لماذا يشعر المواطن المغربي اليوم بفجوة عميقة بين الخطاب الديني المُعلن والممارسة السياسية الفعلية؟ لماذا تتحول الشعارات الكبرى عن العدالة والكرامة إلى مجرد أدوات انتخابية تُستهلك في المواسم السياسية ثم تُطوى مع صناديق الاقتراع؟ هذه المفارقة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تحول عميق في فهم العلاقة بين الغاية والوسيلة، بين المبدأ والمصلحة، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن بالفعل.
في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم إصبعه على جرح حقيقي حين يتحدث عن انزياح خطير في بوصلة العمل الجماعي. فبينما يفترض أن تكون “الغاية الإحسانية هي كلمة الإسلام، واقتراحه، وثمرته الموجهة لكل فرد”، تحولت هذه الغاية السامية في كثير من التجارب إلى مجرد واجهة تُخفي وراءها صراعات على المناصب والنفوذ. وبينما يُفترض أن تكون “الأهداف الجماعية للأمة، من تحرر عن الجاهلية، ونجاح في الاقتصاد، وظهور في الأرض، شروط ضرورية”، تحولت هذه الشروط الضرورية إلى غايات في حد ذاتها.
من الرسالة إلى المصلحة
هذا الانزياح ليس مجرد خطأ تكتيكي أو تفصيل فني في الممارسة السياسية، بل هو تحريف جوهري لمعنى الفعل الجماعي نفسه. حين تصبح السلطة هدفاً بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة قيم أعلى، وحين يتحول النجاح الانتخابي إلى مقياس وحيد للفلاح، وحين تُختزل الرسالة الحضارية في مكاسب ضيقة قابلة للمساومة، فإننا نكون أمام أزمة معنى قبل أن نكون أمام أزمة أداء.
المغرب، مثل غيره من البلدان العربية والإسلامية، شهد تجارب متعددة لحركات ومنظمات رفعت شعارات التغيير والإصلاح باسم المرجعية الإسلامية. لكن المسافة بين الشعار والإنجاز، بين الوعد والممارسة، أفرزت إحباطاً جماعياً لدى قطاعات واسعة من المجتمع. ليس لأن المشروع الحضاري فاشل بالضرورة، بل لأن الأدوات التي استُخدمت لتحقيقه أفرغته من محتواه.
إشكالية القيادة والسلطة
ما يثيره أكريم من خلال استعراضه لأفكار هوبز حول الملكية المطلقة والمقيدة، ليس دفاعاً عن نظام حكم بعينه، بل هو تساؤل عن طبيعة القيادة وعلاقتها بالمصلحة العامة. فحين يربط هوبز مصالح الحاكم بمصالح المحكومين، فإنه يضع أمامنا سؤالاً جوهرياً: هل القيادة السياسية في التجارب الإسلامية المعاصرة مرتبطة فعلاً بمصالح الأمة، أم أنها تحولت إلى مؤسسة منفصلة تدير مصالحها الخاصة؟
التجربة السياسية المغربية، سواء في إطار الحركة الإسلامية أو غيرها، تطرح هذا السؤال بإلحاح. فالمشاركة في الحكم، أو حتى في المعارضة، كشفت عن هشاشة الخطاب القيمي حين يصطدم بمنطق المصلحة السياسية الضيقة. والنتيجة أن المواطن العادي بات يرى في الفاعل السياسي، أياً كانت مرجعيته، مجرد لاعب في حلبة الصراع على النفوذ، لا حاملاً لمشروع تغيير حقيقي.
استعادة المعنى
استعادة المعنى تتطلب أكثر من مجرد مراجعات نقدية، بل تستدعي شجاعة الاعتراف بأن الممارسة السياسية انحرفت عن مسارها الأصيل. تستدعي أيضاً إعادة النظر في معنى النجاح: هل هو عدد المقاعد البرلمانية أم عمق الأثر الأخلاقي والاجتماعي؟ هل هو الوصول إلى السلطة أم القدرة على خدمة الناس حتى خارج دوائرها؟
السؤال الذي يطرحه أكريم، والذي ينبغي أن يطرحه كل مواطن مغربي على نفسه وعلى النخب السياسية، هو: هل ما زلنا قادرين على التمييز بين الغاية والوسيلة، أم أن المصلحية الضيقة أصبحت هي البوصلة الوحيدة التي تحكم الفعل الجماعي؟
وأنتم، ماذا ترون في تجربتكم الخاصة مع الممارسة السياسية المغربية: هل ثمة إمكانية لاستعادة البعد القيمي، أم أن المصلحية أصبحت قدراً محتوماً في كل عمل سياسي؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً