يعرف القارئ المغربي جيداً أن الأحزاب السياسية تتنازع على المقاعد والمواقع، وأن داخلها تيارات وأجنحة تتحالف وتتخاصم، ولا يرى في ذلك غرابة، بل قد يراه علامة حياة. غير أن الدهشة تبدأ حين يكتشف أن الأمر نفسه يجري داخل تنظيمات تقدّم نفسها جماعاتٍ ربانية تنشد وجه الله وتنأى عن حسابات الدنيا، مع فارق لافت: التيار في الحزب يُعلن عن نفسه، أما التكتل في الجماعة الدينية فيتوارى وينكر وجوده حتى أمام أصحابه. ومن هنا تنشأ مفارقة: كلما ارتفع سقف الطهارة المعلنة ازداد عمق الخفاء الذي تعمل فيه المصلحة.
يبدو لنا أن هذا الخفاء ليس عَرَضاً أخلاقياً يُردّ إلى ضعف نفوس بعض الأفراد، وإنما هو أثر بنيوي لنموذج تنظيمي بعينه. فحين يُحرَّم على المصلحة أن تُعلن عن نفسها باسم وحدة الصف وصفاء القلوب، فإنها لا تختفي، بل تنزل تحت الأرض وتلبس لباس المعنى المقدّس. والأطروحة التي نحاول الدفاع عنها هي أن المصلحة المعلنة، على ما فيها من دنيوية، أقلّ إفساداً للجماعة من المصلحة المستترة بلغة المعالي.
في تحديد المفاهيم قبل محاكمتها
لا يستقيم هذا النقاش دون ضبط ألفاظه. نقصد بالمصلحة هنا ما يطلبه فرد أو فئة لنفسها من منفعة، مادية كانت أو رئاسية أو ولائية، ولو اقترن طلبها بنية حسنة. ونقصد بالمعالي الغايات التي تتعالى على الذات، كطلب الحق وخدمة الناس وتزكية النفس، وهي ما تَعِد به التنظيمات الإسلامية أتباعها حين تدعوهم إليها. أما الشرعية فهي الأساس الذي يجعل قرار جهة ما مقبولاً عند من يخضعون له. ونفرّق بين الجماعة بوصفها رابطة وجدانية عقدية تجمع الأفراد على معنى مشترك، والتنظيم بوصفه بناءً مؤسسياً له هياكله وقواعده ومواقع قراره. ويبقى اللوبي: وهو تكتل غير رسمي يجتمع أفراده على مصلحة مشتركة ويسعون إلى التأثير في القرار.
بهذا التحديد تتضح العقدة. فالجماعة تمنح التنظيم شرعيته، والتنظيم يوزّع المواقع والموارد، ومن ثمّ تصبح المواقع موضع تنافس كما في أي بناء بشري. لكن لغة الجماعة لا تعترف بهذا التنافس، فتضطر المصلحة إلى أن تتحدث بلسان المعالي.
من الاعتراف إلى التخفّي
يلتقط صاحب الكتاب هذا التحول بدقة حين يقارن اللوبي داخل التنظيم الإسلامي باللوبيات السياسية الكلاسيكية التي تعقد اجتماعاتها على الملأ في إطار الحرية والحق في التأثير. ثم يقرر أن الأمر داخل التنظيم مختلف جذرياً، إذ يعمل اللوبي سراً، و«فيبدو اللوبي داخل التنظيم الاسلامي أشبه بالخيانة». هذه العبارة أعمق مما تبدو. فهي لا تصف سلوك اللوبي فحسب، بل تصف المنظومة التي تجعل مجرد وجوده خيانة. إن التنظيم الذي يفترض أن الجميع على قلب رجل واحد، وعلى قلب ولي الله القابض على دفة المؤسسات، لا يملك مقولة يستوعب بها الاختلاف في المصالح؛ كل اختلاف عنده إما نصيحة مقبولة أو فتنة مرفوضة. ولا منزلة بين المنزلتين.
وههنا مفارقة تستحق التأمل. ففي النظام الديمقراطي، حيث يُفترض أن السياسة صراع مصالح، يُطلب من اللوبي أن يعلن عن نفسه، فيصير خاضعاً للرقابة والمساءلة والنقد. أما في التنظيم الذي يُفترض أنه فوق المصالح، فاللوبي لا يُسأل لأنه لا يوجد رسمياً. إنه، بتعبير المقطع، كائن هلامي لا حدود له، قد يظهر وقد لا يظهر بتاتاً، ولا يعترف به حتى زعماؤه. فكيف تحاسب جماعةٌ ما لا تعترف بوجوده؟
والأخطر من غياب المحاسبة هو ما يحدث للغة نفسها. يقول الكاتب: «فالجميع يدندن بحب الله والجهاد في سبيل الله والأخوة والمحبة»، بينما المضمون الحقيقي رغبات رئاسية أو مالية أو مذهبية. حين تُستعمل كلمات المعالي غطاءً للمصلحة مرة بعد مرة، فإنها تفقد قدرتها على الدلالة. تصير الأخوّة كلمة سرّ للولاء، ويصير الإخلاص تفانياً في خدمة التكتل لا الغاية. ولعل الأدق أن نقول إن اللوبي المستتر لا يسرق المواقع وحدها، بل يسرق المعجم الأخلاقي الذي قامت عليه الجماعة.
اعتراض وجيه وجوابه
قد يُعترض بأن المقارنة مع اللوبيات الديمقراطية مقارنة ظالمة. فالتنظيم الديني ليس سوقاً سياسية، وإنما هو جماعة إيمانية ترفع مثالاً أعلى، والاعتراف بتكتلات المصالح داخلها يعني التسليم بانقسامها والتخلي عن مثال وحدة القلوب. بل إن تخفّي اللوبي، بحسب هذا الاعتراض، دليل على أن المثال ما يزال حياً وقوياً؛ فلو لم يكن الناس يستحيون من المصلحة لجاهروا بها. والنفاق، كما يقال، هو الضريبة التي تؤديها الرذيلة للفضيلة.
هذا اعتراض قوي، ونحن نسلّم بنصف حجته. صحيح أن الخفاء يدل على أن المعيار الأخلاقي لم يمت بعد. غير أن المعيار الذي لا يقدر إلا على دفع المصلحة إلى السرية قد أخفق في وظيفته الأساسية، وهي تهذيبها. فالمصلحة المكبوتة لا تتطهر، بل تتحرر من كل قيد علني. واللوبي الذي يخاف أن يُنحر تنظيمياً، كما يقول المقطع، يتعلم فنون الالتباس والتلبيس، ويحتمي باختلاف المذاهب وغبار الصراعات الفكرية، فيغدو أقدر على المناورة وأبعد عن الضبط. إن المثال الذي يرفض أن يرى المصلحة لا يلغيها، بل يتخلى عن حقه في محاسبتها.
ثم إن الاعتراض يفترض أن الاعتراف بالمصلحة تنازلٌ عن المعالي. وهذا افتراض يبدو لنا مضللاً. فالمعالي ليست إنكاراً لوجود المصالح في النفس البشرية، بل هي القدرة على إخضاعها لغاية أعلى. والإخضاع يقتضي الرؤية أولاً. جماعة تقول لأعضائها إن فيكم من يطلب الرئاسة، وإن لذلك قواعد وحدوداً، أقرب إلى طلب المعالي من جماعة تقول إن الجميع مخلصون، ثم تُفاجأ بأن قراراتها تُصنع في مجالس لا يعرفها أحد.
هل الإصلاح ممكن من داخل المثال؟
إذا صحّ ما سبق، فإن مشكلة اللوبيات التنظيمية لا تُحلّ بالوعظ ولا بحملات التطهير. فكل حملة تطهير تُدار باسم وحدة الصف ستكون هي نفسها، في الغالب، عمل لوبي منتصر على لوبي آخر. الحل، إن كان ثمة حل، يمرّ عبر تحويل الشرعية من مصدرها الوجداني الخالص إلى مصدر مؤسسي يقبل التعدد ويقنّنه: أن يكون للاختلاف قنوات معلنة، وللتنافس على المواقع قواعد شفافة، ولمن يخالف القيادة مكان لا يُتّهم فيه بالخيانة.
لكن هذا الحل يصطدم بسؤال يتولد من صميم الحجة لا من خارجها. إن التنظيم الذي يقوم على فكرة القلب الواحد والولي القابض على الدفة يستمد قوته التعبوية تحديداً من إنكار التعدد. فإن هو اعترف بالمصالح وقنّنها، خسر جانباً من سحره الذي يجذب الأتباع ويجعلهم يبذلون بلا حساب. وإن هو تمسّك بالإنكار، ترك المصلحة تنخر بنيانه في الظل. فهل يستطيع تنظيم ديني أن يكون شفافاً دون أن يكفّ عن كونه جماعة إيمانية بالمعنى الذي يعرفه أتباعه؟ أم أن الطهارة المعلنة والمصلحة الخفية وجهان لعملة واحدة لا يُضرب أحدهما دون الآخر؟
ربما كان أول خطوة نحو المعالي أن تجرؤ الجماعة على النظر في مرآتها، وأن تسمّي ما تراه باسمه. فالمصلحة التي تُسمّى يمكن أن تُحاسب، أما التي تتكلم بلسان الله فلا يجرؤ أحد على مساءلتها.
هذا المقال مستخلص من كتاب «من الإحسان إلى المصلحية» للكاتب فوزي أكريم. اقرأ الفصل كاملاً.







اترك تعليقاً