حين يصير المنهج جهازاً: من ميزان المعالي إلى حراسة التنظيم

حين يصير المنهج جهازاً: من ميزان المعالي إلى حراسة التنظيم

يصادف القارئ المغربي في الحقل الديني خطابين يبدوان متباعدين أشدّ التباعد. خطابٌ يحتكم إلى فهم السلف ويطلب نقاء الأصول وتطهيرها من كل دخيل، وخطابٌ يستمدّ معجمه من التربية وتزكية النفس ومقام الإحسان. غير أنه إذا نظر في أحوالهما التنظيمية وجد بينهما شبهاً لافتاً: مجالس ومكاتب، ولوائح وانضباط، وحساباً دقيقاً لما يُكسب وما يُخسر. كأنّ اختلاف المنطلقات يذوب كلما بلغت الفكرة عتبة الجهاز. وههنا مفارقة تستحق الوقوف: لماذا تنتهي دعوات تختلف في أصولها إلى منطق واحد حين تتحول إلى تنظيمات؟

يبدو لنا أنّ الانزلاق من طلب المعالي إلى المصلحية الضيقة لا يبدأ بفساد النوايا، ولا بإغراء السلطة وحده، بل بلحظة أدقّ وأخفى: اللحظة التي ينتقل فيها الميزان الذي كان يُحاكَم به الواقع من خارج الجماعة إلى داخلها، فيصير التنظيم مالكاً للمعيار بعد أن كان خاضعاً له. هذه هي أطروحة هذه المقالة، وعليها يُبنى ما يلي.

في ضبط المفاهيم: الجماعة ليست التنظيم

لا يستقيم هذا الاستدلال دون ضبط ألفاظه. نقصد بالمعالي القيمَ التي تُطلب لذاتها ولا تخضع لحساب الربح والخسارة، كالصدق والعدل وتزكية النفس، وهي ما يجعل الإنسان مستعداً لأن يخسر من أجلها. ونقصد بالمصلحة النفعَ المعتبر الذي يُقدَّر بميزان عام يتجاوز صاحبه، وهي مفهوم مشروع في التراث الإسلامي ولا غبار عليه. أما المصلحية فهي اختزال المصلحة في نفع جهة بعينها، حتى يغدو بقاء هذه الجهة ونفوذها هو المقياس الذي تُقاس به المصالح كلها.

ونميّز كذلك بين الجماعة والتنظيم. الجماعة رابطة معنوية بين قوم يجمعهم مقصد واحد وقيم مشتركة. والتنظيم هو البنية الإدارية التي تتولى تدبير هذه الرابطة: أجهزة وتراتب وقرارات وموارد. والشرعية هي ما يمنح جهةً حقَّ الطاعة وحقَّ النطق باسم غيرها. والسؤال الذي يعنينا هو: من أين تستمدّ الجماعة شرعيتها؟ من مطابقتها للمعالي، أم من استمرار تنظيمها؟

«بحسب ما يرونه»: الموضع الذي ينتقل فيه الميزان

يقدّم المقطع الذي ننطلق منه تعريفاً للسلفية ذا وجهين. الوجه الأول عقدي منهجي، يدعو إلى فهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ويبتعد عن كل ما هو غريب عن روح الإسلام. والوجه الثاني معاصر حركي، يصفه النص بأنه مدرسة فكرية حركية سنية: «تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا إلى ما يتوافق مع النظام الشرعي الإسلامي بحسب ما يرونه».

تبدو العبارة الأخيرة عابرة، ولعلّها أهمّ ما في التعريف. فالمنهج في وجهه الأول يَعِد بمعيار يقع خارج الذات: نصّ مرجعي وجيل أول يُحتكم إليه. أما الحركة في وجهها الثاني فتنقل هذا المعيار، دون أن تصرّح بذلك، إلى ضمير جمع غائب هو «هم». وليست المشكلة في أن يكون للناس رأي في الإصلاح، فهذا من طبيعة الاجتهاد. المشكلة أنّ مشروعاً يستهدف «الحياة عمومًا» يحتاج إلى جهة تحسم ما يتوافق مع الشرع وما لا يتوافق معه، وهذه الجهة لا تكون في الواقع إلا جهازاً له قيادة ومجالس.

هنا يقع الانقلاب الصامت. يصبح التنظيم أميناً على المعنى الشرعي، ثم يصعب شيئاً فشيئاً التمييز بين مصلحة الشرع كما يفهمها التنظيم ومصلحة التنظيم نفسه. وحين يتعارضان في موقف ما، لا يظهر التعارض تعارضاً أصلاً، لأنّ الجهة التي تحكم بينهما هي أحد طرفيه. ولعلّ الأدقّ أن نقول إنّ المصلحية لا تهزم المعالي في معركة مكشوفة، بل تحلّ محلّها وهي تتكلم بلغتها.

الإحسان حين يرفض أن يكون مذهباً

قد يُظنّ أنّ الخطاب الصوفي أكثر منعة من هذا المآل، لأنه يقدّم نفسه على غير صورة الفرقة والحزب. فالمقطع يذكر أنّ التصوف «وفق الرؤية الصوفية ليست مذهبًا، وإنما هو أحد أركان الدين الثلاثة (الإسلام، الإيمان، الإحسان)». والإحسان، في معناه العميق، هو أبعد المقامات عن الحساب: أن تعبد كأنك ترى، أي أن يكون فعلك خالصاً لا ينتظر جزاء من الناس. وهذا هو جوهر المعالي كما عرّفناها.

غير أنّ في هذا الادعاء الكريم وجهاً آخر. فالذي يقول إنه ليس مذهباً، بل ركن من أركان الدين، يرفع نفسه فوق التنافس بين الفرق، ولا يقبل أن يُحاسَب كما تُحاسَب الفرق. فإذا حمل هذا الادعاءَ تنظيمٌ له أجهزة ومراتب وولاءات، صار حزباً ينكر أنه حزب. والحزب الذي يعترف بحزبيته يمكن مساءلته عن برنامجه وتحالفاته وأخطائه. أما الذي يتحدث باسم مقام روحي فإنّ مساءلته تبدو مساءلة للمقام نفسه، ونقده يُفهم طعناً في الإحسان لا في المسيِّرين. وهكذا تجد المصلحية في لغة التجرد غطاءً أمتن من أي غطاء آخر.

نصل إذن إلى نتيجة تبدو قاسية: الانتقال من الإحسان إلى المصلحية ليس انحرافاً خاصاً بمدرسة دون أخرى. إنه منطق يسكن الجهاز ذاته، ويستعير من كل مدرسة لغتها. فالسلفي يبرّر بالمنهج، والصوفي يبرّر بالمقام، والنتيجة واحدة.

اعتراض الواقعية وحدوده

قد يُعترض على هذا كله بحجة قوية، ينبغي عرضها في أحسن صورها. فالمعالي بلا تنظيم أمنيات تتبخر، والتاريخ لا يحفظ إلا الأفكار التي وجدت من يحملها في بنى مستقرة. ثم إنّ المصلحة مفهوم أصيل في الفقه، وتقديم أخفّ الضررين ليس خيانة للمبدأ بل هو من صميم الحكمة. ومن يرفض الحساب باسم النقاء يترك الساحة لمن هم أقلّ منه نقاء وأكثر منه حساباً. وتبعاً لذلك يكون اتهام التنظيمات بالمصلحية ترفاً أخلاقياً لمن لم يحمل يوماً عبء التدبير.

هذا اعتراض وجيه في جزء كبير منه، ولا نريد أن نقابله بطهرانية تحتقر السياسة. غير أنه يخلط بين أمرين: أن يكون التنظيم وسيلة لا غنى عنها، وأن يصير غاية لا يُسأل عنها. فالتمييز الذي قدّمناه بين المصلحة والمصلحية ليس تمييزاً في درجة الحساب، بل في جهته. المصلحة تحسب لصالح قيمة تتجاوز الحاسب، والمصلحية تحسب لصالح الحاسب نفسه، ثم تسمّي ذلك قيمة.

ولهذا التمييز محكّ عملي بسيط: هل توجد قيمة واحدة يقبل التنظيم أن يخسر من أجلها؟ هل يقبل أن يتراجع نفوذه، أو أن ينكمش، أو أن يعترف بخطأ يكلّفه أنصاراً، لأنّ الصدق يقتضي ذلك؟ إن كان الجواب نعم ولو مرة، فهو ما يزال في دائرة المصلحة المشروعة. وإن كان الجواب لا في كل مرة، فقد انقلبت الشرعية عنده من المطابقة للمعالي إلى الولاء للاستمرار. عندئذ لا يعود البقاء وسيلة لحمل الرسالة، بل تصير الرسالة وسيلة لتبرير البقاء.

ولا يغني الاعتراض الواقعي شيئاً أمام هذا المحكّ، لأنه يبيّن ضرورة التنظيم ولا يبيّن كيف يُمنع من أن يجعل نفسه معياراً. وهذا ما يجعل الإشكال أعمق من النوايا. فأصحاب التنظيمات في الغالب لا يكذبون حين يقولون إنهم يخدمون الدين، بل يصدقون، لكنهم يصدقون من داخل ميزان صار ميزانهم.

يبقى السؤال الذي لا تحسمه النوايا الحسنة ولا اللوائح الداخلية: إذا كان كل جهاز يميل بطبعه إلى أن يجعل بقاءه أعلى قيمه، فمن أين يأتي التنظيم الذي يحمل المعالي بميزان لا يملكه؟ وهل يمكن لجماعة أن تبني أجهزتها وتبقي في الوقت نفسه داخلها موضعاً يحاكمها، لا تستطيع هي أن تصادره؟

هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية