لماذا يشعر المغربي العادي اليوم بأن الحركات الإسلامية التي كانت تخاطب روحه وتَعِدُه بالعدالة والكرامة، باتت تشبه في تعاملها معه الإدارات البيروقراطية الجامدة؟ لماذا صار اللقاء مع مسؤول حزبي إسلامي يُذكّره بموعد في بنك أو شركة تأمين، حيث الإجراءات والاستمارات والتراتبية الصارمة، بدلاً من ذلك الحميمية الدعوية التي كانت تميز هذه الحركات في بداياتها؟
من البطولة الفردية إلى المؤسسة المعقدة
يلامس فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» جرح التحول العميق الذي أصاب التنظيمات الإسلامية، حين يكتب: “كان البطل قديما شخصا يحمل سيفا ويهجم على الاعداء، يتبعه أفراد القبيلة في حماس متأثرين بشجاعته وقوته، يُأمرونه عليهم بعد ذلك ليفعل فيهم ما يشاء، ثم يعبدونه لاحقا بعد أن يستضعفهم، أما اليوم فلا مجال لعبادة الكاريزمات”. هذه الملاحظة ليست مجرد وصف لتطور تاريخي، بل هي مفتاح لفهم أزمة عميقة تعيشها الحركات الإسلامية المعاصرة في المغرب وخارجه.
المفارقة أن هذه الحركات، التي انطلقت من خطاب روحي يدعو إلى تجاوز المادية والبيروقراطية الحديثة، وجدت نفسها منساقة نحو تبني نفس الآليات التي كانت تنتقدها. فالتنظيم الذي كان في الأصل وسيلة لخدمة رسالة سامية، تحول تدريجياً إلى غاية في حد ذاته. المكاتب والشعب والتخصصات، التي يشير إليها أكريم كضرورة عصرية، استحالت أقفاصاً حديدية تحبس الروح الأولى للدعوة.
عندما يصبح التنظيم نموذجاً مصغراً للدولة
الإشكالية الأعمق تكمن في النظرة التي تحملها هذه التنظيمات لنفسها. حين يعتبر التنظيم نفسه «مشروع دولة إسلامية» و«نموذجاً مصغراً للدولة»، فإنه يبدأ في استنساخ كل عيوب الدولة الحديثة: التراتبية الصارمة، البيروقراطية، الولاء المؤسساتي على حساب القناعة الفكرية، والأهم من ذلك، المصلحة الذاتية للمؤسسة التي تطغى على المصلحة العامة.
في السياق المغربي، عاش المواطن هذا التحول بشكل ملموس. الحركة التي كانت تتحدث عن القيم والأخلاق والعدالة الاجتماعية، وجدها في البرلمان تتصرف كأي حزب تقليدي آخر: مساومات، تحالفات براغماتية، صمت عن قضايا كانت تعتبرها محورية. التنظيم الذي كان يُفترض أن يكون بديلاً أخلاقياً للسياسة «القذرة»، استسلم لمنطقها بالكامل.
ضياع الإحسان في متاهة المصلحة
الخطر الحقيقي ليس في وجود التنظيم بحد ذاته، فالعمل المنظم ضرورة عصرية كما يؤكد أكريم، لكن المشكلة في تحول التنظيم من أداة إلى صنم. حين يصبح الحفاظ على هيكلية التنظيم أهم من تحقيق أهدافه المعلنة، وحين يغدو الولاء للقيادة أولى من الولاء للمبادئ، وحين تتحول «الشورى» إلى مجرد ديكور شكلي لقرارات محسومة مسبقاً، فنحن أمام أزمة حقيقية.
المغربي الذي انخرط في هذه الحركات بحثاً عن معنى أسمى، عن «الإحسان» الذي يتجاوز المنفعة الضيقة، وجد نفسه في نهاية المطاف محاصراً بمنطق «المصلحية» نفسه الذي كان يهرب منه. وجد أن التنظيم الذي وعد بالتحرر من الاستبداد السياسي، يمارس استبداداً من نوع آخر، أكثر نعومة ربما، لكنه لا يقل فعالية في تدجين الإرادة الفردية.
هل يمكن لحركة إسلامية أن تحافظ على روحها الإحسانية الأولى وهي تبني مؤسسات معقدة تتطلبها الحداثة؟ أم أن المعادلة مستحيلة، وأن كل تنظيم محكوم عليه بأن ينتهي إلى المصلحية الضيقة مهما كانت نواياه الأولى نبيلة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً