لماذا تنجح الحركات في مرحلة التأسيس حين يكون أعضاؤها في الظل، ثم تتصدع حين تقترب من السلطة أو تمسك بها؟ هذا السؤال يطارد كل مغربي تابع تحولات الفاعلين السياسيين ذوي المرجعية الإسلامية في بلادنا خلال العقود الأخيرة. من حركات كانت تتحدث عن التضحية والإيثار، إلى تنظيمات باتت تتنازع على المناصب والمواقع، ومن خطاب يرفع شعار “الإسلام هو الحل” إلى ممارسة تكشف أن الحل الحقيقي كان دائماً هو: من يجلس على الكرسي؟
التربية أم السلطة؟
يضع فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” إصبعه على الجرح حين يكتب: “القيادة الواحدة تتطلب أن يذبح كل قيادي نفسه لا أن يذبح غيره، أن يفنى نفسه ومطامعه التسلطية لا أن يفني الآخرين تركيعاً أو فصلاً”. هذه الجملة تختزل مأساة التنظيمات التي انطلقت من شعارات الإحسان والتزكية، لكنها انتهت إلى صراعات دموية على مستوى رمزي، حيث يُفصل الخصوم لا لخطأ ارتكبوه، بل لأنهم يقفون عائقاً أمام طموح قيادي آخر.
المفارقة المرّة أن هذه التنظيمات كانت تعد أتباعها بنموذج مختلف، نموذج تذوب فيه الأنانيات الفردية في المشروع الجماعي، حيث التربية الروحية هي السكين التي يذبح بها الإنسان نفسه الأمارة بالسوء. لكن ما حدث كان العكس تماماً: تحولت السلطة التنظيمية نفسها إلى سكين تُشهر في وجه المخالفين، وأصبح “الفصل” و”التركيع” أدوات إدارة الخلاف بدلاً من الحوار والمراجعة الذاتية.
الصراع الأبدي بين المبدأ والمصلحة
ما يطرحه أكريم ليس مجرد نقد لتنظيمات بعينها، بل هو تشريح لآلية التحوّل من الدعوة إلى السياسة، من طلب رضا الله إلى طلب السلطة. ففي البدايات، حين تكون الجماعة مضطهدة أو مهمشة، يسهل الحديث عن التضحية والإيثار؛ الجميع يتقاسمون الحرمان والخوف، فتتلاشى الفوارق بين الأنفس. لكن حين تقترب الجماعة من دوائر النفوذ، حين تصبح المناصب ممكنة والغنائم قابلة للتوزيع، تظهر المعادن الحقيقية، وتنكشف “النفوس المتعجرفة والعقول المتألهة والقلوب المتحجرة”.
هنا تبرز أهمية ما يسميه الكاتب “التربية”، لا بمعناها الوعظي الطقوسي، بل بوصفها عملية حقيقية لتفكيك الأنا المتضخمة لدى القادة أنفسهم قبل الأتباع. فالتنظيم الذي لا يملك قيادات قادرة على “ذبح” غرورها وطموحاتها الشخصية، محكوم عليه بأحد خيارين: إما الانشقاق والتصدع الدائم، وإما الاستسلام لمنطق “الرجل الواحد”، الإمام الأوحد الذي يحسم كل خلاف بسلطته الكارزمية أو القهرية، وهو ما يفسر ميل بعض التنظيمات إلى نماذج القيادة الفردية المطلقة.
الدرس المغربي
لسنا بحاجة إلى التذكير بما شهده المشهد السياسي المغربي من انشقاقات وصراعات داخل تنظيمات كانت ترفع لواء الوحدة والأخوة. بعضها انقسم على نفسه قبل أن يصل إلى السلطة، وبعضها تصدّع بعدما ذاق طعمها. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل كانت المشكلة في المشروع نفسه، أم في القيادات التي حملته؟ هل كان الخلل في الفكرة، أم في النفوس التي لم تستطع أن ترتقي إلى مستوى الفكرة؟
ربما يكون الدرس الأهم هو أن أي مشروع جماعي، مهما كانت نبل شعاراته، لا يمكن أن ينجح من دون قيادات تملك من النضج والتجرد ما يجعلها تضع المشروع فوق ذواتها. وأن الحديث عن التربية والتزكية يجب أن يبدأ من القمة، لا من القاعدة؛ من الذين يملكون السلطة، لا من الذين يخضعون لها.
فهل مازال هناك من يؤمن بإمكانية قيادة جماعية منصهرة في مشروع واحد دون سيطرة فرد واحد، أم أن الحل الوحيد لتجنب الانشقاق هو القبول بمنطق الزعيم الأوحد؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً