فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

المسؤول المحلي والسلطة المطلقة

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 21 من 77 — فهرس الكتاب

المسؤول المحلي داخل التنظيم الذي عرفت له كامل السلطة المطلقة داخل منطقة نفوذه لا يكاد يراقبه أحد، فلا توجد أية رقابة على المسؤول المحلي ولا أية سلطة تستطيع أن توقفه عند حده إذا تجاوز حدوده التنظيمية، حتى مجلس الارشاد لا يستطيع ذلك، هذا الأمر يتناقض مع الهرمية التنظيمية الصارمة عند التنظيم الاسلامي وتسلسل الأوامر من المجالس الفوقية إلى نظيرتها التحتية التي تقتضي أن يكون المسؤول المحلي تحت السلطة الفعلية للمسؤولين في القيادة، بمعنى أن الدكتاتورية التنظيمية لا رقابة عليها، بعبارة أبسط فالمسؤول التنظيمي يستطيع أن يحتفظ بمكانته التنظيمية كاملة إذا نفذ الأوامر، فما يعني القيادة هو تنفيذ أوامرها، وافعل بعد ذلك في عباد الله الذين تحتك ما تشاء أيها المسؤول المحلي.

ونتيجة لذلك فالمسؤول المحلي له من الصلاحيات ما لا يعد ولا يحصى، فهو في حل من أمره ويستطيع أن يطحن تنظيميا واجتماعيا أي عضو في الجماعة بكامل الحرية دون أن يتدخل مسؤول فوقي للإنصاف، كما يستطيع المسؤول المحلي أن ينشط مذهبيا ويتدخل في حياة الاعضاء الشخصية ويستغل منصبه التنظيمي في كثير من الأمور الاجتماعية دون رقابة ولا وصاية من الأجهزة العليا للتنظيم التي لا تتدخل بتاتا ما دام المسؤول يرفع التقارير ويجمع الواجب المالي وينفذ الاوامر ويبلغ الاخبارات ويوجه الرأي الداخلي الوجهة المطلوبة فوقيا.

لمزيد من تقريب الفهم هي حالة أشبه بالدكتاتورية السياسية في الدول المتخلفة، حيث يجلس الطاغوت على كرسي الحكم ثم يُنصب زبانية في مقاطعات الدولة، يقطع الطاغوت التنظيمي الكبير رقاب المسؤولين فقط إذا خالفوه، لكنه يعطيهم سلطة مطلقة في طحن الناس كثمن لركوعهم له، فيصبح لدينا نظام دكتاتوري متكون من ثنائية مُتحكمة، رأس طاغوتي كبير يتحكم في التنظيم ككل ومسؤول محلي بصغير بسلطة مطلقة في منطقة نفوذه.

هذه التركيبة التنظيمية الفاسدة لا تستقيم التربية معها ولا العدل ولا الاحسان، ولا الزحف يسير ولا الدعوة تنتشر ولا الكلمة تُسمع، تركيبة ترسخ مسؤولين في نفس المنطقة الجغرافية لعشرات السنين وتنتج كثيرا من المظالم التنظيمية والاجتماعية دونما حل يذكر، فيتحصل لدينا عشرات من المظلومين والناقمين والحاقدين والمذبوحين على رصيف التنظيم والتربية مع تنظيم فاشل وأمل مفقود في أي مستقبل مُشرق للتغير السياسي المنشود.

كنت أعتقد لسنوات طويلة أن المسؤول المحلي مجرد رجل ساهر على حسن سير التنظيم في نطاق اختصاصه الجغرافي ويمكن القفز عليه في حالة تقصيره في أداء مهامه الادارية أو سوء فهمه التربوي أو في حالة ارتكابه لجرائم تنظيمية تمس قلوب الذين معه أو حالتهم الاجتماعية، لكنه كل مرة كان يتبين لي أن المسؤول المحلي دكتاتور في منطقته، فهو الآمر الناهي المشرف على كل صغيرة وكبيرة داخل منطقته ولا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال.

تحدث كثيرا مشادات تنظيمية أو تربوية أو شخصية بين بعض الاخوان والمسؤول المحلي فيتجه هؤلاء بحسن نية الى المسؤولين القطريين على صعيد القيادة لطرح الاشكال عليهم مترقبين آذانا صاغية وإنصافا ومجالس استماع وإجراءات فاعلة لكنهم يفاجأون كل مرة بأن المسؤول القطري يحيلهم على المسؤول المحلي ليفعل فيهم ما يشاء تحت لافتة تربوية بلهاء تستدعي مصطلحات السمع والطاعة والأدب مع الشيخ التنظيمي في المنطقة، لكن الاحالة إذا كانت تتم في ظاهرها تحت يافطة تربوية فإن حقيقتها ذات دلالة تنظيمية معناها السلطة المطلقة للمسؤول المحلي لاستتباب الأمن التنظيمي القطري المؤسس على الحكم المطلق للمسؤول كل في منطقته.

يبرر ذلك المسؤول القطري بأنه لا يجب تجاوز المسؤول المحلي مخافة وقوع فوضى تنظيمية، وهو كذلك إذا كان هذا الوضع التنظيمي يفقد فيه المسؤول المحلي كل احترام محلي فينهار التنظيم بما أنه لا احترام للمسؤول ولا كلمة مسموعة له داخل نطاق مسؤوليته، لكن والحالة أن المسؤول المحلي مستأسد على الجميع بسلطته المقتبسة من هذا التخوف التنظيمي فالنتيجة هي خلق طاغية محلي وبالتالي الوقوع في نفس الاشكال وهو سقوط التنظيم وانهياره بشكل أبشع من حالة التسيب التي يمكن معالجتها بما أن أغلب رجالات التنظيم يظلون ناشطين لكن بشكل متسيب داخل تنظيم مميع لا كلمة للمسؤول فيه، أضف إلى ذلك أن الظلم يخلق التسيب تماما كما يخلقه التساهل المبالغ فيه.

حالة السلطة المطلقة للمسؤول المحلي تجعل التنظيم ينهار من جهة أخرى تتمثل في مغادرة كوادر العمل المنظم بشكل صامت أو تجعلهم أعضاء غير فاعلين يسايرون المسؤول في دكتاتوريته خوفا على مركزهم التنظيمي أن يطاله سيف الفصل وعلى تربيتهم أن يطالها سيف الحرمان من المجالس وقلوبهم أن يصيبها الكدر، أما في حالات أخرى فتقع صدامات قوية تنتهي غالبا بالفصل للعناصر القوية في الحق ليبقى الطاغية المحلي مستقرا على عرشه التنظيمي، وعندما ترفع شكاية إلى مجلس الارشاد تبقى مهملة في الأدراج أو يقولون لك صراحة اذهب ومرغ وجهك في تراب المسؤول المحلي لعله يرضى عنك فيُرجعك إلى حظيرة التنظيم عبدا مطيعا.

السلطة المطلقة للمسؤول المحلي كارثة تنظيمية داخل التنظيم الاسلامي وتوشك أن تأتي على العمل الاسلامي من أساسه وتحول مسار الدعوة من مسارها النبوي الشوري إلى المسار الأموي الجبري الذي ينتهي غالبا في بحر الدماء والأحقاد والمظالم التاريخية التي لا يجبرها الزمن بسهولة.


شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية