📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 53 من 77 — فهرس الكتاب
من أحقر الوسائل التي يستعملها المسؤول التنظيمي ليقطع رؤوس منافسيه هي العقوبات التنظيمية، حق يراد به باطل، فالعمل التنظيمي ولو داخل الهيكل الاسلامي الذي يرمي إلى إقامة الخلافة على منهاج النبوة هو ميدان صراع على الرئاسات، وبالتالي فإن المسؤول التنظيمي الذي تراه يدندن صباح مساء حول التربية والزهد والاخوة والتضحية والمحبة والبذل هو أول من يقطع رؤوس الاخوان المنافسين له على المناصب الرئاسية والهالة التربوية، فهو مستعد ليقطع جميع الرؤوس كي تبقى له وحده هالة تربوية يستفرد بها لتركيع الاخوان ومنصب رئاسي يستفرد به لإصدار الأوامر والحفاظ على مصالحه المالية والنفسية.
ما معنى الفصل في لغة التنظيم؟ معناه بكل بساطة قطع الرأس التنظيمي والتربوي للفرد، وعندما يُراد القتل بشخص يشير المسؤول على المأمور من تحته ويمرر بيده على عنقه، يعني بذلك اذبحوا فلان، تُعقد بعد ذلك اجتماعات تمهيدية شكلية لا معنى لها في ميزان الديمقراطية إلا شرعنة القتل التنظيمي وتنتهي بالفصل ورمي المعني بالأمر إلى خارج التنظيم، وبعد سنة أو سنتين أو أكثر يصبح المقتول مُتشردا على الساحة السياسة والدعوة والتربية، متخبطا بين أرجل شياطين الانس والجن المتربصين به من أيام كان يصول ويجول في التربية والتنظيم، ملعونا من الإخوان ونميمة مجالسهم مدة معينة حتى تطبع على جبينه شيطانيته، ملعونا من النظام وزبانيته، ملعونا من الناس لأنه فقد من يسنده وتكشف ظهره أمام الجميع.
كنا نسمع بالعقوبات التنظيمية وما يصحبها من نميمة مُبررة، فكنا نحسن الظن بالمسؤولين، فنردد ما يرددونه حمية وحفاظا على وحدة الصف وثقة في القيادة، لكن تبين غير ما مرة أن ما حسبناه عقوبات كان في الأصل صادرا عن منافسين إداريين في التنظيم وليس عن جهة قضائية محايدة، تبين لاحقا أن الأمر تصفية حسابات تنظيمية وليس غيرة على الصف كما كنا نعتقد، تبين أن الأمر حزازات وانتقامات وجرائم يندى لها جبين الانسانية وليس كما كان يقال لنا في مجالس التنظيم أن هناك إخلالات أخلاقية، هذه الإخلالات الاخلاقية كانت مجرد شماعات يعلق عليها التنظيم أخطاءه ويبرر بها جرائمه، بالعكس لم تكن هناك أية إخلالات أخلاقية بل كان هناك أولياء لله ابتلاهم الله بظلم التنظيم وبهتانه.
الإخلالات الأخلاقية كانت تُصنع على أعين التنظيم، يصنعها ويرتبها ويحيك تفاصيلها ثم يبعث بجواسيسه ونسائه قصد الايقاع ببعض الذين أينعت رؤوسهم، أي نعم مؤامرات وخطط ونساء وجواسيس ملتحون يأتونك بمسوح التقوى، وكأنك في جهاز مخابرات وحرب نجوم وجيمس بوند ولا ينقص تمام الفيلم سوى المسدسات، الأحمق من يعتقد أن التنظيم الاسلامي تنظيم أخلاقي يأتمر بالقرآن الكريم والسنة النبوية ومكارم الاخلاق، صح النوم صديقي، التنظيم الإسلامي من أكثر التنظيمات السياسية التي عرفتها عملا بالمكر والمؤامرات، فالتربية الايمانية شيء والتنظيم الاسلامي شيء آخر، يأتيك أخ الآخرة بلباس الدروشة والمحبة ثم يطعنك في ظهرك ويبلغ كل تفاصيلك إلى التنظيم، وتأتيك أخت الآخرة بمسوح العذراء الراغبة في الستر ثم توصل كل أقوالك إلى التنظيم.
العقوبات التنظيمية في الأصل كانت قد وضعت لحماية الصف من العملاء والدخلاء والزائغين عن الخط اللاحب والمخلين بالمقتضيات التنظيمية التي تضمن وحدة الجماعة، فهي ضرورة تنظيمية في الأصل، وحق تنظيمي لا غبار عليه للمسؤولين لتشذيب ما يشوه صورة الدعوة ويلصق بها ما ليس منها، لكن الخلل يقع في الجهة المخول لها استعمال هذا الحق والمسطرة المتبعة في ذلك والشكليات التي من المفروض أن ترافق عملية المحاكمة، ففي أغلب الأحيان يتم الفصل عن طريق جهات غير مؤهلة للفصل في النزاعات، أولا لأنها طرف في النزاع، والحكم والخصم لا يجتمعان في أي نظام قانوني يحترم نفسه، وثانيا لأن المسؤول التنظيمي ولو أحسنا الظن به فهو غير ذي تكوين قضائي في فض الخلافات والفصل في النزاعات وإجراء الصلح أو إيقاع العقاب، أضف إلى ذلك أن المحاكمة تكون غير تواجهية حيث يتكلم التنظيم مع نفسه ومسؤوليه ثم يفصل المعني بالأمر بجرة قلم بكل بساطة راميا بذلك ثلاثين أو اربعين سنة من الغناء والسابقة في سلة المهملات.
إن المسؤول التنظيمي يتصرف وكأنه ولد فقيها عالما مسؤولا شرطيا قاضيا محاميا سياسيا نقابيا مُربيا شيخا واصلا وعسكريا ومتحدثا أعلى باسم المجلس الأعلى للتنظيم، يعاملك وكأنه يمتلك جميع السلط وجميع المهارات وجميع الصلاحيات ويعرف كل شيء ويفهم في كل شيء ويتقن كل شيء، يتصرف كأنه مسؤول إداري في إدارة ثم يقلب الجبة فيتصرف كأنه قاض في محكمة ثم يقلب الجبة فيختلق القانون كأنه مُشرع ثم يقلب الجبة وينفذ العقاب كأنه حكومة، إشكالية "الباطمان" الاسلامي حاضرة داخل التنظيم، الرجل الخارق السوبرمان الذي يقود عملية تأسيس الخلافة الراشدة على منهاج الرأي الشخصي والرعونة النفسية والانتقام غير القانوني والتشويه غير الأخلاقي والفصل غير الأخوي.
أصبحت الآن مقتنعا أن أغلب العقوبات التنظيمية ليست سوى تصفية حسابات، ولو كان السلاح متوفرا لتمت التصفية داخل التنظيم من شدة الحقد التنظيمي بالقتل بالرصاص، ولو كان المفصولون والمهمشون والمرغمون على الاستقالة من التنظيم يمتلكون الرصاص لردوا بالمثل بالرصاص أيضا، فالجشع السلطوي يستطيع أن يدفع المسؤول التنظيمي إلى فعل أي شيء وارتكاب كل جريمة من أجل الحفاظ على سلطته التنظيمية والتربوية، إنها متعة نفسية لا يستطيع المسؤول التنظيمي مقاومتها ويسلك في سبيل قضاء وطرها كل سبل الخسة والنذالة والتجبر والديكتاتورية، ولذلك فقد أدركنا أخيرا أننا كنا خاطئين عندما كنا ننادي يوما بالثورة، فالدولة ولو بشكلها الحالي وعدم وصولها إلى قمة الديمقراطية فهي تبقى عنصرا حاسما في معادلة الاستقرار الأمني والحفاظ على الأرواح، الدولة ضرورية لبقاء المجتمع بما في ذلك التنظيمات، ولذلك فإن التصفية داخل التنظيم لا تكون بالطرق الرجولية بل تستخدم فيها الطرق النسوية و الأدعية الباعورائية والتعبئة الاجتماعية.
فالقتل السياسي والتنظيمي البارد أجمل، ورؤية منافسك متسكعا على أرصفة النسيان والنكران غاضبا على صفحات الانترنيت، مطعونا بآلام القلب، مشتت الفكر، مريضا مترددا على أطباء الاعصاب والرقاة، مُستهزءا به من أعضاء التنظيم وعامة الناس، منقطع الاوراد، بائس الحياة، أمر ألذ من القتل، ولعمري إنه أكثر لذة لدى التنظيم عندما يتمسكن المفصول على أبواب المسؤولين ويضع وجهه على تراب أعتابهم متوسلا الرجوع إلى أحضان الإخوان، لذيذ هو الفصل بعد ذلك عندما يُكسب المسؤول التنظيمي هالة تربوية أمام الإخوان على أساس أن ما يعانيه المفصول انتقام إلاهي لجناب المسؤول، لله درك من وجه لا يستحي أيها المسؤول، لو كان توكلك على الله حق توكله فلم مكرت؟
اترك تعليقاً