كم مرة سمعنا خطاباً إسلامياً رنّاناً عن العدالة والتغيير الشامل، ثم وجدنا أصحابه بعد سنوات يتقاسمون حقائب وزارية، يلقون الخطب نفسها عن «وسطية الإسلام واعتداله وصلاحه لكل زمان ومكان»، بينما الواقع على الأرض لم يتغير؟ هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو استفهام يعيشه المواطن المغربي يومياً وهو يراقب مسار تنظيمات رفعت شعارات كبرى، لتستقر في النهاية على مكاسب محدودة ومناصب ضيقة.
من المشروع إلى المنصب
يضع فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» إصبعه على الجرح حين يصف بعض التنظيمات الإسلامية بأنها تحولت إلى مجرد «أرنب سباق دوره محدود في تنشيط السباق السياسي، أقصى أمانيه أن يفوز بوزارة الثكافة». هذه الصورة القاسية تختزل مساراً طويلاً من التحولات، حيث انتقلت بعض الحركات من طموح تغيير الواقع جذرياً إلى الرضا بحضور شكلي في المشهد السياسي، ومن الحديث عن العدالة الشاملة إلى الاكتفاء بمنبر يُلقى منه الخطاب نفسه دون فعل حقيقي.
هذا التحول ليس مجرد تكتيك سياسي، بل هو انحراف عن الجوهر الذي يُفترض أن يميز أي مشروع إصلاحي حقيقي. فالتنظيم الذي يستحق الاسم، كما يشير أكريم، هو ذلك الذي «يمتلك مشاريع كبيرة تستبطن إزاحة الظلم وإحلال العدل بصفة شمولية». أما حين يصبح الهدف الأسمى هو المشاركة في اللعبة السياسية بقواعدها الموضوعة سلفاً، دون محاولة حقيقية لتغيير تلك القواعد أو الواقع الذي أنتجها، فإننا نكون أمام تنظيمات «قاصرة» كما يصفها، مجرد «لعب عيال».
التسلل الهادئ أم الذوبان الكامل؟
لكن المفارقة الأعمق تكمن في العلاقة بين هذه التنظيمات وأجهزة الدولة. فبعضها يبرر تقاربه مع السلطة بأنه استراتيجية للتغيير من الداخل، أو «تسرب لطيف» كما يعبر أكريم، بهدف الاستفادة من الخبرات وجلب الكفاءات الإدارية لخدمة المشروع الإسلامي. لكن السؤال الذي لا مفر منه: من يستدرج من؟ هل التنظيم هو الذي يخترق الدولة، أم أن الدولة هي التي تحتوي التنظيم وتروضه؟
التجربة المغربية تقدم إجابات مؤلمة على هذا السؤال. فالسنوات التي قضتها بعض التنظيمات الإسلامية في الحكومة لم تشهد تحولات جذرية في ملفات العدالة الاجتماعية أو محاربة الفساد أو إصلاح التعليم. بل على العكس، تكيفت تلك التنظيمات مع منطق الدولة، وتبنت خطابها، واستوعبت قواعد اللعبة، حتى بات من الصعب التمييز بينها وبين الفاعلين السياسيين التقليديين.
الغياب المدوي للبديل
ما يزيد المشهد قتامة هو أن البديل شبه غائب. فالتنظيمات التي ما زالت تحمل مشاريع تغييرية حقيقية، كما يلمح أكريم، «قليلة على الساحة العربية»، وحتى تلك الموجودة تواجه تحديات جمة. أما التنظيمات السلفية الجهادية فـ«يحيطها الغموض من كل جهة، لا ندري كيف تسير، ولا إلى أين تذهب»، وهي بطبيعتها لا تقدم بديلاً سياسياً قابلاً للحياة في سياق مدني.
هكذا يجد المواطن نفسه أمام خيارات ضيقة: إما تنظيمات استحالت إلى مجرد أدوات في اللعبة السياسية، أو حركات غامضة لا يُعرف مآلها. وبين هذا وذاك، تضيع فكرة المشروع الإصلاحي الحقيقي، ذلك الذي يضع العدالة والكرامة الإنسانية في صلب اهتمامه، لا المناصب والمكاسب الآنية.
السؤال الذي يبقى مفتوحاً: هل ما زال في الإمكان استعادة الطموح الكبير، أم أن المصلحية الضيقة أصبحت القدر المحتوم لكل تنظيم يدخل اللعبة السياسية؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً