كم مرة سمعنا في المغرب عن شخص كان بالأمس القريب يرفع شعارات التغيير والإصلاح، ثم نراه اليوم يدافع عن السلطة ذاتها التي كان يعارضها؟ كم من قيادي في حركة إسلامية أو سياسية تحوّل من خطاب المبادئ إلى لغة المصالح، ومن نقد الفساد إلى تبريره؟ هذه المفارقة ليست مجرد تناقض فردي عابر، بل هي ظاهرة بنيوية تكشف عن أزمة عميقة في علاقة التنظيمات بمشروعها الأصلي.
من الغريم إلى الشريك
يصف فوزي أكريم في كتابه «من الإحسان إلى المصلحية» هذا التحول بدقة حين يقول: “متى قام رجال الدعوة يؤدون مهمتهم ويجاهدون ليعود الأمر إلى نصابه بعد أن انقلب رأسا على عقب أصبحوا غرماء للدولة وجردوا من حقهم الإلهي بحق الدولة في صيانة نفسها كإدارة مستقلة متمردة على الله”. هذه الجملة تختزل مساراً تاريخياً طويلاً من الصراع بين منطقين: منطق الدعوة الذي يرى نفسه حارساً للقيم، ومنطق الدولة الذي يرى نفسه حارساً للنظام.
لكن ما يحدث اليوم أخطر من مجرد صراع بين طرفين. فالتحول الذي نشهده هو تحول من الغرامة إلى الشراكة، ومن المواجهة إلى المساومة. الداعية الذي كان يُلاحق ويُشرّد ويُقتّل، كما يصف الكاتب، لم يعد بالضرورة يواجه هذا المصير. بدلاً من ذلك، يُعرض عليه خيار أكثر إغراءً وأقل كلفة: أن يصبح جزءاً من النظام نفسه، لا خصماً له.
منطق العميل المزدوج
هنا يدخل مفهوم “العميل المزدوج” الذي يستعيره الكاتب من عالم الاستخبارات ليطبقه على الحقل الدعوي والسياسي. العميل المزدوج، كما يشرح أكريم، هو من يعمل لفائدة جهتين مختلفتين دون علم منهما، وقد يتحول إلى هذا الدور تحت التعذيب أو الإغراء بالمال. هذا التوصيف ينطبق على كثير ممن كانوا يوماً في صفوف المعارضة، ثم تحولوا إلى أدوات لخدمة السلطة، مع الاحتفاظ بخطاب ظاهري يوهم بالاستقلالية.
في السياق المغربي، نلاحظ كيف أن بعض الفاعلين السياسيين والدعويين يمارسون هذا الدور بامتياز. فهم يحتفظون برصيدهم الرمزي لدى قواعدهم الشعبية، بينما يقدمون خدمات فعلية للسلطة في إدارة التوترات الاجتماعية أو امتصاص الاحتجاجات أو تمرير سياسات لا تحظى بشعبية. إنهم يعملون كوسطاء بين عالمين، مستفيدين من كليهما، وخائنين لكليهما في الوقت نفسه.
الحرب بالوكالة في الحقل الديني
مفهوم آخر يستدعيه الكاتب هو “الحرب بالوكالة”، حيث تستخدم القوى المتصارعة أطرافاً أخرى للقتال نيابة عنها. هذا المفهوم ينطبق على استخدام بعض التيارات الدينية كأدوات في صراعات سياسية وجيوسياسية أكبر منها. فبدلاً من أن تكون هذه التنظيمات فاعلاً مستقلاً بمشروع واضح، تتحول إلى مجرد “مرتزقة” يُستخدمون لضرب خصوم السلطة أو لتبرير سياساتها.
في المغرب، رأينا كيف تم توظيف خطاب ديني معين لمحاربة تيارات أخرى، وكيف تم استعمال مؤسسات دينية رسمية لإضفاء الشرعية على قرارات سياسية. التنظيمات التي كانت تدّعي الاستقلالية وجدت نفسها، طوعاً أو كرهاً، جزءاً من لعبة أكبر منها، تُحرّك فيها كبيادق على رقعة شطرنج لا تملك فيها قراراً حقيقياً.
من الإحسان إلى المصلحة
العنوان الذي اختاره فوزي أكريم لكتابه يلخص المسار كله: من الإحسان، أي من طلب معالي الأمور والتضحية من أجل المبدأ، إلى المصلحية، أي إلى حساب المكاسب والخسائر. هذا التحول ليس فقط أخلاقياً، بل هو تحول في طبيعة التنظيم نفسه، من حركة تغيير إلى أداة حفاظ على الوضع القائم.
السؤال الذي يُطرح اليوم على القارئ المغربي: هل ما زال ممكناً أن نثق في خطاب سياسي أو دعوي يرفع شعارات التغيير، في ظل هذا التاريخ الطويل من التحولات والانقلابات؟ وكيف يمكن للمواطن العادي أن يميز بين من يعمل فعلاً لمشروع مستقل، ومن هو مجرد عميل مزدوج يخدم أجندات متعددة؟
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً