📖 من الإحسان إلى المصلحية — الفصل 74 من 77 — فهرس الكتاب
يطرح هذا السؤال كما يطرح على الفاعلين السياسيين الذين يريدون تغيير النظام السياسي القائم، هل نرفع شعار إسقاط النظام أم إصلاحه، عادة ما يخاف الناس من شعار الاسقاط وشعار التغيير، ذلك أنهم لا يريدون دفع الكثير من الاثمان التنظيمية و السياسية و المالية الباهضة، فالناس تميل الى السهلة والتيسير، لا تريد أن تخسر شيئا مقابل تحسين وضعيتها المالية والاجتماعية، تريد كل شيء بالمجان، ولذلك وقياسا على تغيير النظام أو إصلاحه فالناس المنتظمة داخل التنظيم الاسلامي تفضل دائما إصلاح التنظيم على اسقاطه، فسقوط التنظيم مغامرة كبرى لا يمكن التنبؤ بنتائجها، فيكون الأنسب غالبا هو الطريق الاسهل، قليل التكلفة السياسية والمالية والبشرية.
لكننا نريد أن نناقش قليلا، نريد أن نتلمس طريقا نحو تنظيم مستقيم نزيه شفاف يعمل لصالح الامة ولصالح القواعد لا لصالح القيادة فقط، تنظيم يكون بمثابة قيمة مضافة للأمة لا وبالا آخر عليها، لا يهمنا في ذلك الاسقاط أو الاصلاح ما دام أن كل الطرق تؤدي إلى التنظيم النموذجي الذي سيحتضن الارواح والاجسام على ما فيه خير الناس، إننا لا نريد آلة تنظيمية يصنعها الناس ويجعلونها فوق رؤوسهم ثم تطحنهم، نريد أن نحسبها بدقة، نقدر الخسائر والارباح جيدا قبل أن نـخطو خطوة، على أنه وفي إطار البعد الذي نرى به نريد أن تحسب جميع الخسائر وكل الأرباح، دينية ودنيوية على السواء، فلسنا هنا في معرض الحديث عن تغيير نظام سياسي مادي نرجو منه خبزا ومسكنا ووظيفة وصحة وتعليما فقط، بل إننا بصدد الحديث عن تنظيم من المفروض أنه يحمل على عاتقه أعباء الدين بالمقام الأول، لا الدنيا وحدها ولا الدين وحده.
هذا الشعار يحمله زعماء التنظيم الاسلامي في كل مناسبة، يقولون إنهم ضد العلمانية، لكن العلمانية التي رأيت في تركيا مثلا أفضل بكثير من الاسلام الذي عند الاسلاميين ديالنا، كما أن مسؤولي التنظيم الاسلامي في واقع الحال لا يطبقون شيئا من الاسلام، فأين هو بديل العلمانية لدى هؤلاء، معنى ذلك أنهم مكيافيليون لا هم مع الشريعة ولا هم مع العلمانية، إنهم مع دين المصلحة، يسيرون مع مصالحهم المالية والتنظيمية الحزبية حيث سارت، فلا هم يضمنون الدنيا لأتباعهم ولا هم يضمنون الاخرة لهم، أما الأفظع من ذلك فهو أن هذا التنظيم الميكيافيلي أنتج لنا جيلا من المرضى النفسيين الذين خسروا أنفسهم ولم يربحوا لا دنيا ولا آخرة، حطام بشري ونفسي على رصيف السياسة والدين والخلق.
نريد إذن أن نحل هذه المعضلة التنظيمية والاجتماعية بما يجعل من المنخرطين مستقبلا في صفوف التنظيم الاسلامي أنجح الناس شكلا وتربية، أناس يدخلون التنظيم الاسلامي فتتحسن أخلاقهم ويتحسن تدينهم وتتحسن وضعيتهم الاجتماعية وتتحسن وضعيتهم المعرفية والمالية، تنظيم بمثابة مدرسة، ورش كبير لصناعة الناس الناجحة، صحيح أن التنظيم ليس مسؤولا عن كل هذا، لكن على الأقل عليه أن يساهم ولو بالشيء القليل في تحسين وضعية الناس المنخرطين فيه، وقبل ذلك عليه أن يرفع يده عن إذايتهم عوض تدميرهم، إن المتناثرين أمامي بالأعداد الكثيرة ممن رماهم التنظيم أجساما نخرة بعدما قضوا حياتهم كلها في التنظيم الاسلامي، دخلوه زهورا شابة متفتحة لكنهم خرجوا منه مخربين روحيا ومحطمين نفسيا وشيبا معقدين.
نريد أن نفهم، ثم نريد أن نتلمس أحد طريقين، إصلاح هذا التنظيم أو تغييره بالمرة، ولا عيب في التغيير، فالتنظيم الاسلامي نفسه يطرح خيار تغيير النظام السياسي القائم، يقولها بحرية ولا يخفي الامر، بل ويستغل الأمر سياسيا لجذب أكبر عدد من الناقمين، ولذلك لا عيب أن ينادي أحد من داخل التنظيم بتغيير التنظيم بنفس فلسفة التعاطي مع النظام الجائر حسب الخطاب الرائج، والمنضوون تحت لواء التنظيم الاسلامي عليهم أن يكونوا على قدر عادل من الالتزام بمضامين الخطاب التنظيمي الذي يؤمنون به ويكونوا غير منفصمين في آرائهم، التغيير الجذري يطرحونه في تعاملهم مع "النظام الجائر"، فلم لا يكون مطروحا أمام تعاملهم مع تنظيم فاسد خارج عن العدالة التنظيمية وخارج سياق المنهاج اللاحب الذي بايعوه أول مرة.
إننا نقول بالإصلاح أولا، ثم آخر الدواء الكي، فإذا فشل الاصلاح فالتغيير واجب، تعطى الفرصة للتنظيم مرة ومرات في إصلاح هياكله وقوانينه ومسؤوليه ومنظومته الفكرية والتنظيمية، فإذا زاده ذلك طغيانا وكبرا أصبح الأمر يستدعي تغييرا جذريا، بمعنى اقتلاع كل رموز العهد الغابر من مناصبهم التنظيمية مع حل جميع هياكل التنظيم التي أسسوها، وتفكيك الاخطبوط التنظيمي الفاسد التي بناه طغمة الاستكبار ثم بناء هياكل جديدة متناسبة مع الطرح العادل، لكن المتصدين لهذه العملية عليهم قبل ذلك أن يضعوا البرنامج التنظيمي المزمع تأسيسه، عليهم أن يصنعوا خارطة طريق دقيقة نحو التنظيم المنشود بكل واقعية كي لا يسقطوا في الفراغ القاتل، فغياب النظرة المستقبلية ودخول معركة إسقاط التنظيم بنوع من الارتجالية والتخبط لن يساهم إلا في بقاء التنظيم الطاغية بل وزيادة امتلاكه الحصانة السياسية والمناعة التنظيمية والشرعية التاريخية.
لابد أن يكون الثائرون على نور من العلم والتخطيط وعلى نور من ربهم، فإسقاط التنظيم ليس هدفا في حد ذاته، بل الهدف الأساسي هو جمع شتات قلوب المؤمنين وعقولهم، هو إعادة تشكيل التنظيم بما يضمن مستقبلا عدم الرجوع إلى المطبات التي أوردنا التنظيم السابق إياها بدكتاتوريته الدينية، فالمهم هو تأسيس تنظيم أخوي شفاف نزيه منضبط، تسود فيه حرية التعبير والتفكير والبناء والعمل والحركة، تنظيم تعلوه مؤسسة قضائية ساهرة على عدم طغيان مسؤولي التنظيم وعدم تكبرهم على القواعد وتشكيلهم لمؤسسات تنظيمية موازية أو وصية، الهدف هو إنشاء تنظيم منسجم مع أسس التربية الايمانية المبنية على الايمان والتقوى والتضحية والايثار والأخوة لا التهافت المسعور على السلطة.
أعرف أن كلماتي هاته سيأخذها التنظيم محمل الضحك والاستهزاء، فما تعودنا منه سوى الاحتقار والتهميش، وأعرف أنه سيصدر تعليمات وتوصيات في عباءة الهياكل التنظيمية وفي إطار النميمة المنظمة أن أحذروا فلانا وحذروا الناس من فلان ومزيدا من التشويه لفلان.
أعرف أن التنظيم سيلجأ آخر الأمر إلى سياسة التغافل ودس الرأس في التراب حتى يموت الرجال من الصياح ويفرنقع الصادقون من الغيظ، فما عرفنا من التنظيم سوى الخبث، لكن الأمر ليس كما يحسبه التنظيم، فالأمر ليس ريحا تمر بعد وقت أو حسدا يقتل حامليه بعد سنين، إن الأمر كرة ثلج تكبر كل يوم، فالرجال لا يرتاحون تحت ميزاب القدر حتى يسقطوا الطغيان الذي أسسوه ويمسحوا الكارثة التي أتوا بها إلى الأمة وهي التنظيم، فإما أن يستقيم هذا المملوك على الجادة التي تطابق النية التي في قلوبهم أو يسقطوه.
إن ما يجمع الدكتاتوريات السياسية والتنظيمية الاسلامية أنها تخاف على ظهرها من القشة أن تكسره فكيف بالقول البليغ، فالتنظيم الفاسد أو النظام القائم على الغش والمراء والرياء والفساد المالي والأخلاقي والتنظيمي والسياسي لابد أن ترهبه الكلمات، لابد أن تسيل مياه الهلع في ركبه لمجرد كلمة ألقيت بدون قصد فكيف لا يخشى على نفسه من كلمات قاصدة مرتبة منظمة هادفة، وإذا كان الكثير من مسؤولي التنظيم يخشون عل مصالحهم ومراكزهم التنظيمية وحساباتهم البنكية فإن رجال الحق لا يهابون الموت ولا يأبهون بالحساب البنكي ولا يحرصون على المركز التنظيمي.
إصلاح التنظيم أولا بالقول البليغ القوي الصريح، فإذا لم يصغ فالقول ما ترى لا ما تسمع، ولعمري إن هذا طريق الرجال الذين قام على اكتافهم وسواعدهم وقوة كلامهم صرح الاسلام، إن خط سير الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله خط لاحب، منهاج نبوي واضح، محجة بيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، كتاب الله وسنتي، سنة الوضوح والقول الصريح، لا سنة الركوع والمراوغة، لا سنة التوصيات الدولية والثقافة الدخيلة، سنة الله كتاب الله، قرآنه الكريم الصالح لكل زمان ومكان، سنة الله في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الباقية إلى قيام الساعة، لا يزيغ عنها إلا لئيم مارق من الدين، سنة الله في سنة اصحابه المبجلين الذين حملوا لواء الاسلام والجهاد ولم يتنكبوا عن سنة نبيهم وقرآن ربهم حتى توفاهم الله فائزين برضاه ورضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الإصلاح الاصلاح ما استطعت، فإذا تعذر الاصلاح فهي الحرب على أعداء الله حتى اجتثاث آخر مجرم تنظيمي وتتبير آخر هيكل من هياكل التنظيم الجبار.
اترك تعليقاً