فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب السادس : مدخل إلى المسؤولية التقصيرية

📖 نظرية الالتزام — الفصل 8 من 9 — فهرس الكتاب

بيّنا في الباب الأول أن مصادر الالتزام تشمل، إلى جانب الاتفاقات وأشباه العقود، الجرائم وأشباه الجرائم — وهي ما يُصطلح على تسميته اليوم بالمسؤولية التقصيرية أو المسؤولية عن الفعل الضار، تمييزاً لها عن المسؤولية العقدية التي مصدرها إخلال بالتزام تعاقدي سابق. ونعرض في هذا الباب لأساسها وأركانها وأهم صورها بحسب قانون الالتزامات والعقود.

الفصل الأول : أساس المسؤولية التقصيرية

قرّر المشرع المغربي أساس المسؤولية التقصيرية في فصلين متتاليين متكاملين. نصّ الفصل 77 على أن «كل فعل ارتكبه الإنسان عن بيّنة واختيار، ومن غير أن يسمح له به القانون، فأحدث ضرراً مادياً أو معنوياً للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر، إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر». وأتبعه الفصل 78 بقوله : «كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضاً، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر»، وعرّف الفصل نفسه الخطأ بأنه «ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر».

فالمشرع المغربي إذن يميّز بين صورتين للمسؤولية التقصيرية : مسؤولية عن الفعل العمدي (الفصل 77) الذي يقترن بقصد الإضرار، ومسؤولية عن الخطأ غير العمدي (الفصل 78) الذي لا يشترط فيه هذا القصد بل يكفي فيه الإهمال أو عدم التبصّر. ويشترك الحكمان في أن التعويض لا يُستحق إلا إذا كان الفعل أو الخطأ هو السبب المباشر في وقوع الضرر — وهو ما يُعرف بركن العلاقة السببية. وقد قرّر الفصلان معاً بطلان كل شرط يخالف قاعدة المسؤولية عن الفعل الضار، تحصيناً لهذه القاعدة من محاولات الإعفاء المسبق منها.

فأركان المسؤولية التقصيرية بحسب هذين الفصلين ثلاثة : الخطأ (فعلاً كان أو تركاً، عمدياً أو غير عمدي)، والضرر (مادياً كان أو معنوياً)، والعلاقة السببية المباشرة بينهما.

الفصل الثاني : مسؤولية الدولة والجماعات الترابية

لم يقتصر المشرع على تقرير مسؤولية الأفراد، بل مدّ قاعدة المسؤولية إلى أشخاص القانون العام، فنصّ الفصل 79 على أن «الدولة والبلديات مسؤولة عن الأضرار الناتجة مباشرة عن تسيير إدارتها وعن الأخطاء المصلحية لمستخدميها». فتقوم مسؤولية الدولة والجماعات الترابية — وقد حلّت الجماعات الترابية اليوم محل البلديات في التنظيم اللاحق — عن نوعين من الأخطاء : خطأ المرفق ذاته في تسييره، وخطأ موظفيها المصلحي أثناء أداء وظائفهم.

ومن التطبيقات الخاصة لهذا الأصل ما نصّ عليه الفصل 85 مكرر بشأن مسؤولية معلمي التعليم العمومي وموظفي الشبيبة والرياضة عن الأضرار الحاصلة من الأطفال والشبان الموجودين تحت رقابتهم، حيث تحلّ مسؤولية الدولة محل مسؤولية هؤلاء الموظفين، ولا تجوز مقاضاتهم شخصياً أمام المحاكم المدنية من طرف المتضرر.

الفصل الثالث : المسؤولية عن فعل الأشياء

إلى جانب المسؤولية عن الفعل الشخصي، أقرّ المشرع المغربي مسؤولية عن الأضرار التي تسببها الأشياء التي في حراسة الشخص، فنصّ الفصل 88 على أن «كل شخص يسأل عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبيّن أن هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر». وهذه مسؤولية مبنية على قرينة الخطأ لا على الخطأ المُثبَت، إذ يكفي المتضرر إثبات أن الشيء في حراسة المدعى عليه وأنه السبب المباشر للضرر، دون حاجة إلى إثبات خطأ محدد صادر عن الحارس.

غير أن هذه المسؤولية ليست مطلقة، فقد أجاز الفصل نفسه للحارس أن ينفيها بإثبات أحد أمرين : أنه فعل ما كان ضرورياً لمنع الضرر، أو أن الضرر يرجع إلى حادث فجائي أو قوة قاهرة أو خطأ المتضرر نفسه.

الفصل الرابع : المنافسة غير المشروعة

أدرج المشرع المنافسة غير المشروعة ضمن صور الفعل الضار الموجب للتعويض، فنصّ الفصل 84 على أن التعويض قد يترتب على الوقائع التي تكون منافسة غير مشروعة، ومثّل لذلك بـ«استعمال اسم أو علامة تجارية تماثل تقريباً ما هو ثابت قانوناً لمؤسسة أو مصنع معروف من قبل، أو لبلد يتمتع بشهرة عامة، وذلك بكيفية من شأنها أن تجرّ الجمهور إلى الغلط في شخصية الصانع أو في مصدر المنتوج».

الفصل الخامس : أسباب انتفاء المسؤولية

نصّ الفصل 95 على أنه «لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي، أو إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه»، وعرّف حالة الدفاع الشرعي بأنها «تلك التي يُجبر فيها الشخص على العمل لدفع اعتداء حال غير مشروع موجَّه لنفسه أو لماله أو لنفس الغير أو ماله».

فالمشرع يقرّ سببين لانتفاء المسؤولية رغم وقوع الضرر : الدفاع الشرعي الذي يُشرعن الفعل المُحدث للضرر متى توافرت شروطه، والسبب الأجنبي (الحادث الفجائي أو القوة القاهرة) الذي ينفي العلاقة السببية بين فعل المدعى عليه والضرر.

الفصل السادس : أهلية التمييز في المسؤولية التقصيرية

تختلف أهلية المسؤولية التقصيرية عن أهلية التعاقد التي عرضنا لها في الباب الثالث، إذ العبرة فيها بالتمييز لا ببلوغ سنّ معينة. نصّ الفصل 96 على أن «القاصر عديم التمييز لا يسأل مدنياً عن الضرر الحاصل بفعله»، وطبّق الحكم نفسه على «فاقد العقل، بالنسبة إلى الأفعال الحاصلة في حالة جنونه». في المقابل، «يسأل القاصر عن الضرر الحاصل بفعله، إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله».

فالمعيار إذن هو قدرة الشخص الفعلية على إدراك نتائج فعله وقت وقوعه، لا سنّه القانونية — وهو ما يفسّر إمكان مساءلة قاصر لم يبلغ سنّ الرشد مدنياً عن فعله الضار، خلافاً لما رأيناه في نظرية الأهلية التعاقدية حيث العبرة ببلوغ سنّ الرشد المحددة قانوناً.

📗 خلاصة الباب

  • ● أسس المشرع المغربي المسؤولية التقصيرية في الفصلين 77 و78 من ق.ل.ع، بالتمييز بين المسؤولية عن الفعل العمدي والمسؤولية عن الخطأ غير العمدي.
  • ● أركان المسؤولية التقصيرية ثلاثة: الخطأ (فعلا أو تركا، عمديا أو غير عمدي)، الضرر (ماديا أو معنويا)، والعلاقة السببية المباشرة بينهما.
  • ● تمتد المسؤولية إلى الدولة والجماعات الترابية عن أضرار تسيير إدارتها، وإلى المسؤولية عن فعل الأشياء الموجودة تحت حراسة الشخص.
  • ● من أسباب انتفاء المسؤولية رغم وقوع الضرر: الدفاع الشرعي والسبب الأجنبي (الحادث الفجائي أو القوة القاهرة)، وتقوم أهلية المسؤولية التقصيرية على التمييز الفعلي لا على بلوغ سن معينة.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية