فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب الأول : المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي

📖 المسؤولية المدنية — الفصل 3 من 10 — فهرس الكتاب

الفصل الأول : أساس المسؤولية التقصيرية

النظرية الشخصية

تؤسس هذه النظرية المسؤولية على فكرة الخطأ بوصفه ركناً جوهرياً لا تقوم المسؤولية بدونه، فهي تهتم أساساً بسلوك الشخص المسؤول ولا نتصور قيام المسؤولية بغير خطأ، ولكن بغير تفرقة بين خطأ عمدي أو غير عمدي، ويستوي أن يكون هذا الخطأ واجب الإثبات في حالة المسؤولية عن العمل الشخصي أو يكون خطأ مفروضاً في حالة المسؤولية عن فعل الغير وعن الأشياء، إذ أن أساس المسؤولية في جميع هذه الحالات هو الخطأ.

النظرية الموضوعية

أدى التقدم الصناعي في نهاية القرن التاسع عشر وكثرة المخترعات الميكانيكية وقيام الصناعات الضخمة وانتشار وسائل النقل الآلية إلى توسيع نطاق المسؤولية على أساس اعتبارات العدالة والتضامن الاجتماعي لا على فكرة الخطأ، فذهب فريق من الشراح وعلى رأسهم سالي وديموج إلى اعتبار أن من يباشر نشاطاً يتحمل نتيجته، وعليه أن يعوّض الغير الذي يلحقه ضرر منه، ولو كان سلوكه غير مشوب بخطأ ما، وعليه فمن يقوم بمشروع ما فإنه يتحمل تبعية أخطاره. وفي منطق هذه النظرية المادية أو نظرية تحمل التبعة، فإنه من غير الجائز نفي المسؤولية بنفي الخطأ أو بنفي العلاقة السببية، فالمسؤولية تقوم على الضرر وحده حتى ولو كان السبب مبنياً على قوة قاهرة.

يتفرع عن المسؤولية التقصيرية مسؤولية عن العمل الشخصي، ومسؤولية عن فعل الغير من الأبناء والمجانين والتابعين، ثم مسؤولية عن الأشياء والحيوان التي يسأل الشخص عنها.

الفصل الثاني : أركان المسؤولية عن الفعل الشخصي

الركن الأول : الخطأ

يقصد بالخطأ في المسؤولية التقصيرية إخلال الشخص بالتزام قانوني مع إدراكه لهذا الإخلال، والخطأ بهذا المعنى على نوعين: خطأ عمد ويُصطلح عليه بالجرم، وخطأ بإهمال ويسمى شبه جرم. عرّف المشرع المغربي الخطأ في الفصل 78 بقوله: «والخطأ هو ترك ما كان يجب فعله، أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه، وذلك من غير قصد لإحداث الضرر».

درجات الخطأ

يقع الخطأ من الناحية العملية تحت أنواع ودرجات متعددة ولم يتفق الفقهاء على وضع معايير وضوابط من أجل تقسيمها وتمييز كل منها، وبالرجوع إلى رأي الفقيه بواتيه، وهو أحد شراح القانون الفرنسي القديم، نجد أنه يرى الخطأ على ثلاث درجات كما كان الحال عليه في القانون الروماني:

• الخطأ الجسيم : وهو الخطأ الذي لا يرتكبه أقل الناس إهمالاً وأكثرهم جهلاً، وقد أُلحق هذا الخطأ بالغش وأخذ حكمه لتعارضه مع حسن النية، أو هو عدم بذل عناية بشؤون الغير بصورة لا تصدر عن أقل الناس حرصاً على شؤونهم الخاصة.

• الخطأ اليسير : ويُعرف عادة بأنه الخطأ الذي لا يقع من شخص متوسط الحرص والعناية، ويُطلق عليه أيضاً اسم الخطأ العادي، ولا يمكن وضع ضوابط محددة للتفرقة بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير، لذا فإن مرجع الأمر للقضاء بحيث يحكم على كل حالة على حدة حسب ظروفها.

• الخطأ التافه : وهو الخطأ الذي لا يقع من الشخص شديد الحرص والذكاء ويكفي لوجوده عدم الحذر أو عدم التبصر.

عناصر الخطأ

يقوم الخطأ على ركنين، ركن مادي مترتب على إخلال بالتزام قانوني هو «التعدي»، وركن معنوي هو «الإدراك» يدل على أن المخل بالالتزام يدرك أن عمله مضر بالغير. جاء في الفصل 78 : «كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه، لا بفعله فقط ولكن بخطئه أيضاً، وذلك عندما يثبت أن هذا الخطأ هو السبب المباشر في ذلك الضرر. وكل شرط مخالف لذلك يكون عديم الأثر».

الركن المادي للخطأ : التعدي

والتعدي هو الإخلال بالتزام قانوني، أو مجاوزة ما يجوز إلى ما لا يجوز شرعاً أو عرفاً أو عادة، وهو ما قصده المشرع بقوله «ترك ما كان يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه».

مقياس التعدي : أخذ بعض الفقهاء بمعيار شخصي، ذلك أن استحقاق المضرور للتعويض أو عدم استحقاقه يتوقف على طبيعة شخص من وقع منه الضرر، في حين أخذ فريق آخر بمعيار موضوعي ينظر فيه إلى سلوك شخص مجرد هو سلوك الشخص العادي الذي يمثل جمهور الناس، ومن فضائل هذا المعيار أنه يغنينا عن البحث في أمور خفية تتعلق بشخص المعتدي فيصبح ثابتاً بالنسبة إلى الكافة ولا يتغير من شخص إلى آخر، وبهذا تنضبط الروابط القانونية وتستقر الأوضاع.

صور التعدي :

• مخالفة نص قانوني : إذا كان القانون قد نص على التزام محدد، فالإخلال بهذا الالتزام يعتبر تعدياً يوجب المسؤولية. وقد خص المشرع المغربي بالذكر في الفصلين 83 و84 بعض الالتزامات التي اعتبر الإخلال بها خطأً يوجب المسؤولية، من ذلك تقديم نصيحة بقصد الخداع (الفصل 83) والمنافسة غير المشروعة (الفصل 84).

• مخالفة التزامات قانونية غير محددة في نصوص : لا يقتصر الخطأ على الإخلال بالالتزامات التي ورد بها نص في القانون، فهناك التزامات قانونية كثيرة لم يحددها المشرع في نصوص وإنما هي من قبيل الواجبات العامة التي تفرض على الإنسان احترام حقوق الغير والامتناع عن إيذائه.

• التعسف في استعمال الحق : الأصل أن المسؤولية التقصيرية تتطلب أن يكون الضرر ناجماً عن خطأ، والخطأ لا يتوفر في الحالة التي يستعمل فيها الإنسان حقاً له دون أن يجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق، لكن يقع أن يتم استعمال الحق على نحو يكون فيه الشخص مخطئاً، وهذا ما يسمى بالتعسف في استعمال الحق. جاء في الفصل 94 : «لا محل للمسؤولية المدنية، إذا فعل شخص بغير قصد الإضرار ما كان له الحق في فعله. غير أنه إذا كان من شأن مباشرة هذا الحق أن تؤدي إلى إلحاق ضرر فادح بالغير، وكان من الممكن تجنب هذا الضرر أو إزالته من غير أذى جسيم لصاحب الحق، فإن المسؤولية المدنية تقوم إذا لم يجر الشخص ما كان يلزم لمنعه أو لإيقافه». ويعتبر الشخص متعسفاً في استعمال حقه في الحالات التالية:

• إذا كان لا يقصد من وراء استعمال الحق سوى الإضرار بالغير.

• إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها صاحب الحق قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البتة مع ما يصيب الغير من ضرر.

• إذا كان صاحب الحق قد تجاوز في ممارسته حقه الحدود المألوفة (الفصل 96).

تجدر الإشارة إلى أن عبء إثبات التعدي يقع على المضرور الذي يطالب بالتعويض عن الضرر الذي لحقه جراء هذا التعدي، وله في سبيل ذلك الإثبات بكافة طرق الإثبات.

الركن المعنوي : الإدراك

يجب لقيام الخطأ أن يكون من ارتكب التعدي مدركاً لهذا التعدي، أي قادراً على التمييز بين الخير والشر والنفع والضرر، فيدرك أن تعديه يلحق ضرراً بالغير، فالتمييز هو مناط المسؤولية التقصيرية، هذه المسؤولية تقوم إذا وُجد التمييز وتنعدم إذا فُقد، وهذا ما نصت عليه الفصول 93 و96 و97:

• فيما يتعلق بالسكر الاختياري، فهو لا يعفي من المسؤولية حسب الفصل 93.

• فيما يتعلق بصغر السن، لا يسأل الصبي غير المميز مسؤولية تقصيرية، أما من كان مميزاً فإنه يسأل مسؤولية تقصيرية كاملة إذا كان له من التمييز الدرجة اللازمة لتقدير نتائج أعماله (الفصل 96).

• المجنون لا يسأل عن العمل الشخصي ما لم يثبت أن العمل الضار قد ارتُكب وهو في حالة إفاقة (الفصل 96).

• الصم والبكم وغيرهم من ذوي العاهات يسألون مبدئياً عن الأضرار الناجمة عن أخطائهم لتوافر الإدراك عندهم، ما لم يقم الدليل على أنهم لا يتمتعون بالدرجة اللازمة من التمييز لتقدير نتائج أعمالهم (الفصل 97).

حالات انتفاء الخطأ التقصيري

توجد حالات يتوفر فيها الخطأ ومع ذلك لا يترتب عليه أية مسؤولية، ويتحقق ذلك في الحالات التالية:

• إعطاء بيانات غير صحيحة عن حسن نية ودون علم بعدم صحتها.

• مجرد النصيحة والتوصية في غير الحالات المنصوص عليها في الفصل 83.

• حالة القبول بالمخاطر، كما هو الشأن بالنسبة للرياضيين الذين يزاولون رياضات تنطوي على مخاطر.

• الدفاع الشرعي : جاء في الفصل 95 : «لا محل للمسؤولية المدنية في حالة الدفاع الشرعي، أو إذا كان الضرر قد نتج عن حادث فجائي أو قوة قاهرة لم يسبقها أو يصطحبها فعل يؤاخذ به المدعى عليه». ويشترط أن يكون الخطر حالاً ووشيكاً يهدد النفس أو المال، ثم أن يكون هذا الخطر غير مشروع، ثم أن يكون بإمكان الشخص دفع هذا الاعتداء بوسيلة مشروعة، وأخيراً أن يتم دفع الاعتداء بالقدر اللازم دون مجاوزة.

• حالة الضرورة : وهي حالة تنفي الجريمة في القانون الجنائي على غرار الدفاع الشرعي، وهي أيضاً سبب من أسباب انتفاء المسؤولية المدنية، ويشترط فيها أن يكون الخطر حالاً وشيكاً يهدد النفس أو المال، وأن يكون مصدر الخطر خارجياً، وأن يكون الضرر الواقع أخف من الضرر المراد تلافيه.

الركن الثاني : الضرر

الضرر هو الأذى الذي يصيب الشخص جراء المساس بحق من حقوقه أو بمصلحة مشروعة له، سواء تعلقت هذه المصلحة بشخصه أو ماله أو حريته أو شرفه، فلا يشترط أن يكون الحق حقاً مالياً بل يكفي أن يكون حقاً تكفّل القانون بحمايته.

عرّف المشرع المغربي الضرر في الفصل 98 بقوله: «الضرر في الجرائم وأشباه الجرائم، هو الخسارة التي لحقت المدعي فعلاً والمصروفات الضرورية التي اضطر أو سيضطر إلى إنفاقها لإصلاح نتائج الفعل الذي ارتكب إضراراً به، وكذلك ما حُرم منه من نفع في دائرة الحدود العادية لنتائج هذا الفعل. ويجب على المحكمة أن تقدّر الأضرار بكيفية مختلفة حسبما تكون ناتجة عن خطأ المدين أو عن تدليسه».

شروط الضرر

• أن يكون الضرر مباشراً : أي أن يكون نتيجة مباشرة للخطأ التقصيري، جاء في الفصل 77 : «إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر».

• أن يكون الضرر محققاً : والضرر يعتبر محققاً إذا كان حالاً أي واقعاً فعلاً أو مؤكد الوقوع، فالضرر الاحتمالي لا يجوز التعويض عنه، ويشمل ذلك الضرر المستقبلي محقق الوقوع.

• أن يطال الضرر حقاً أو مصلحة مالية للمدعي.

• أن تكون هذه المصلحة مشروعة.

أنواع الضرر

• الضرر الجسماني : هو الاعتداء على حرمة الجسد بالقتل أو الجرح أو المرض أو إحداث عاهة أو خلل في وظائف الجسم.

• الضرر المادي : هو الذي يصيب الإنسان في ذمته المالية.

• الضرر المعنوي : هو الذي يصيب الإنسان في مصلحة غير مالية، كالمساس بعاطفته أو كرامته أو سمعته أو شرفه، يضاف إلى ذلك الأضرار الجمالية والأضرار الناتجة عن التعسف في استعمال الحق.

الركن الثالث : العلاقة السببية بين الخطأ والضرر

لا يكفي لقيام المسؤولية التقصيرية أن يكون هناك خطأ من جهة وضرر من جهة أخرى، بل لا بد أن يكون الخطأ الذي ارتكبه المسؤول هو السبب في الضرر الذي أصاب المضرور.

نظريات العلاقة السببية

• نظرية تكافؤ الأسباب : إذا اشتركت عوامل عدة في إحداث الضرر فإنه يتعين اعتبار كل العوامل متعادلة في إحداث الضرر بأنها جميعاً ساهمت في وقوع الضرر.

• نظرية السبب المنتج (الفعال) : تميّز بين الأسباب العارضة والأسباب المنتجة وتعتبر الثانية وحدها السبب في إحداث الضرر.

• نظرية السبب القريب : أي القريب زمنياً من الضرر، فذاك هو السبب المعتبر.

والمشرع المغربي سار في اتجاه اعتبار الضرر المباشر فقط أساساً للتعويض، أما الأضرار الأخرى غير المباشرة فلا اعتبار لها.

حالات انتفاء العلاقة السببية

• خطأ المضرور : قد يكون الضرر الذي لحق بالمضرور نتيجة خطأ المضرور وحده، فلا مكان للمسؤولية التقصيرية إذ المضرور هو الذي ألحق الضرر بنفسه. وقد يشترك خطأ المضرور مع خطأ المدعى عليه، فتوزَّع المسؤولية بين الطرفين بحسب جسامة الخطأ الذي صدر من كل منهما.

• القوة القاهرة أو الحادث الفجائي : جاء في الفصل 269 : «القوة القاهرة هي كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، ويكون من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً. ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه. وكذلك لا يعتبر من قبيل القوة القاهرة السبب الذي ينتج عن خطأ سابق للمدين». ويشترط لتوافرها: استحالة الدفع المطلقة، عدم التوقع، أن يكون السبب خارجياً، وانعدام خطأ المضرور.

📗 خلاصة الباب

  • ● تقوم المسؤولية التقصيرية على أساس الخطأ (النظرية الشخصية) أو على تحمل التبعة دون خطأ (النظرية الموضوعية)، وأركانها ثلاثة: الخطأ والضرر والعلاقة السببية.
  • ● الخطأ إخلال بالتزام قانوني مع الإدراك، وله ركنان: التعدي (الركن المادي) والإدراك (الركن المعنوي)، وتنتفي المسؤولية رغم وجود الخطأ في حالات كالدفاع الشرعي وحالة الضرورة والقبول بالمخاطر.
  • ● يشترط في الضرر أن يكون مباشرا ومحققا ومساسا بحق أو مصلحة مشروعة، وأنواعه: الضرر الجسماني والمادي والمعنوي.
  • ● تنتفي العلاقة السببية بخطأ المضرور وحده أو المشترك مع خطأ المدعى عليه، أو بالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي التي تشترط استحالة الدفع وعدم التوقع وانعدام خطأ المضرور.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية