كلمة الراديكالية تعني في أصلها اللغوي الجذر، وقد نبّه صاحب كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» إلى ذلك عرَضاً وهو يشرح مصطلحاته. غير أنّ هذه الملاحظة اللغوية تخفي مفارقة أعمق مما تبدو. فالتنظيمات التي رفعت شعار العودة إلى الأصول وأعلنت أنها تحفر حتى الجذر، انتهى كثير منها إلى أكثر مستويات الدين سطحية: مستوى الجهاز والانضباط والحساب والمقعد. والقارئ المغربي يعرف هذه المسافة جيداً، فقد نشأ في ثقافة تحفظ متن ابن عاشر وتعرف أن الدين إسلام وإيمان وإحسان، ثم رأى خطاباً يكثر من الحديث عن التربية في حين أن ما يتكلم فعلاً هو الهيكل.
أطروحتنا في هذه المقالة أنّ الانتقال من الإحسان إلى المصلحية لا يرجع في أساسه إلى فساد الأفراد ولا إلى ضعف نواياهم. إنه انقلاب بنيوي يحدث حين يُترجَم مقام لا يُقاس إلى أجهزة لا تعرف إلا ما يُقاس. فالجهاز بطبعه يدير الظاهر، فإذا أُوكلت إليه تربية الباطن ردّ الدين إلى مستوى الجوارح، غير أنها هنا جوارح جماعية: حضور وولاء وتصويت وتعبئة.
في تحديد المفاهيم قبل محاكمتها
لا بدّ أولاً من ضبط الألفاظ، لأن الالتباس فيها هو موضع الخلل كله. نقصد بالمعالي الغايات التي تتجاوز الفاعل وتحاكمه، فهي ليست ملكه ولا يملك تعديلها بحسب ظرفه، ومن ثمّ تبقى معياراً خارجياً يُوزن به عمله. ونقصد بالمصلحة ما يعود بالنفع على فاعل محدد، فرداً كان أو كياناً، في حدود بقائه وتوسّعه. والشرعية عندنا هي الرصيد الذي يجعل الناس يقبلون سلطة ما أو صوتاً ما لأنهم يرون فيه تمثيلاً لشيء أعلى منه. ثم نفرّق تفريقاً حاسماً بين الجماعة والتنظيم. فالجماعة رابطة إنسانية تقوم على الصحبة والمقصد المشترك، ويتعرّف أفرادها بعضهم على بعض بالوجوه والأحوال. أما التنظيم فبنية إدارية ذات أجهزة وتراتبية ولوائح، يتعرّف أفرادها بعضهم على بعض بالمواقع والصلاحيات. ويمكن للجماعة أن تحتاج إلى تنظيم، لكنها تموت حين تصير إياه.
بهذا التحديد يصير السؤال أدق. لم يعد السؤال هل يجوز للمتدينين أن يطلبوا المصلحة، فهذا لا ينازع فيه أحد. السؤال هو: ماذا يحدث للمعالي حين يصير التنظيم هو من يتكلم باسمها؟
الطريقة بين القصد والجهاز
في المقطع جملة لأحمد بن عجيبة تستحق أن نتوقف عندها طويلاً: «فالشريعة أن تعبده، والطريقة أن تقصده، والحقيقة أن تشهده». يبدو لنا أنّ مركز الثقل في هذا التقسيم الثلاثي هو الحلقة الوسطى، أي القصد. فالعبادة فعل ظاهر يمكن ضبطه، والشهود ذروة لا تُطلب طلباً مباشراً، أما القصد فهو الموضع الذي تتحدد فيه الوجهة. والطريقة في عرف أهلها تصفية للضمائر، أي تنقية للقصد مما يخالطه من حظوظ النفس.
وههنا مفارقة. فالتنظيم حين يدّعي أنه يقوم بوظيفة التربية يضع نفسه في موضع الطريقة تماماً، أي في الموضع الذي يتشكّل فيه القصد. لكنه لا يملك أدوات التصفية، وإنما يملك أدوات التوجيه. والفرق بينهما كبير. التصفية تطرح عن القصد كل ما سوى المقصود، ولو كان ذلك الأخ والشيخ والجماعة نفسها. والتوجيه يصرف القصد نحو هدف يحدده الجهاز، وأول هذه الأهداف بقاء الجهاز. وهكذا يتحوّل العضو، دون أن يشعر، من قاصد للحق إلى قاصد للتنظيم بنية صادقة. وهذا أخطر من النفاق، لأن النفاق يعرف صاحبه أنه نفاق.
ولعلّ الأدق أن نقول إن الجهاز لا يفسد الإحسان، لأنه لا يبلغه أصلاً. هو يحلّ محله ويستعمل اسمه. فالتقارير والمكاتب واللجان تستطيع أن تحصي عدد الحاضرين في مجلس التربية، ولا تستطيع أن تحصي ما جرى في قلب واحد منهم. وما لا يُحصى يُهمَل في منطق الإدارة، ثم يُنسى، ثم يُستعمل شعاراً.
اعتراض المصلحة المشروعة
قد يُعترض على هذا كله بحجة قوية. فالإحسان إذا بقي حالاً فردية صار انسحاباً من العالم، وترك الشأن العام لمن لا يعرف معالي الأمور أصلاً. والسياسة الحديثة لا تعترف إلا بالفاعل المنظّم، فمن أراد أن يدفع ظلماً أو يقيم عدلاً فلا بدّ له من أجهزة وتراتبية وحساب للربح والخسارة. ثم إنّ المصلحة نفسها مفهوم أصيل في التراث الفقهي، وطلبها ليس سقوطاً بل هو من صميم فقه المقاصد. فبأي حق نحاكم تنظيماً لأنه حسب مصلحته؟
هذا اعتراض جاد، ولا يُردّ بالتحسّر على صفاء مفقود. غير أنه يقوم على خلط بين مصلحتين. هناك مصلحة الناس التي يُطلب التنظيم من أجلها، وهناك مصلحة التنظيم التي تُطلب لذاتها. والفقه حين اعتبر المصلحة اعتبرها خادمة لمقاصد أعلى منها، تُضبط بها ولا تضبطها. أما المصلحية التي يدرسها الكتاب فهي انقلاب في هذا الترتيب. إنها اللحظة التي تصير فيها مصلحة الكيان معيار الشرعية بدل أن تكون الشرعية معيار مصلحة الكيان. والفرق هنا لا يتعلق بالدرجة، بل بالاتجاه.
ثم إنّ الاعتراض يفترض أن الخيار محصور بين تنظيم يحسب مصالحه وإحسان معتزل. والحق أن الإحسان في التقسيم الذي يورده المقطع ليس مقاماً منفصلاً عن الإسلام والإيمان، بل هو كمالهما. فهو لا يلغي العمل الظاهر، لكنه يجعله تحت رقابة لا يملكها الفاعل. وهذا بالضبط ما تحتاجه السياسة: معيار من خارجها يمنعها من أن تصير مرجعية نفسها. فالتنظيم الذي يحفظ صلته بالمعالي يقبل أن يُحاكَم بما لا يديره. أما الذي يقطع هذه الصلة فيصير قاضياً في دعواه.
الجذر الذي لم يُحفر
نعود الآن إلى الراديكالية. إذا كان معناها الأصلي الذهاب إلى الجذر، فأين الجذر في الدين بحسب هذا التقسيم الثلاثي؟ يقول ابن عجيبة إنّ العمل ينتقل من حدّ الجوارح الظاهرة إلى مستوى آخر «إذا انتقل لتصفية البواطن بالرياضة والمجاهدة». الجذر إذن ليس في الشكل الأول ولا في النص الأكثر تشدداً، بل في الداخل الذي تخرج منه الأفعال. والراديكالية الحقيقية، بهذا المعنى، هي الأشد صعوبة: أن يحفر الإنسان في قصده هو قبل أن يحفر في أخطاء المجتمع.
وما حدث في كثير من التنظيمات هو العكس. فقد اتجه الحفر إلى الخارج، إلى المجتمع والدولة والخصم، وبقي الداخل مكاناً مغلقاً تحرسه اللوائح. فصارت الراديكالية راديكالية في الظاهر، أي تشدداً في القشرة. وهذا يفسر، فيما نرى، كيف يمكن لتنظيم أن ينتقل في وقت قصير من خطاب المفاصلة الحادة إلى براغماتية مرنة جداً. فالانتقال ليس انقلاباً على الذات كما يُظن، بل هو استمرار للمنطق نفسه. ما كان يُطلب بالمواجهة صار يُطلب بالمساومة، والمطلوب واحد: موقع الجهاز.
ويمسّ هذا القارئ المغربي مساساً خاصاً. ففي البيئة التي يعرف فيها الناس الإحسان لغةً وتراثاً ومجالس، يكون رصيد الشرعية الأخلاقية كبيراً لمن يتحدث باسمه، ويكون خسرانه فادحاً أيضاً. والناس لا يحاسبون التنظيم الديني بالمعيار الذي يحاسبون به حزباً عادياً، بل بالمعيار الذي رفعه هو. فحين يرون المصلحة حيث وُعدوا بالمعالي، لا تسقط سمعة جهاز فحسب، بل تهتز ثقتهم في إمكان أن يمرّ الإحسان عبر العمل الجماعي أصلاً. وهذا ثمن لا يدفعه التنظيم وحده.
يبقى سؤال لا نملك جوابه، وربما لا يملكه أحد بعد: هل يمكن بناء جهاز يحرس مقاماً لا يستطيع أن يقيسه؟ إن كان الجواب نعم، فشرطه أن يقبل الجهاز أن يظل أصغر مما يخدمه، وأن يرى في كل نجاح إداري احتمالاً لخسارة أعمق. وإن كان الجواب لا، فعلى من يطلبون الإحسان أن يكفّوا عن البحث عنه في الهياكل، وأن يعودوا إلى الموضع الوحيد الذي لم تبلغه أي لائحة تنظيمية: القصد.
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً