أي تبرع آخر من شأنه أن يثريهما أو يبرئهما من التزام دون أن يحملهما أي تكليف». فالتصرف الذي لا يحتمل إلا النفع المحض لناقص الأهلية يصحّ منه دون حاجة إلى إذن.
2) الإثراء في حدود ما عاد عليه من نفع. نصّ الفصل 9 على أن «القاصر وناقص الأهلية يلتزمان دائما، بسبب تنفيذ الطرف الآخر التزامه، وذلك في حدود النفع الذي يستخلصانه من هذا التنفيذ. ويكون هناك نفع إذا أنفق ناقص الأهلية الشيء الذي تسلمه في المصروفات الضرورية أو النافعة، أو إذا كان هذا الشيء لا يزال موجودا في ماله».
3) القاصر المأذون له بالتجارة. إذا أذنت السلطة المختصة للقاصر بتعاطي التجارة والصناعة، فإنه لا يسوغ له طلب إبطال التعهدات التي أبرمها في حدود هذا الإذن (الفصل 7)، ويجوز إلغاء هذا الإذن بإذن المحكمة عند توفر أسباب خطيرة تبرره، دون أن يمسّ الإلغاء الصفقات التي شرع فيها القاصر قبله (الفصل 8).
وقد قرّر الفصل 10 قاعدة تكميلية مهمة لحماية استقرار المعاملات، هي أنه «لا يجوز للمتعاقد الذي كان أهلا للالتزام أن يحتج بنقص أهلية الطرف الذي تعاقد معه» — فالدفع بنقص الأهلية حقّ يقتصر على ناقص الأهلية ونائبه، لا يجوز للمتعاقد الكامل الأهلية أن يتذرّع به ليتحلل من التزامه.
رابعا : الإذن القضائي في التصرف بأموال ناقص الأهلية
بيَّن الفصل 11 أن من يتولى إدارة أموال القاصر أو ناقص الأهلية — الأب أو الوصي أو المقدَّم أو كل من يعينه القانون — لا يجوز له إجراء أي عمل من أعمال التصرف على هذه الأموال إلا بعد الحصول على إذن خاص من القاضي المختص، ولا يُمنح هذا الإذن إلا في حالة الضرورة أو النفع البيّن لناقص الأهلية. ويدخل في معنى أعمال التصرف بمقتضى هذا الفصل : «البيع والمعاوضة والكراء لمدة تزيد على ثلاث سنوات والشركة والقسمة وإبرام الرهن الحيازي والرهن بدون حيازة والرهن الرسمي وغير ذلك من الأعمال التي يحددها القانون صراحة».
فالتمييز الجوهري هنا هو بين أعمال الإدارة التي يباشرها النائب الشرعي بمفرده لأنها لا تخرج مال القاصر عن ملكه ولا تعرّضه لخطر جسيم، وأعمال التصرف التي تستوجب إذناً قضائياً مسبقاً لخطورتها على ذمة القاصر المالية.
الفصل الثاني : التراضي — تكوين العقد بالإيجاب والقبول
أولا : الإيجاب
الإيجاب هو التعبير البات عن إرادة شخص في إبرام عقد معيّن بشروط محددة، بحيث لا يبقى لتمام العقد إلا صدور قبول مطابق له من الطرف الآخر.
حالة الإيجاب الموجَّه لشخص حاضر. ميّز المشرع بين الإيجاب الموجَّه لحاضر والإيجاب الموجَّه لغائب من حيث زمن سريانه. فنصّ الفصل 23 على أن «الإيجاب الموجَّه لشخص حاضر، من غير تحديد ميعاد، يعتبر كأن لم يكن إذا لم يُقبل على الفور من الطرف الآخر. ويسري هذا الحكم على الإيجاب المقدَّم من شخص إلى آخر بطريق التليفون». فالإيجاب بين حاضرين — أو بما يعادل الحضور كالمخاطبة الهاتفية — يسقط بمجرد عدم القبول الفوري، ما لم يُحدَّد له أجل صراحة.
حالة الإيجاب المقترن بأجل. نصّ الفصل 29 على أن «من تقدَّم بإيجاب مع تحديد أجل للقبول بقي ملتزما تجاه الطرف الآخر إلى انصرام هذا الأجل، ويتحلل من إيجابه إذا لم يصله رد بالقبول خلال الأجل المحدد».
حالة الإيجاب الموجَّه لغائب بلا أجل. نصّ الفصل 30 على أن «من تقدَّم بإيجاب عن طريق المراسلة من غير أن يحدد أجلا، بقي ملتزما به إلى الوقت المناسب لوصول رد المرسَل إليه داخل أجل معقول، ما لم يظهر بوضوح من الإيجاب عكس ذلك».
الرجوع في الإيجاب. الأصل أن الموجب يبقى حراً في الرجوع عن إيجابه ما دام العقد لم يتمّ، إذ نصّ الفصل 26 على أنه «يجوز الرجوع في الإيجاب ما دام العقد لم يتم بالقبول أو بالشروع في تنفيذه من الطرف الآخر». فمجرد الشروع في التنفيذ من الطرف الآخر — كتسليم جزء من الثمن أو البدء في تنفيذ الخدمة المطلوبة — يمنع الموجب من الرجوع في إيجابه، ولو لم يصدر قبول صريح بعد.
ثانيا : القبول
القبول هو التعبير البات عن إرادة الطرف الآخر في الأخذ بالإيجاب كما صدر، دون زيادة أو نقصان أو تعديل.
شرط المطابقة. نصّ الفصل 28 على أنه «يعتبر الرد مطابقا للإيجاب إذا اكتفى المجيب بقوله قبلت أو نفذ العقد بدون تحفظ». فالمطابقة التامة بين الإيجاب والقبول شرط جوهري لانعقاد العقد.
الرد المتضمن تعديلاً يُعدّ إيجاباً جديداً. نصّ الفصل 27 على أن «الرد المعلَّق على شرط أو المتضمن لقيد يعتبر بمثابة رفض للإيجاب يتضمن إيجابا جديدا». فإذا ردّ من وُجّه إليه الإيجاب بقبوله مع إدخال تعديل — ولو يسيراً — على شروطه، انقلب الأمر : فما كان قبولاً صار إيجاباً جديداً يحتاج بدوره إلى قبول من الموجب الأول ليتم العقد.
ثالثا : المزايدة والاشتراط لمصلحة الغير
المزايدة. نصّ الفصل 32 على أن «إقامة المزايدة تعتبر دعوة للتعاقد، وتعتبر المزايدة مقبولة ممن يعرض الثمن الأخير، ويلتزم هذا العارض بعرضه إذا قبل البائع الثمن المعروض». فالإعلان عن المزايدة ليس إيجاباً ملزماً في ذاته، بل دعوة لتلقي عروض يختار من بينها البائع.
الاشتراط لمصلحة الغير. الأصل أن لا يحق للشخص أن يلزم غيره ولا أن يشترط لصالح غيره، إلا بمقتضى نيابة قانونية أو اتفاقية (الفصل 33). إلا أن المشرع أورد على هذا الأصل استثناءً مهماً في الفصل 34، فأجاز «الاشتراط لمصلحة الغير ولو لم يعيَّن إذا كان ذلك سببا لاتفاق أبرمه معاوضة المشترط نفسه أو سببا لتبرع لمنفعة الواعد». وفي هذه الحالة ينتج الاشتراط أثره مباشرة لمصلحة الغير، فيكون له الحق في أن يطلب باسمه من الواعد تنفيذه، ما لم يمنعه العقد من ذلك أو يعلِّق مباشرة الدعوى على شروط معينة. ويُعتبر الاشتراط كأن لم يكن إذا رفض الغير المستفيد قبوله وأبلغ الواعد بهذا الرفض.
ومن التطبيقات العملية الشائعة للاشتراط لمصلحة الغير في القانون المغربي عقود التأمين على الحياة لمصلحة مستفيد معيّن غير المؤمَّن له نفسه.
الفصل الثالث : عيوب الرضا
لا يكفي لصحة العقد أن يقترن الإيجاب بالقبول، بل يجب فوق ذلك أن يكون هذا التراضي صادراً عن إرادة سليمة خالية من كل ما يُفسدها. وقد حصر الفصل 39 من قانون الالتزامات والعقود عيوب الرضا في ثلاثة، فنصّ على أن «يكون قابلا للإبطال الرضى الصادر عن غلط، أو الناتج عن تدليس، أو المنتزع بإكراه»، ثم أضاف الفقه والقضاء إليها الغَبْن في الحدود التي رسمها المشرع.
أولا : الغلط
الغلط هو وهم يقوم في ذهن أحد المتعاقدين فيتصوّر الأمر على خلاف الحقيقة، فيبني رضاه على هذا التصوّر الخاطئ.
غلط القانون. نصّ الفصل 40 على أن «الغلط في القانون يخول إبطال الالتزام : 1 – إذا كان هو السبب الوحيد أو الأساسي؛ 2 – إذا أمكن العذر عنه». فخلافاً للقاعدة العامة القاضية بأن لا يُعذر أحد بجهله القانون، أجاز المشرع الاعتداد بالغلط في القانون كعيب من عيوب الرضا متى توافر فيه هذان الشرطان معاً.
الغلط الجوهري في الشيء. نصّ الفصل 41 على أن «يخول الغلط الإبطال، إذا وقع في ذات الشيء أو في نوعه أو في صفة فيه كانت هي السبب الدافع إلى الرضى». فالغلط الذي يخول الإبطال هو الغلط الجوهري الذي لولاه لما تعاقد الطرف الواقع في الغلط.
الغلط في شخص المتعاقد. الأصل أن شخصية المتعاقد لا اعتبار لها في عقود المعاوضة، إلا أن الفصل 42 استثنى الحالة التي تكون فيها هذه الشخصية أو صفتها «أحد الأسباب الدافعة إلى صدور الرضى من المتعاقد الآخر» — وهو ما يتحقق غالباً في عقود التبرع كما بيّنا سابقاً.
سلطة القاضي التقديرية. أوكل الفصل 44 إلى القضاة تقدير الغلط أو الجهل، سواء تعلّق بالقانون أم بالواقع، مراعين في ذلك «ظروف الحال، وسنّ الأشخاص وحالتهم وكونهم ذكورا أو إناثا».
ثانيا : التدليس
التدليس هو استعمال طرق احتيالية تدفع المتعاقد إلى التعاقد على غير ما كان سيرتضيه لو علم الحقيقة.
نصّ الفصل 52 على أن «التدليس يخول الإبطال، إذا كان ما لجأ إليه من الحيل أو الكتمان أحد المتعاقدين أو نائبه أو شخص آخر يعمل بالتواطؤ معه قد بلغت في طبيعتها حدا بحيث لولاها لما تعاقد الطرف الآخر». ويُلاحظ أن المشرع سوّى بين التدليس الصادر من أحد المتعاقدين نفسه والتدليس الذي يباشره الغير، بشرط علم من استفاد منه به.
وميّز الفصل 53 بين نوعين من التدليس بحسب أثره : التدليس الدافع إلى التعاقد الذي يخول الإبطال، والتدليس الواقع على مجرد توابع الالتزام «من غير أن يدفع إلى التحمل به»، فهذا الأخير لا يمنح إلا الحق في التعويض دون إبطال العقد.
ثالثا : الإكراه
عرّف المشرع الإكراه بأنه «إجبار يباشر من غير أن يسمح به القانون يحمل بواسطته شخص شخصا آخر على أن يعمل عملا بدون رضاه». وحدّد الفصل 47 شروط اعتداد الإكراه سبباً للإبطال، فلا يخوّل الإبطال إلا «إذا كان هو السبب الدافع إليه، وإذا قام على وقائع من طبيعتها أن تحدث لمن وقعت عليه إما ألما جسميا أو اضطرابا نفسيا أو الخوف من تعريض نفسه أو شرفه أو أمواله لضرر كبير»، مع مراعاة السنّ والجنس وحالة الأشخاص ودرجة تأثرهم.
وميّز المشرع بين الإكراه الحقيقي وما يُعرف بالخوف الأدبي الناشئ عن الاحترام، إذ نصّ الفصل 51 على أن «الخوف الناشئ عن الاحترام لا يخول الإبطال، إلا إذا انضمت إليه تهديدات جسيمة أو أفعال مادية». فمجرد الهيبة أو الاحترام الذي يكنّه شخص لآخر — كاحترام الابن لأبيه أو الموظف لرئيسه — لا يكفي وحده لتخويل الإبطال، بل لا بد من تهديد جسيم فعلي يقترن به.
رابعا : الغَبْن
الغَبْن هو اختلال جسيم بين ما يأخذه المتعاقد وما يعطيه، ولم يجعله المشرع المغربي — خلافاً لبعض التشريعات — عيباً عاماً في كل العقود، بل قيّده بشروط صارمة.
نصّ الفصل 55 على أن «الغَبْن لا يخول الإبطال إلا إذا نتج عن تدليس الطرف الآخر أو نائبه أو الشخص الذي تعامل من أجله»، وهو ما يعني أن الغَبْن في الأصل ليس عيباً مستقلاً بذاته بالنسبة لكامل الأهلية، وإنما يُردّ إلى التدليس. غير أن الفصل 56 أورد استثناءً مهماً لحماية القاصر وناقص الأهلية، فنصّ على أن «الغَبْن يخول الإبطال إذا كان الطرف المغبون قاصرا أو ناقص الأهلية، ولو تعاقد بمعونة وصيه أو مساعده القضائي وفقا للأوضاع التي يحددها القانون، ولو لم يكن ثمة تدليس من الطرف الآخر». وحدّد الفصل نفسه معيار الغَبْن الموجب للإبطال بأنه «كل فرق يزيد على الثلث بين الثمن المذكور في العقد والقيمة الحقيقية للشيء».
فتلخيصاً لموقف المشرع من الغَبْن : لا اعتداد به بالنسبة لكامل الأهلية إلا إذا اقترن بتدليس، أما بالنسبة لناقص الأهلية فيكفي وحده لتخويل الإبطال متى تجاوز ثلث القيمة الحقيقية للشيء.
الفصل الرابع : المحل والسبب
أولا : محل الالتزام
بيّنا سابقاً أن محل الالتزام هو ما التزم المدين بأدائه، إعطاءً أو عملاً أو امتناعاً عن عمل. ويشترط القانون في هذا المحل شروطاً ثلاثة :
أن يكون ممكناً. نصّ الفصل 59 على أنه «يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئا أو عملا مستحيلا، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون». فالاستحالة المطلقة — التي لا يقدر عليها أحد لا المدين ولا غيره — تجعل الالتزام باطلاً منذ نشوئه، بخلاف الاستحالة النسبية التي تخصّ المدين وحده فلا تمنع انعقاد الالتزام.
أن يكون معيَّناً أو قابلاً للتعيين. نصّ الفصل 58 على أن «الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى نوعه، ويسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد».
أن يكون داخلاً في دائرة التعامل. نصّ الفصل 57 على أن «الأشياء والأفعال والحقوق المعنوية الداخلة في دائرة التعامل تصلح وحدها لأن تكون محلا للالتزام، ويدخل في دائرة التعامل جميع الأشياء التي لا يحرم القانون صراحة التعامل بشأنها». فالأشياء التي حظر المشرع التعامل فيها — كأعضاء جسم الإنسان أو المخدرات المحظورة أو المال العام — لا يصح أن تكون محلاً لالتزام.
ثانيا : سبب الالتزام
يُقصد بالسبب هنا الغرض المباشر الذي من أجله التزم المتعاقد، لا الباعث النفسي البعيد الذي قد يختلف من شخص لآخر في العقد الواحد. وقد اشترط المشرع في السبب شرطين :
أن يكون موجوداً. نصّ الفصل 62 على أن «الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن». وقد قرّر الفصل 63 قرينة قانونية تيسّر الإثبات، إذ نصّ على أنه «يُفترض في كل التزام أن له سببا حقيقيا ومشروعا ولو لم يُذكر» — فعبء إثبات انعدام السبب يقع على من يدّعي ذلك.
أن يكون مشروعاً. أوضح الفصل 62 نفسه معيار عدم المشروعية، فنصّ على أن «يكون السبب غير مشروع إذا كان مخالفا للأخلاق الحميدة أو للنظام العام أو للقانون». فالسبب غير المشروع يبطل الالتزام كلياً، ولو كان محله في ذاته مشروعاً — كمن يقترض مالاً بسبب دافعه تمويل نشاط محظور قانوناً، فالقرض في ذاته عقد مشروع، لكن سببه الحقيقي غير مشروع فيبطل الالتزام بأكمله.
الفصل الخامس : جزاء تخلف شروط الصحة — نظرية البطلان
بعد أن فصّلنا في هذا الباب شروط صحة العقد الأربعة — الأهلية، والتراضي، والمحل، والسبب — يبقى أن نبيّن الجزاء المترتب على تخلف أحدها، وهو البطلان. وقد ميّز قانون الالتزامات والعقود، وإن لم يستعمل دائماً مصطلحي «البطلان المطلق» و«البطلان النسبي» صراحة، بين درجتين من البطلان بحسب جسامة العيب الذي أصاب العقد.
أولا : البطلان الواقع بقوة القانون
نصّ الفصل 306 على أن «الالتزام الباطل بقوة القانون لا يمكن أن ينتج أي أثر، إلا استرداد ما دُفع بغير حق تنفيذاً له»، وحدَّد حالتيه : «1 – إذا كان ينقصه أحد الأركان اللازمة لقيامه؛ 2 – إذا قرر القانون في حالة خاصة بطلانه». فهذا هو ما يقابل البطلان المطلق في الاصطلاح الفقهي : عقد لم تكتمل أركانه الأساسية (كانعدام المحل أو انعدام السبب أو عدم مشروعيته)، فلا ينتج أي أثر منذ نشوئه، ولكل ذي مصلحة أن يتمسك به، ولا يقبل التصحيح بالإجازة.
أثر البطلان على أجزاء العقد. بيّن الفصل 308 حكم البطلان الجزئي، فنصّ على أن «بطلان جزء من الالتزام يبطل الالتزام في مجموعه، إلا إذا أمكن لهذا الالتزام أن يبقى قائماً بدون الجزء الذي لحقه البطلان، وفي هذه الحالة الأخيرة يبقى الالتزام قائماً باعتباره عقداً متميزاً عن العقد الأصلي». كما ميّز الفصل 307 بين بطلان الالتزام الأصلي وبطلان الالتزام التابع : فبطلان الأصلي يُسقط التابع ما لم يظهر العكس من القانون أو من طبيعة الالتزام التابع، أما بطلان التابع فلا يُسقط الأصلي.
ثانيا : البطلان الموقوف على طلب صاحب المصلحة (الإبطال)
وهو ما يقابل البطلان النسبي، ويكون في الحالات التي أراد فيها المشرع حماية طرف معيّن في العقد لا النظام العام برمّته. وقد حصر الفصل 311 حالاته الأساسية في هذا الظهير بقوله : «يكون لدعوى الإبطال محل في الحالات المنصوص عليها في الفصول 4 و39 و55 و56 من هذا الظهير، وفي الحالات الأخرى التي يحددها القانون». وهذه الفصول هي بعينها ما درسناه في هذا الباب :
• الفصل 4 : تعاقد القاصر أو ناقص الأهلية بغير إذن (حماية ناقص الأهلية).
• الفصل 39 : عيوب الرضا الثلاثة — الغلط والتدليس والإكراه (حماية سلامة الإرادة).
• الفصلان 55 و56 : الغَبْن في حق القاصر (حماية ناقص الأهلية من الاستغلال).
فيتّضح من هذا الحصر أن معيار التمييز بين النوعين هو الغاية من القاعدة المخالَفة : إن كانت الغاية حماية النظام العام والآداب العامة (كمشروعية السبب أو المحل)، كان الجزاء البطلان بقوة القانون. وإن كانت الغاية حماية طرف بعينه من العقد (كناقص الأهلية أو من شابت إرادته عيب)، كان الجزاء الإبطال الموقوف على طلبه هو أو من يمثله.
ثالثا : أجل دعوى الإبطال
خصّ المشرع دعوى الإبطال — خلافاً للبطلان بقوة القانون الذي لا يسقط بالتقادم من حيث المبدأ — بأجل قصير نسبياً، إذ أتمّ الفصل 311 نصّه بقوله : «وتتقادم هذه الدعوى بسنة في كل الحالات التي لا يحدد فيها القانون أجلاً مخالفاً. ولا يكون لهذا التقادم محل إلا بين من كانوا أطرافاً في العقد».
رابعا : أثر الإبطال والإجازة
أثر الإبطال. نصّ الفصل 316 على أن «يترتب على إبطال الالتزام وجوب إعادة المتعاقدين إلى نفس ومثل الحالة التي كانا عليها وقت نشأته، والتزام كل منهما بأن يردّ للآخر كل ما أخذه منه بمقتضى أو نتيجة العقد الذي تقرر إبطاله». فالأثر رجعي كما هو الحال في البطلان بقوة القانون، مع مراعاة الحقوق المكتسبة على وجه صحيح للغير حسن النية.
الإجازة. خلافاً للبطلان بقوة القانون الذي لا يقبل التصحيح، فإن العقد القابل للإبطال يصحّ تصحيحه بالإجازة ممن تقرر الإبطال لمصلحته. نصّ الفصل 318 على أن «إذا لم تحصل الإجازة أو التصديق صراحة، يكفي أن يُنفَّذ طوعاً كلياً أو جزئياً الالتزام القابل للإبطال ممن كان على بيّنة من عيوبه» ليترتب على ذلك التنازل عن حق التمسك بالإبطال. وهذا هو بعينه ما رأيناه في الفصل 4 بشأن تصحيح تعهدات القاصر بموافقة نائبه الشرعي.
خامسا : جدول تلخيصي
| وجه المقارنة | البطلان بقوة القانون | الإبطال (البطلان النسبي) |
|---|---|---|
| سببه | تخلف ركن أساسي أو مخالفة نصّ آمر | عيب في الرضا أو نقص الأهلية |
| من له التمسك به | كل ذي مصلحة | صاحب المصلحة المحمية وحده |
| التصحيح | لا يقبل الإجازة | يقبل الإجازة والتنازل الضمني |
| التقادم | لا يسقط الحق في التمسك به من حيث المبدأ | يتقادم بسنة واحدة (الفصل 311) |
| مثال | عقد سببه مخالف للنظام العام | عقد أبرمه قاصر بغير إذن |
📗 خلاصة الباب
- ● الأهلية شرط لصحة العقد وتُستمد أحكامها من مدونة الأسرة (سن الرشد 18 سنة)، وتعاقد ناقص الأهلية بغير إذن نائبه الشرعي يوجب البطلان النسبي لا المطلق.
- ● التراضي يتم بتطابق الإيجاب والقبول، وقد يشوبه أحد عيوب الرضا الأربعة: الغلط، التدليس، الإكراه، أو الغبن (المقترن بتدليس أو في حق ناقص الأهلية).
- ● يشترط في محل الالتزام أن يكون ممكنا ومعينا وداخلا في دائرة التعامل، وفي سببه أن يكون موجودا ومشروعا غير مخالف للنظام العام والآداب.
- ● جزاء تخلف أحد شروط الصحة هو البطلان: بطلان بقوة القانون عند تخلف ركن أساسي أو مخالفة النظام العام، أو الإبطال النسبي لحماية طرف معين، وتتقادم دعوى الإبطال بسنة واحدة.
◀ الفصل السابق: الباب الثاني : نظرية العقد بوجه عام
الفصل التالي: الباب الرابع : تنفيذ الالتزام وآثاره ▶
اترك تعليقاً