لماذا تتحوّل حركات تُؤسَّس على شعارات الإصلاح والتغيير إلى هياكل بيروقراطية جافة، تُثير في نفوس أتباعها الإحباط بدل الحماسة؟ ولماذا يشعر كثيرون ممن انخرطوا في مشاريع دعوية بأن الوعود الأولى قد تبخّرت، وأن ما كان يُقدَّم على أنه “زحف” نحو تغيير المجتمع أصبح مجرد صراع على المواقع والمصالح؟ هذه الأسئلة لا تعكس فقط أزمة تنظيمية عابرة، بل تكشف عن خلل بنيوي في فهم طبيعة القيادة ومصدر شرعيتها داخل الحركات الإسلامية المعاصرة.
من الوصل إلى الانقطاع
يطرح فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” تشخيصاً جريئاً لهذا الخلل، حين يقول إن القيادة الربانية “منوط بها مهمة الوساطة بين الولي الوارث والسالكين المنتظمين في سلك التنظيم الجامع بين التربية والحركة التغييرية للمجتمع”، ويضيف أنه “متى انقطعت هذه الوصلة بين الصحبة والجماعة وأصبحت القيادة عنصرا غير موصل للكهرباء التربوية اختلت الجماعة وتضعضع المؤمنون تربويا وساءت أخلاقهم وفشل الزحف وانهار التنظيم على رؤوس أصحابه”. هذا التصوير البليغ يُشبّه القيادة بالسلك الناقل للطاقة، فإن انقطع أو صدئ أو فقد خاصية التوصيل، انطفأ النور في البيوت كلها.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن كثيراً من الحركات الإسلامية اليوم تعاني من هذا الانقطاع دون أن تعترف به. القيادات لا تزال موجودة اسماً ورسماً، لكنها فقدت تلك “الكهرباء التربوية” التي كانت تجعل منها مصدراً للإلهام والتزكية. تحوّلت إلى مجرد إدارة تنفيذية، تُدير الاجتماعات وتُصدر البيانات وتُوزّع الأدوار، لكنها لم تعد قادرة على إمداد الأتباع بذلك الوقود الإيماني الذي يجعلهم يتحمّلون مشاق الطريق ويستمرون رغم الإخفاقات.
المصلحية بديلاً عن الإحسان
حين تغيب الشرعية الروحية، تحلّ محلها شرعيات أخرى: شرعية المنصب، أو الأقدمية، أو القدرة على المناورة السياسية. وهكذا يتحوّل التنظيم من فضاء للتربية والترقي إلى ساحة للتنافس على النفوذ. المفارقة أن هذا التحوّل يحدث غالباً بشكل تدريجي وغير معلن، بل قد يُغلَّف بخطاب ديني يُبرّره ويُشرعنه، فيُقال إن “المرحلة تقتضي الواقعية”، أو إن “المصلحة الدعوية تستوجب المرونة”، وهي عبارات تُخفي في طيّاتها تنازلاً عن الجوهر لصالح الشكل.
إن التركيز على ضرورة وجود “شيخ عارف بالله” في قلب الحركة الإسلامية ليس دعوة إلى الشخصنة أو عبادة الأفراد، بل هو تأكيد على أن العمل الإسلامي لا يمكن أن يكون مجرد مشروع سياسي أو اجتماعي بحت. إنه مشروع تربوي أولاً، يهدف إلى تزكية النفوس قبل تغيير الواقع، ولا يمكن أن تُزكّى النفوس على يد من لم يُزكِّ نفسه أولاً، أو على يد من يرى في القيادة منصباً إدارياً لا مسؤولية روحية.
الخروج من الخيمة مائلاً
يُختَم المقطع بحكمة بليغة: “سألوه كيف سقط؟ أجابهم أنه خرج من الخيمة مائلا”. السقوط لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بميل بسيط، بانحراف طفيف عن الجادة، بتنازل صغير يتبعه آخر، حتى يجد الإنسان أو التنظيم نفسه بعيداً عن نقطة البداية، دون أن يدري كيف وصل إلى هناك. والأخطر من السقوط نفسه هو أن يحدث بينما الجميع لا يزالون يظنون أنهم يسيرون في الطريق الصحيح.
ربما يكون السؤال الأهم اليوم: هل لا تزال حركاتنا الإسلامية تمتلك تلك “الكهرباء التربوية”، أم أن الأسلاك قد صدئت والنور قد انطفأ، ونحن نكتفي بالحديث عن المصابيح دون أن نعترف بانقطاع التيار؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً