لماذا تتصرف بعض الحركات السياسية في المغرب وكأنها دول مصغّرة قبل أن تصل إلى السلطة؟ ولماذا يتعامل أعضاؤها مع قياداتهم بنفس الخشوع والطاعة التي تُمنح لرئيس دولة؟ هذه المفارقة ليست وليدة اليوم، بل هي نتيجة تحوّل عميق في بنية التفكير التنظيمي، حيث ينتقل الكيان من كونه حركة تغييرية إلى كونه نظاماً بيروقراطياً يستبق الواقع بالحلم.
من الحزب إلى الدولة: التحوّل البنيوي
يلفت فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إلى ظاهرة لافتة تجمع بين التنظيمات الاشتراكية والإسلامية على حد سواء. فهو يشير إلى أن “التنظيم الحزبي الاشتراكي غالباً ما يتحول إلى نظام دولة اشتراكية بكل عناصره الحزبية، بمعنى أنه يتحول من حزب إلى دولة محافظاً على كل رجالاته وقوانينه الإدارية الداخلية”. هذا التشخيص الدقيق يكشف عن آلية نفسية وتنظيمية خطيرة: الاستباق المرضي للسلطة.
في السياق المغربي، نلاحظ كيف أن بعض الحركات السياسية، وخاصة ذات المرجعية الإيديولوجية القوية، تبني هياكل داخلية تحاكي هياكل الدولة: مكاتب تنفيذية، لجان رقابية، أنظمة محاسبة صارمة، وقيادات تُحاط بهالة من القداسة أو على الأقل الاحترام المطلق. المشكلة ليست في التنظيم بحد ذاته، بل في الروح التي تسكنه: روح الدولة قبل أن تكون هناك دولة.
حين يصبح العضو رعية
يذهب الكاتب إلى ما هو أبعد من البنية التنظيمية، ليسلط الضوء على العلاقة بين القيادة والقاعدة. يقول: “قد يحدث ذلك حتى قبل تسلم الدولة بسنوات حين يستشعر التنظيم في أحلام اليقظة أنه دولة، فيتعامل العضو داخل التنظيم مع القيادة كأنه يتعامل مع رئاسة دولة”. هنا تكمن الطامة الكبرى: تحوّل الرفيق إلى رعية، والقائد إلى حاكم، والنقاش الداخلي إلى خطر على “أمن التنظيم”.
في المغرب، عاينّا كيف أن بعض التنظيمات تمارس على أعضائها ضغوطاً نفسية ومعنوية أشد مما تمارسه الدولة نفسها على مواطنيها. المطلوب ليس الانضباط الطبيعي الذي يقتضيه العمل الجماعي، بل الطاعة العمياء. والمفارقة أن هذه التنظيمات نفسها تنتقد الاستبداد في الدولة، بينما تمارسه في دوائرها الداخلية بشكل أكثر فجاجة.
القيادة: بين الضرورة والاستبداد
لا ينكر الكاتب ضرورة القيادة في أي نظام جماعي، ويستدل بالسنة النبوية التي أمرت بتأمير أحدهم على الآخرين في السفر والجماعات الصغيرة، لكن الفرق الجوهري يكمن في الغاية: هل القيادة وسيلة لتحقيق مقصد أسمى، أم أنها غاية في حد ذاتها؟
عندما يتحول التنظيم إلى دولة افتراضية، تصبح القيادة هدفاً لا وسيلة. يصبح الحفاظ على هرم السلطة الداخلي أهم من الرسالة التي قام من أجلها التنظيم. وهنا ينتقل الهم من الإحسان – أي إتقان العمل وابتغاء معالي الأمور – إلى المصلحية الضيقة: الحفاظ على المواقع، وتوزيع المنافع، وإدارة التوازنات الداخلية.
الخروج من الوهم
التحدي الحقيقي أمام أي حركة سياسية أو اجتماعية في المغرب اليوم هو أن تبقى حركة لا أن تتحول إلى دولة مسخ. أن تحافظ على روح المبادرة والنقد الذاتي والمرونة، لا أن تتحجر في بيروقراطية تستنسخ أسوأ ما في الدولة الحديثة. التنظيم الصحي هو الذي يُعِدّ كوادره لخدمة المجتمع لا لخدمة التنظيم ذاته.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل تستطيع الحركات السياسية والاجتماعية في المغرب أن تتجاوز هذا الوهم وتعود إلى جوهرها كحركات تغيير، أم أن منطق الدولة الافتراضية سيظل يلتهم طاقاتها ويحوّلها إلى نسخ باهتة من السلطة التي تدّعي مواجهتها؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً