كم مرة جلست في ندوة دينية أو لقاء دعوي فشعرت أنك أمام موظف يقرأ من ورقة، لا أمام داعية يخاطب قلبك؟ كم مرة لاحظت أن الخطاب الإسلامي المعاصر بات أقرب إلى البيانات الإدارية منه إلى النفحات الروحية التي كانت تميز الدعوة في أصلها؟ هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة، بل هي أزمة بنيوية تعيشها الحركات الإسلامية اليوم، حين تحولت من حركات روحية تلامس القلوب إلى مؤسسات بيروقراطية تدير الأنشطة.
من القلب إلى المكتب
يضع فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إصبعه على الجرح حين يقول إن “مكاتب الدراسات والشكليات التنظيمية هي الطعنة القاتلة التي أصابت الدعوة في قلبها وتركت الأرواح جريحة تسيل دما على شواطئ التربية”. هذه الصورة المؤلمة تختزل مأساة حقيقية: تحول الدعوة من فعل روحي عفوي ينبع من القلب إلى نشاط مؤسسي محكوم بالتقارير والبرامج والحسابات.
المفارقة أن هذا التحول لم يحدث بقرار واعٍ، بل تسلل تدريجياً مع توسع التنظيمات الإسلامية ودخولها معترك السياسة. فأجهزة التنظيم، كما يلاحظ أكريم، باتت “نموذجاً مصغراً لأجهزة الدولة ووزاراتها”، وكأنها مرحلة تدريبية لاستلام السلطة. لكن هذا الطموح السياسي المشروع جاء على حساب الجوهر: الدعوة التي “قبل أن تكون مكاتب وأوراق هي قلوب وأرواح”.
عندما تنفر القلوب
الإشكال الأعمق ليس في وجود تنظيم أو هيكلة، فهذا ضروري لكل عمل جماعي، بل في أن تطغى الرسمية على الروح، وأن يصبح الداعية مجرد منفذ لتوجيهات صادرة من “مكاتب الدراسات” بدلاً من أن يكون إنساناً يخاطب الناس بما فتح الله في قلبه. هنا يحذر الكاتب من أن “متى دخلت الرسمية إلى الدعوة نفر الناس منها نفوراً فكانت دعوة عكسية”.
هذا التحذير ليس نظرياً؛ فالواقع المغربي يشهد على صحته. كم من خطاب ديني رسمي أو تنظيمي فقد تأثيره لأنه بدا متكلفاً، محسوباً، خالياً من الصدق العفوي؟ الناس تشعر بالفرق بين من يتحدث من قلبه ومن يقرأ من ورقة أعدتها لجنة. القلوب لا تنخدع، والروح لا تُستدعى بقرار إداري.
الدعوة بين قوسين
يطرح أكريم حلاً جوهرياً: ضرورة بقاء أجهزة الدعوة “بين قوسين بعيدة عن أجهزة الدولة”، كي لا تصبح الدعوة مجرد أداة سياسية أو ضحية لعجلة الدولة. هذا الاستقلال ليس رفاهية، بل هو شرط بقاء الدعوة حية نابضة. فحين تندمج الدعوة كلياً في السياسة، تفقد مصداقيتها وتتحول إلى خطاب مصلحي ضيق.
الدعوة، بطبيعتها، يجب أن تظل “أقرب إلى العفوية منها إلى الرسمية”، تحتاج إلى “شبه أجهزة فقط”، لا إلى بيروقراطية معقدة. المطلوب ليس إلغاء التنظيم، بل إعادته إلى حجمه الطبيعي، بحيث يخدم الرسالة ولا يحل محلها. المطلوب أن يكون “محرك ومنطلق” الداعية هو “القلب لا جهاز الدعوة”، وأن يكون باعثه “عفوية الدعوة وملامستها للقلوب بصدق الحديث والنية”.
سؤال الخروج من الأزمة
ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة تنظيمية، بل هو تحول في طبيعة الدعوة نفسها. والسؤال الحقيقي: هل يمكن استعادة البعد الروحي للدعوة في زمن المؤسسات والتنافس السياسي؟ هل ثمة طريق للتوفيق بين الحاجة إلى التنظيم وبين الحفاظ على صدق القلب وعفوية الروح؟
ربما يكمن الحل في إعادة ترتيب الأولويات: أن نعترف بأن الدعوة ليست مشروعاً سياسياً بحتاً، وأن التأثير الحقيقي لا يُقاس بعدد المناصب بل بعدد القلوب التي لامسها الصدق. فهل نحن مستعدون لهذه المراجعة الجذرية، أم أن الانجراف نحو المؤسسية والمصلحية بات نهجاً لا رجعة عنه؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً