كم مرة سمعنا في المغرب عن قيادي حزبي أو نقابي يتحدث عن «الشفافية» و«المؤسساتية» في خطابه العلني، بينما يُدار تنظيمه خلف الكواليس بمنطق الولاءات الشخصية والقرارات الفوقية؟ كم من عضو نشيط وجد نفسه مُقصى أو مُهمّشاً لا لشيء إلا لأنه رفع صوته بالنقد أو طالب بتطبيق القوانين الداخلية التي يُفترض أنها تحكم الجميع؟ هذه المفارقة ليست حكراً على تنظيم دون آخر، بل باتت سمة عامة تكشف عن أزمة بنيوية عميقة في طريقة إدارة العمل الجماعي المنظم.
وهم المؤسسات وحقيقة السلطة الخفية
في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم يده على جرح نازف داخل التنظيمات الإسلامية وغيرها، حين يصف حال المسؤول الذي تحوّل إلى مجرد واجهة: «فلا يعقل أن يكون المسؤول الأول للتنظيم كاراكوزا يفرق الابتسامات الفارغة والحنان الزائف على زبانية التنظيم وإمعات التنظيم ويصدر قرارات لا سامع لها إلا الحيطان وصاحبها، ثم تفعل السلطة الفعلية داخل التنظيم عملها، تذبح من سكات وتضرب بفاعلية». هذا الوصف القاسي يكشف عن انفصام خطير بين السلطة الشكلية والسلطة الحقيقية، حيث يتحول القائد إلى دمية متحركة تؤدي دوراً استعراضياً، بينما تُدار الأمور الحقيقية في غرف مظلمة بعيداً عن أعين الأعضاء.
هذا الانفصام لا ينتج عنه فقط فقدان الثقة، بل يؤدي إلى تآكل الروح الجماعية التي قامت عليها هذه التنظيمات أصلاً. حين يدرك العضو النشيط أن صوته لن يُسمع، وأن التظلم لن يجد آذاناً صاغية، وأن القرارات تُتخذ بمعزل عن المؤسسات المعلنة، فإنه يتحول تدريجياً من مناضل مؤمن بالمشروع إلى منفذ صامت أو منسحب صامت. وهكذا تفقد الحركة أثمن ما تملك: الإنسان المبادر الحر.
العدالة الإدارية: الباب الذي يجب أن يظل مفتوحاً
يشدد الكاتب على ضرورة أن يكون «باب المسؤول العام للتنظيم مفتوحاً دائماً على مصراعيه طيلة أيام الأسبوع حتى يستشعر الجميع قوة الحق وضعف الباطل». ليست هذه دعوة رومانسية لقائد متاح على مدار الساعة، بل هي رؤية مؤسساتية عميقة: القيادة الحقيقية هي التي تضمن سير مؤسسات التنظيم واستقلاليتها، لا تلك التي تحل محلها أو تلغيها.
حين يُغلق باب العدالة الإدارية، تتحول التنظيمات إلى إقطاعيات صغيرة يحكمها منطق القوة لا منطق الحق. وحين تتعطل آليات المساءلة والتظلم، تصبح القوانين الداخلية مجرد حبر على ورق، تُستدعى عند الحاجة لتبرير قرار أو إقصاء خصم، وتُهمل حين تتعارض مع مصالح المتنفذين.
الأجهزة: بين الحياة والموات
من اللافت في المقطع إشارة الكاتب إلى ضرورة مراجعة الأجهزة واللجان داخل التنظيم. فالتنظيمات الحية هي تلك التي تستحدث أجهزة جديدة حسب الحاجة والسياق، وتُصفّي تلك التي شاخت «فلا يجب أن يُبقي التنظيم عليها لتعيش فقط من أجل العيش». هذه الفكرة تنطبق على واقع مغربي ملموس، حيث تجد أحزاباً ونقابات وجمعيات تحتفظ بهياكل ولجان لا وظيفة حقيقية لها سوى توزيع المناصب وإرضاء الأتباع.
التنظيم الفعّال ليس ذاك الذي يملك أكبر عدد من اللجان، بل ذاك الذي يمتلك آليات مرنة تستجيب للواقع المتغير، وتوزّع الكفاءات بحسب الحاجة لا بحسب المحسوبية. وهذا يتطلب قيادة شجاعة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة، حتى لو أغضبت بعض المستفيدين من الوضع القائم.
من الإحسان إلى المصلحية
العنوان الذي اختاره فوزي أكريم لكتابه يختزل رحلة مؤلمة عاشتها تنظيمات كثيرة: من البحث عن معالي الأمور والتضحية في سبيل المبادئ، إلى الانغماس في حسابات المصلحة الضيقة والمناورات الداخلية. هذا التحول لم يحدث فجأة، بل كان نتيجة تراكمات: غياب العدالة الداخلية، تغييب المؤسسات، تحويل القيادة إلى ديكور، وتحويل الأعضاء إلى كومبارس.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم على كل تنظيم في المغرب، سواء كان حزباً أو نقابة أو جمعية: هل نحن فعلاً مؤسسة تحكمها القوانين وتسودها العدالة الداخلية، أم أننا مجرد تجمعات تُدار بمنطق الزبونية والولاءات الشخصية؟ وهل يجرؤ أحدنا على طرق باب المسؤول الأول حين يُظلم، أم أن ذلك الباب أصبح مجرد ديكور لا يُفتح إلا للمقربين؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً