حين تأكل التنظيمات أبناءها: الصراع الداخلي المسكوت عنه

حين تأكل التنظيمات أبناءها: الصراع الداخلي المسكوت عنه

كم مرة سمعنا في المغرب عن “فرقة إنشادية إسلامية” كانت تملأ الساحات في التسعينيات ثم اختفت فجأة دون أثر؟ كم من “قيادي طلابي” كان نجماً في الحرم الجامعي ثم تبخّر من المشهد كأنه لم يكن؟ نميل عادة إلى تفسير هذه الظواهر بضغط السلطة أو “يد الدولة الطولى”، لكننا نادراً ما نلتفت إلى احتمال أكثر إزعاجاً: أن التنظيمات الإسلامية نفسها قد تكون هي من يصفّي مكوناتها الداخلية، وأن الصراع الحقيقي ليس دائماً مع الخارج، بل في قلب البيت ذاته.

الاختراق المزدوج: لعبة المرايا

يكشف فوزي أكريم في كتابه “من الإحسان إلى المصلحية” عن مفارقة لافتة في علاقة التنظيمات الإسلامية بالدولة. فبينما تحاول هذه التنظيمات زرع عناصرها داخل أجهزة الدولة، تقوم الأخيرة بعملية استباقية معاكسة. يقول أكريم: “فبينما يعتقد التنظيم الإسلامي أنه تمكن من زرع عناصره داخل أجهزة الدولة تكون هذه العناصر هي نفسها عناصر اختراق التنظيم الإسلامي”. هذه اللعبة المزدوجة تحوّل بعض الأفراد إلى عملاء مزدوجين، يخدمون طرفين متناقضين، وتخلق حالة من الارتياب المزمن داخل التنظيمات نفسها.

لكن الأخطر من هذا الاختراق الخارجي، بحسب ما يطرحه الكاتب، هو الصراع الداخلي بين أجهزة التنظيم الواحد. فالمعركة لا تدور فقط على جبهة واحدة ضد “العدو الخارجي”، بل تمتد إلى داخل الجسم التنظيمي ذاته، حيث “يطغى جهاز تنظيمي على آخر أو يحتويه أو يدمره نهائياً”. هنا نكتشف أن التنظيم ليس كتلة صلبة موحدة كما يُصوَّر في الخطاب الرسمي، بل هو كيان مليء بالتوترات والصراعات على النفوذ والموارد.

الفرق الإنشادية: حالة دراسية

المثال الذي يسوقه أكريم عن الفرق الإنشادية الإسلامية يستحق التوقف. فهذه الفرق التي كانت أداة دعوية أساسية، وكانت كل شعبة تنظيمية تفخر بامتلاك فرقتها الخاصة، اختفت تقريباً من المشهد. يشير الكاتب إلى أن “التصفية قد حصلت فعلاً”، دون الدخول في الجدل الفقهي حول حِل أو حرمة الموسيقى. المهم هنا هو الفعل ذاته: التصفية الممنهجة لمكونات كانت جزءاً حيوياً من النشاط التنظيمي.

هذه التصفية لا تُفسَّر بالضرورة بموقف شرعي متشدد ظهر فجأة، بل بصراع داخلي على الموارد والرمزية. ربما رأى جهاز تنظيمي معين أن الفرق الإنشادية تستنزف الموارد، أو أنها تمنح نفوذاً زائداً لمن يديرها، أو أنها تجذب نمطاً من الشباب لا يتماشى مع التوجه الجديد للتنظيم. المهم أن القرار كان داخلياً، وأن الضحية كانت جزءاً من الجسم نفسه.

القطاعات الطلابية: الضحية الأخرى

يشير أكريم أيضاً إلى أن القطاعات الطلابية عانت من التصفيات ذاتها. وهذا يفتح نافذة على واقع مرير: التنظيمات التي تدّعي السعي لتحرير الأمة وبناء مجتمع العدل، تمارس داخلياً منطق الإقصاء والتصفية والهيمنة. الطالب الذي ينخرط بحماس معتقداً أنه ينضم إلى مشروع نهضوي، قد يجد نفسه وقوداً في صراعات لا علاقة لها بالمبادئ المعلنة، بل بتوازنات القوى داخل أجهزة التنظيم.

هذا الواقع يطرح أسئلة جوهرية حول الشفافية والمحاسبة داخل التنظيمات. إذا كان الخطاب العلني يتحدث عن الشورى والعدل والأخوة، فكيف نفسر هذه التصفيات الداخلية؟ وإذا كان التنظيم عاجزاً عن إدارة تنوعه الداخلي وحل خلافاته بطرق حضارية، فكيف يمكنه أن يقنعنا بقدرته على إدارة مجتمع بأكمله؟

من الإحسان إلى المصلحية

ما يكشفه أكريم في هذا المقطع هو رحلة التحول من “الإحسان” – أي طلب معالي الأمور والغايات الكبرى – إلى “المصلحية” الضيقة، حيث تصبح الأولوية للسيطرة على الأجهزة والموارد، وحيث يُضحّى بالمكونات الحية (الفرق الإنشادية، القطاعات الطلابية) لصالح توازنات داخلية غامضة. التنظيم يأكل أبناءه، لا لأنهم خانوا المبدأ، بل لأنهم أصبحوا عبئاً أو تهديداً في حسابات القوة الداخلية.

السؤال الذي يطرح نفسه على القارئ المغربي اليوم: إذا كانت هذه التنظيمات قد فشلت في الحفاظ على تماسكها الداخلي وعدالتها مع أعضائها، فلماذا يجب أن نثق في مشاريعها الكبرى لإصلاح المجتمع؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية