حين تتجمد الأجهزة: من يجدد دماء التنظيمات؟

حين تتجمد الأجهزة: من يجدد دماء التنظيمات؟

كم مرة سمعنا في المغرب عن تنظيم سياسي أو جمعية مدنية أو حتى هيئة دينية، وجدنا فيها الوجوه نفسها منذ عقود؟ كم مرة تساءلنا عن سر بقاء المسؤولين أنفسهم في مناصبهم، بينما يتغير الواقع من حولهم، وتتبدل الأجيال، وتتطور التحديات؟ هذه المفارقة ليست عابرة، بل هي جوهر أزمة عميقة تعيشها تنظيمات كثيرة في مجتمعنا، تحولت فيها الحيوية إلى جمود، والتجديد إلى تكرار ممل، والكفاءة إلى محسوبية.

الجمود القاتل

في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية»، يضع فوزي أكريم إصبعه على الجرح حين يتحدث عن ضرورة أن يتميز التنظيم «بالكفاءة العالية في ميدان تقسيم العمل بين أعضائه وتوزيع المهام ليخرج من الجمود والروتين القاتل». هذا الجمود ليس مجرد خلل إداري، بل هو مرض مزمن يصيب الكيانات التي تفقد بوصلتها الأخلاقية والفكرية، فتتحول من رسالة كبرى إلى مجرد بنية تسعى للبقاء من أجل البقاء.

المشكلة الحقيقية تكمن في أن كثيراً من التنظيمات تعامل أجهزتها وكأنها معطيات نهائية، ثابتة كالجبال، لا يمسها التغيير ولا يطالها التطوير. فتجد مسؤولين في مواقعهم منذ زمن طويل، ليس بالضرورة لكفاءتهم المتجددة، بل لأن البنية نفسها أصبحت عاجزة عن التفكير خارج المألوف. هنا تتحول المؤسسات إلى كيانات بيروقراطية جامدة، همها الأول الحفاظ على التوازنات الداخلية بدلاً من تحقيق الأهداف الكبرى التي قامت من أجلها.

الدماء الجديدة

يطرح أكريم مفهوماً لافتاً حين يتحدث عن «الدماء الجديدة» التي يجب أن تجري داخل التنظيم، سواء كانت طبيعية أو معنوية. الدماء الطبيعية هي الأجيال الجديدة التي تحمل أفكاراً منعشة ورؤى متطورة، أما المعنوية فهي الهياكل والأجهزة المستحدثة التي تسد الفراغات وتصلح الاختلالات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تخشى كثير من التنظيمات هذا التجديد؟

الإجابة تكمن في أن التجديد يعني بالضرورة إعادة توزيع السلطة والنفوذ، وهو ما يهدد المصالح الضيقة التي تكونت مع الزمن. فبدلاً من أن تكون المؤسسات في خدمة الرسالة، تصبح الرسالة مجرد غطاء لحماية المواقع والامتيازات. وهنا يحدث الانزلاق الخطير من الإحسان إلى المصلحية، كما يشير عنوان الكتاب نفسه.

التمييز بين الدعوي والسياسي

يلفت أكريم النظر إلى نقطة جوهرية: ضرورة التمييز بين أجهزة الدعوة والأجهزة السياسية داخل التنظيم. فالدعوة تحمل «أمانة الله»، وبالتالي يجب أن تحظى بامتيازات خاصة رغم عدم إنتاجيتها المالية، بينما الأجهزة السياسية تحتاج إلى انضباط أكبر أمام البرامج التربوية. هذا التمييز يطرح سؤالاً عميقاً عن أولويات التنظيمات: هل هي فعلاً في خدمة رسالة أخلاقية كبرى، أم أن السياسي قد طغى على الدعوي، والمصلحة على المبدأ؟

في السياق المغربي، نرى كيف أن كثيراً من الحركات التي انطلقت برسالة إصلاحية ودعوية، وجدت نفسها غارقة في حسابات سياسية ضيقة، تدير فيها التوازنات والمحاصصات أكثر مما تدير المشاريع والأفكار. وحين يصبح الهاجس الأول هو «قلب الطاولة» من قبل الأفراد الطامحين، كما يحذر أكريم، فإن التنظيم يتحول من شورى إلى «هرقلية»، أي إلى سلطة فردية تحكمها القوة لا المؤسسية.

المراجعة الدورية

الحل الذي يقترحه الكاتب واضح: المراجعة الدورية والمستمرة لكل الأجهزة والهياكل والأشخاص. لا شيء يجب أن يكون محصناً من النقد والتقييم، ولا أحد يجب أن يظن أن موقعه أبدي. هذه الثقافة المؤسسية هي ما يفصل بين التنظيمات الحية والتنظيمات الميتة، بين تلك التي تتطور مع الزمن وتلك التي تتحول إلى متاحف للماضي.

لكن لنكن صادقين: كم تنظيماً في المغرب يمارس هذه المراجعة فعلاً؟ كم منها يملك الجرأة على تفكيك أجهزته وإعادة تجميعها بحسب الضرورة؟ وكم منها يستطيع أن يمنح الطاقات الشابة فرصة حقيقية بدلاً من تركها تموت في العطالة أو تنفر من التنظيم؟

في نهاية المطاف، السؤال المطروح على كل تنظيم يدعي الإصلاح والتغيير: هل أنت قادر على إصلاح نفسك أولاً، أم أن الجمود قد تمكن منك لدرجة أنك أصبحت جزءاً من المشكلة لا من الحل؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية