فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

صحبة المسؤول أم صحبة المصحوب؟

📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 36 من 77 — فهرس الكتاب

من هو المسؤول ومن هو المصحوب، المسؤول هو مرتبة تنظيمية داخل التنظيم، والمصحوب هو ولي الله القائم على تربية الجماعة الطالب أهلها وجه الله، المسؤول مصحوب جُزئي مباشر، نوع من قنوات الصحبة، وولي الله مصحوب كُلي غير مباشر، فهو ينبوع الصحبة، وفوق كل ينبوع ينبوع، ولي الله بعيد بميزان الحواس لكنه أكثر قُربا بروحانيته إلى العضو من المسؤول، فقد اقتضت ضرورة التنظيم أن يبقى ولي الله بعيدا ويظل المسؤول قريبا، هذا المسؤول هو شخص غير مؤهل بتاتا للتربية، لأنه أصلا لم يُحصل التربية، إنه شخص ناقص تربويا، وربما شخص عادي بأخلاقه العامية التي يشترك فيها مع عامة البشر، بل وقد يكون أسوأهم خلقا وتربية.

بالمقابل فالمصحوب شخص كامل التربية، شخص حاز الولاية وأجازه عليها أهل الله، وبلغ من مراتب الدين ما جعله يد الله التي يبطش بها وعينه التي يبصر بها ورجله التي يمشي بها، ولو رفع يده أُجيبت فدعوته مجابة، المصحوب رجل مستجاب الدعاء لأنه حبيب الله، إنه ليس تنظيما ولا هياكل تنظيمية ولا مؤسسات ولا شركة ولا جمعية، إنه رجل يرى بنور الله ويمشي بالله ويتحرك بالله [1]، شخص حوى بين أضلعه حب الله ومعرفته، ما وسعتني السماوات والارض ووسعني قلب عبدي المؤمن، لكن هذا المصحوب في حالة الجماعة التي يُسيرها التنظيم بعيد عن الصاحب، غير موجود حسا معه، والصاحب هو عضو التنظيم الذي أعطى صفقة يده وثمرة قلبه للمصحوب.

وهنا نضع الأصبع على الاشكالية التربوية التالية: إذا كان المصحوب رجلا محاصرا محجوبا حسا عن الصاحب، أو كان غير معترف به أو غير محدد أصلا، وكانت الصحبة المباشرة متوفرة فقط في المسؤول التنظيمي وللمسؤول التنظيمي، فهل تكتمل تربية الصاحب؟

هذه الاشكالية غير مطروحة في التنظيمات التي لا تؤمن بالمصحوب وتؤمن فقط بالمؤسسات، وهي غير مطروحة أيضا بالنسبة للجماعات التربوية التي يـخالط فيها المصحوب الصاحب صباح مساء وليس لها مسؤولين تنظيميين يقطعون الطريق أمام الصاحب، فالشيخ متاح للمريد في أي وقت، يراه ويخالـله ويستشيره في مدلهمات الطريق كلما طرق باب الشيخ واستأذنه، لكنها إشكالية مطروحة بقوة على التنظيم الذي يؤمن بالمرشد كـمربي ويؤمن في آن واحد بالمسؤول التنظيمي المربي كقائم على تدبير أمور التنظيم وتربية أعضائه، فالمسؤول التنظيمي وفق هذه المدرسة بمثابة المربي لمن معه ولمن تحته، لكنه في حقيقة الأمر لا يربي أحدا، لأنه ببساطة أعجز من أن يربي نفسه على أن يربي غيره، المسؤول التنظيمي في أحسن أحواله واستواء استقامته عنصر يوصل الصحبة، قناة موصلة للمدد الذي يبثه الشيخ في الجماعة، فتشعب التنظيم وضرورة بث التربية في كل أجهزته والزحف على قلاع الظلم في آن واحد جعل التنظيم يحاول تعويض الدور التربوي للمرشد عن طريق خلق مسؤوليات تنظيمية ثم إسنادها عملية التربية، لكن هذه الاجهزة التنظيمية لا تستطيع إلغاء الدور المحوري للمرشد في العملية التربوية، بل طرحت عليها إشكالية أخرى وهي إشكالية التوفيق بين صحبة المرشد وصحبة المسؤول، هم آخر ينضاف إلى هموم التنظيم.

نشير هنا إلى أن الجمع بين الأمرين هو الأصوب في زمن يصعب فيه الاستغناء عن التنظيم، لكن التنظيم غالبا ما يفرط في المصحوب ويقدم المسؤول، التنظيم يؤمن بالملموسات أكثر من الغيبيات التي يسترزق بها لتنزيل بعض القرارات التنظيمية، والتفريط في الاصول يمنع الوصول، التفريط في الولي المرشد هو الضربة القاصمة التي تجعل التنظيمات الاسلامية مجرد هراء وخبط عشواء وخبالا حركيا وطاحونة دون دقيق.

تصور معي مجموعة من الشباب يجتمعون في تنظيم معين يؤسسونه، لديهم نوايا حسنة لا شك، برامج ومؤسسات وخطط ومجهودات تبذل، تنظيم مضبوط، برامج مضبوطة، كل شيء تمام التمام، لكنهم غير مقتنعين بالولي المرشد، إذن ينقصهم قطب الرحى، ينقصهم صاحب الفتح، ينقصهم الخيط الرابط بين الارض والسماء.

هذا التنظيم يسمى "لعب الدراري" الذي يقتنصه الشيطان الانسي والجني مع أول منعرج [2].

لو كان الأمر في مجتمع غير مسلم لكان لهذا التنظيم حظ وافر للنجاح لأن المعادلة حينها مكونة من عناصر مادية بحتة، مادة تفل المادة، والغلبة للأقوى والاذكى والأكثر إتقانا لقوانين المادة، أما والأمر في مجتمع مسلم ومعادلة يقول فيها عمر:" كنا أذل أمة فأعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله"، فالأمر ضرب من الخيال أن نتعامل بالمادة والمادة، إننا لا ننتصر على النفس ولا ننتصر على العدو إلا مع وجود ولي لله على رأس الجماعة وشريعة إلاهية تحكم ثم وجود هياكل تنظيمية ملتفة على قلب الولي، هياكل متآخية مع بعضها، ومسؤول تنظيمي أخ في الله، مُـحب محبوب، لا جنرال تنظيمي.

صُحبة الولي فلاح وصحبة المسؤول هلاك، صحبة الولي صفاء وصحبة المسؤول كدر، صحبة الولي نور وصحبة المسؤول حجاب، صحبة الولي نعيم وصحبة المسؤول عذاب، صحبة الولي غذاء للروح وصحبة المسؤول سلب للقلب والروح، صحبة أولياء الله الغذاء الكامل المكمل وصحبة المسؤولين السم المكدر الحاجب السالب، فرق كبير إذن بين الصحبتين، فالأصل في الصحبة أنها لولي الله وليست للتنظيم، صحبة التنظيم حجاب عن الله، وصحبة المرشد صحبة واصلة إلى الله، وقد سمعت غير ما مرة من سيدي محمد العلوي رحمه الله كلمة يقولها ويكررها: " الدراري ما يربيو الدراري"، بمعنى أن الاطفال لا يربون الاطفال، فمن يربي الاطفال هم الرجال، والمسؤولون التنظيميون ذراري لم يبلغوا حُلم التربية، قاصرون في قانون التربية، غير مؤهلين لتربية أنفسهم فبالأحرى تربية غيرهم، ولذلك من تعلق بهم واعتبرهم مصحوبين هلك، فالتنظيم ليس له ما يعطيه تربويا اللهم ما يحمله من قلب الولي الصالح ويفرقه على الفقراء، هذا إذا كانت قنواته واسعة موصلة ونظيفة، أما إذا كانت متسخة ضيقة حرجة فهي السم الزعاف والموت المحقق للمخنوقين في التنظيم و جبة المسؤول.

ولذلك فإن صحبة المسؤول التنظيمي في حالتها الطبيعية هي صحبة للمرشد في حقيقتها، لأن المسؤول ليس له ما يعطيه تربويا، فصحبة المسؤول رافد من روافد الصحبة لا بحرها، وبحر الصحبة روافده كثيرة، أهمها الصحبة المباشرة بالنظرة المباشرة، ثم أذكار المصحوب وأوراده، ثم موائده الايمانية، فهي مدد الشيخ وبركته وحصنه، ثم حركة الصاحب داخل الجماعة، فهي باب من أبواب الصحبة، فـالصاحب ينال من حركته داخل الجماعة وخارجها بركات المصحوب التي جعلها في ميدان الحركة، ثم ينال من دعائه وبعض نفحات الصحبة التي ينالها المسؤولون التنظيميون بصحبتهم للمرشد والحلقة الضيقة التي تحيط به، وهناك أمور أخرى لا داعي للحديث عنها أن يكفرنا أحد.

خلاصة القول أن الصحبة مصدرها المصاحبة والمخاللة والنظرة والمحبة والتعظيم والاتباع والتنفيذ لا شقشقة اللسان ومجالس البطالة والنميمة وتصدر المجالس [3]، وهي تتحقق للمقربين غالبا بنظرتهم في الولي ودخولهم عليه، ويحرم منها الاعضاء لعدم حصولهم على رتب تنظيمية وبقائهم بعيدا على الهامش.

سنعود للحديث لاحقا عن هذه الكارثة الكبيرة، وهي أن يصبح التنظيم قاطع طريق، لكننا نركز الان على التمييز بين مؤسستين تربويتين هما صحبة المرشد وصحبة المسؤول، نركز عليهما لأن التنظيم يحاول الخلط بين الصحبتين، أو بمعنى آخر يريد أن يركب على الصحبة ويقضي مآربه التنظيمية مستغلا الخلط في المفاهيم، أو لنقل إنه يريد أن يتمشيخ علينا، يريد أن ينزع المشيخة من المرشد ويؤلف القلوب حول المسؤولين، فنجد أنفسنا أمام "التنظيم الشيخ"، وهو مفهوم جديد يريد التنظيم أن يؤسس له ويريد أن ينسبه إلى المنهاج النبوي قائلا إن الصحابة عاشوا صحبة التنظيم في العهد النبوي.

التنظيم لا يدعي بالمشيخة صراحة لأنه يعرف أن مجرد ادعائها مثلبة فيه، فهو يختبئ حول مفهوم الصحبة في الجماعة ليصادر التربية ويحاصر أهلها، فيقول إننا نصحب الشيخ في التنظيم، فيكون الشيخ حيا محاصرا بالتنظيم، وميتا متمثلا في المسؤولين التنظيميين، طاعتهم من طاعته، ومحبتهم من محبته، فيصادر التنظيم التربية ويتحدث باسمها ثم يصادر الشيخ أيضا وينطق باسمه، معنى ذلك أن المصحوب لا يكون حاضرا في جميع الاحوال، فيغيب الشيخ دائما ويحضر التنظيم على الدوام، ثم يقال إن روحانية الشيخ حاضرة حصريا في التنظيم كي يسد الباب على كل جهة تريد تنافسه المشيخة، بينما في واقع الممارسة فالتنظيم يمحي صورة الشيخ نهائيا تربية وفكرا وتنظيما وسياسة، وقد كان يمحيها وهو حي فكيف لا يمحيها وهو ميت، يحاصره حيا فكيف لا يحاصره ميتا، والمنغمس في التنظيم لا يكاد يرى إلا التنظيم والمسؤول التنظيمي والمسؤوليات التنظيمية والمجالس التنظيمية والحراك السياسي، فيقع الانحراف القلبي ثم يتبعه الانحراف التربوي ثم يليه الانحراف السياسي ثم الكوارث الأخلاقية.

يعبد مسؤولو التنظيم التنظيم العجل وكذلك يفعل الإمعات التابعين ظانين منهم أن التنظيم شيخ، وهذا هو مقصد التنظيم وغايته، فهو يستحلي الطاعة العمياء التي تضمنها له عباءة المشيخة، وهذا غش، ومن غشنا فليس منا، غاية سياسية تنظيمية لا تربوية تؤكد أن التنظيم لم يكن حريصا يوما على آخرة فلان أو صلاح علان أو بلوغه مقامات الكمال، التنظيم منهمك في الحسابات التنظيمية والسياسية والمؤمنون تحت يده مجرد أرقام، بينما كان الشيخ المربي عكس ذلك حاضنا قلبيا ورجلا حريصا كل الحرص بحنان الأب على أبنائه المؤمنين، حريص على آخرتهم ودنياهم معا، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، وهكذا كان المصحوب الأكبر صلى الله عليه وسلم ومن بعده ورثته الصالحون.

صحبة ولي الله دواء وترياق وغذاء ونور وبركة ووصول، وصحبة المسؤول التنظيمي ضنك وضيق وخندقة وعذاب وانقطاع وانحراف عن القصد إذا كان المصحوب محاصرا.

كنت أود أن أناقش موضوع صحبة رجل أم صحبة تنظيم، لكن المقام لا يتسع، والأمر له هيبة خاصة، كما أن القضية سبقني إليها أخ عزيز، وقد أفاض فيها [4]، وبقي الامر متروكا للأيام كي تحسم فيه، وسنرى كيف توتي صحبة التنظيم نتاجها، وقد رأينا عربونها سابقا عندما قطعت رؤوس الكثير من الأحبة ورمي بهم خارج التنظيم بالفصل التعسفي، جلباب التنظيم ضيق لا يتسع إلا للجفاة والطائعين والمنافقين واللحاسين والمخنثين والعملاء وأصحاب النفوذ وأهل الكلام وسحرة فرعون السلطة وقارونات المال، عباءة التنظيم تضيق بالأحرار الصالحين وبالرجال الاقوياء، لا يقبل بهم التنظيم الا على مضض ما داموا صامتين ريثما تحين الفرصة المناسبة فيصفيهم.

نكاد نخلص إلى أن صحبة المسؤول التنظيمي ليس سوى صحبة أفقية بسيطة مُكملة للصحبة الاصلية الاساسية وهي الصحبة العمودية النازل مددها من ولي الله، فصحبة ولي الله هي المعول عليها، أما صحبة المسؤول ففي أحسن الأحوال تكون مساعدة ومكملة وقناة واصلة، وهي في أسوأ الاحوال خبال وفتنة وعذاب وبلاء وحجاب عن الله.


📌 الهوامش

  1. [1] عن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ: إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ: منْ عادى لي وَلِيّاً. فقدْ آذنتهُ بالْحرْب. وَمَا تقرَّبَ إِلَيَ عبْدِي بِشْيءٍ أَحبَّ إِلَيَ مِمَّا افْتَرَضْت عليْهِ: وَمَا يَزالُ عَبْدِي يتقرَّبُ إِلى بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فَإِذا أَحبَبْتُه كُنْتُ سمعهُ الَّذي يسْمعُ بِهِ، وبَصره الَّذِي يُبصِرُ بِهِ، ويدَهُ الَّتي يَبْطِش بِهَا، ورِجلَهُ الَّتِي يمْشِي بِهَا، وَإِنْ سأَلنِي أَعْطيْتَه، ولَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَّنه رواه البخاري.
  2. [2] روى الشيخان واللفظ لمسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي على الناس زمان يغزو فئام (جماعة) من الناس. فيقال لهم: فيكم من رأى رسول الله صلى عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من رأى من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم. ثم يغزو فئام من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من رأى من صحب من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم! فيفتح لهم».
  3. [3] ". . . وكان لهم على الخصوص الشُّربُ المباشر من قلبه الكريم على الله. قلوب شربت من قلب. . . . الصحبة تشرُّبٌ قلبي، وقدوة ماثلة، وتعلُّم" تنوير المؤمنات، ج2، ص337.
  4. [4] محمد العربي أبو حزم، "في الحاجة إلى صحبة رجل".

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية