فوزي أكريم المؤلفذ. فوزي أكريم

المكتبة القانونية المغربية

تسعة وثلاثون كتابًا ومرجعًا في فروع القانون المغربي والعلوم السياسية، بقلم الأستاذ فوزي أكريم، متاحة مجانًا لطلبة الحقوق والباحثين

📰 تصفّح الأخبار 📚 تصفّح المكتبة القانونية 📖 من الإحسان إلى المصلحية ✍️ عن المؤلف

الباب التمهيدي : مفهوم المسؤولية ومكانتها في نظرية الالتزام

📖 المسؤولية المدنية — الفصل 2 من 10 — فهرس الكتاب

الفصل الأول : المسؤولية المدنية بوصفها مصدراً للالتزام

نص الفصل الأول من قانون الالتزامات والعقود المغربي على أنه: «تنشأ الالتزامات عن الاتفاقات والتصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة وعن أشباه العقود وعن الجرائم وعن أشباه الجرائم».

يفهم من هذا الفصل أن مصادر الالتزام حسب التشريع المغربي هي: 1- الاتفاقات (العقود) 2- التصريحات الأخرى المعبرة عن الإرادة (الإرادة المنفردة) 3- أشباه العقود (الإثراء بلا سبب) 4- الجرائم وأشباه الجرائم (المسؤولية المدنية).

وقد انتُقد صنيع المشرع المغربي من حيث اعتداده بشبه العقد وشبه الجرم مصدرين للالتزام وإغفاله للقانون الذي يمكن أن يكون سبباً قوياً ومباشراً لنشوء الالتزام، وعليه فالتصنيف الأكثر دقة لمصادر الالتزام هو تصنيف الفقه والتشريعات المقارنة التي جعلت مصادر الالتزام خمسة: أولاً العقد، ثانياً الإرادة المنفردة، ثالثاً الإثراء بلا سبب، رابعاً العمل غير المشروع، خامساً القانون.

هكذا نلاحظ أن المسؤولية المدنية، أو ما يطلق عليه بالعمل غير المشروع، هي من أهم مصادر نشوء الالتزام، فإذا أخلّ أحد بالتزام ترتب على هذا الإخلال مسؤوليته المدنية، وهذه الأخيرة على نوعين: مسؤولية عقدية ومسؤولية تقصيرية. فالمسؤولية العقدية هي جزاء الإخلال بتنفيذ العقد، وهي أثر من آثار العقد الذي تم الإخلال به، وهي مستمدة من العقد كمصدر من مصادر الالتزام. أما المسؤولية التقصيرية فهي العمل غير المشروع، وهو المصدر الرابع من مصادر الالتزام، ويطلق عليها أيضاً الواقعة القانونية أو المصادر غير الإرادية بجانب الإثراء بلا سبب. وفي الحياة اليومية كثير من الالتزامات تنشأ عند الإخلال بواجب عدم الإضرار بالغير. قال تعالى: «لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون» (الأنبياء: 23) فالمسؤولية أول ما تعنيه مسؤولية الشخص عن أفعاله وتصرفاته.

المسؤولية المدنية بصفة عامة من أهم الموضوعات القانونية التي اهتم بها الفقه والقضاء منذ بداية القرن العشرين، نظراً للمخاطر التي يتسبب فيها الإنسان بفعله أو بفعل الأشياء التي يسأل عنها، خصوصاً مع التطور الحاصل في وسائل النقل والإنتاج الصناعي، ويبقى الأصل في المسؤولية المدنية هو إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه قبل وقوع الضرر، أو الحصول على تعويض في حالة تعذّر ذلك.

تعريف المسؤولية المدنية

يقصد بالمسؤولية تحمّل الشخص لعواقب التقصير الصادر عنه أو عن الأشياء والأشخاص التي يسأل عنها، فهي في معناها المدني المؤاخذة عن الأخطاء التي تضر بالغير، وإلزام المتسبب بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو جبر الضرر عن طريق التعويض كما حدده القانون.

الإطار القانوني للمسؤولية المدنية

أحكام المسؤولية المدنية عامة والتقصيرية خاصة موزعة بين نصوص عامة ونصوص خاصة. فبالنسبة للنصوص العامة نتحدث عن قانون الالتزامات والعقود في الفصول ما بين 77 و106، أما النصوص الخاصة فلا حصر لها وهي في تزايد مضطرد نظراً للتطور الاقتصادي الذي يفرض مزيداً من التأطير القانوني لأنواع جديدة من المسؤولية، هنا يمكن الحديث عن:

• ظهير 2 أكتوبر 1984 المتعلق بتعويض المصابين عن حوادث تسببت فيها عربات ذات محرك

• القانون رقم 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة

• القانون رقم 24.09 المتعلق بالمسؤولية الناتجة عن المنتجات المعيبة، المُدرَج ضمن ق.ل.ع بالفصول 106-1 إلى 106-3 (الباب الرابع من الكتاب الأول)

أما الفقه الإسلامي فقد تحدث عن المسؤولية المدنية وأطلق عليها اسم الضمان، وقد عرّفه وهبة الزحيلي في كتابه «نظرية الضمان أو أحكام المسؤولية المدنية في الفقه الإسلامي» بأنه إعطاء شيء مثل الشيء إن كان من المثليات وقيمته إن كان من القيميات. وعليه فالضمان في الفقه الإسلامي يعني ما تعنيه المسؤولية المدنية في القانون المدني، وهو التزام بأداء تعويض مالي عند الإضرار بالغير، شريطة ألا يصل هذا الإضرار إلى مستوى الإضرار بالحق العام، حيث تقوم هنا المسؤولية الجنائية وتتدخل النيابة العامة مطالبة بمعاقبة المسؤول.

الفصل الثاني : أنواع المسؤولية والتمييز بينها

أنواع المسؤولية

تنقسم المسؤولية بصفة عامة إلى مسؤولية قانونية ومسؤولية أخلاقية، بينما تنقسم المسؤولية القانونية إلى مسؤولية مدنية ومسؤولية جنائية.

أولاً : المسؤولية الأخلاقية

الأخلاق قواعد مثالية نابعة من المجتمع لمحاربة الشر والدعوة إلى الخير ومكارم الأخلاق، وعند الإخلال بقاعدة أخلاقية تقوم المسؤولية الأخلاقية تبعاً لذلك، ودائرة الأخلاق أوسع من دائرة القانون، وتبعاً لذلك كانت المسؤولية الأخلاقية أوسع، لكن الجزاء المترتب عن الإخلال بالقاعدة الأخلاقية لا يكون عن طريق القضاء بل يكون نابعاً من استنكار المجتمع، ولا يشترط لقيام المسؤولية الأخلاقية وقوع الإضرار بالغير، بل يكفي أن يكون الفعل مُشيناً أو مستنكَراً من المجتمع، لأن الأخلاق تُعنى ليس فقط بعلاقة الإنسان بالإنسان، بل تتعداها إلى علاقة الإنسان بالله وعلاقته بنفسه وعلاقته بالعادات والتقاليد التي يعتبرها المجتمع أخلاقية.

ثانياً : المسؤولية القانونية

تنقسم المسؤولية القانونية إلى مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية.

أ- المسؤولية الجنائية

تنشأ المسؤولية الجنائية عن كل فعل يشكل جريمة بنص القانون، وتقوم هذه المسؤولية لحماية المجتمع، والقانون هو من يحدد الجريمة والعقوبة الخاصة بها، هذه العقوبة لا تأتي على شكل تعويض ذي صبغة مدنية بل تأتي على شكل جزاء جنائي مؤلم، يمس الفرد في حريته أو نفسه أو ماله، من أجل ردعه وحمله على الاستقامة وأيضاً ردع الآخرين ممن تسول لهم أنفسهم المس بسلامة المجتمع وأمنه، هذا الجزاء الجنائي يتخذ إما شكل عقوبة أو تدبير وقائي.

فالعقوبة تتحدد حسب ما إذا كانت الجريمة جناية أو جنحة أو مخالفة، ففي الجناية العقوبة تكون إما سالبة للحرية لأكثر من 5 سنوات أو إعداماً أو تجريداً من الحقوق الوطنية، بينما في الجنحة تكون العقوبة إما حبساً من شهر إلى 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 1200 درهم أو هما معاً، بينما في المخالفة لا تتجاوز مدة الاعتقال شهراً واحداً وغرامة لا تتجاوز 1200 درهم، أما التدابير الوقائية فهي نوع من الإجراءات تصدر بحكم قضائي لتجنب خطورة تكمن في نفس الجاني، لكن دون إيداعه السجن حتى لا يحتك بمجرمين أكثر حنكة، وتخفيفاً من وطأة اكتظاظ السجون.

شرطا المسؤولية الجنائية هما السلوك المادي المتسبب في النتيجة الإجرامية ثم القصد الجنائي، وهو ركن معنوي يقوم على أمرين هما التمييز وحرية الاختيار، بمعنى القدرة على الإدراك والتمييز ووجود أهلية، وهو أمر لا يتحقق إلا ببلوغ سن 18 سنة، بينما يعتبر الحدث البالغ ما بين 12 و18 ناقص أهلية ومسؤولاً مسؤولية جنائية ناقصة، أما القاصر ما دون 12 سنة والمجنون فهما غير مسؤولَين جنائياً البتة.

ب- المسؤولية المدنية

هي الالتزام بإصلاح الضرر الواقع على الغير، بفعل المخل بواجب عدم الإضرار بالغير، أو بفعل الأشخاص التابعين له، أو بفعل الأشياء التي يسأل عنها.

المسؤولية المدنية هي مسؤولية قانونية لأنه يترتب عن قيامها جزاءات يفرضها القانون، وهي مدنية لأنها ترمي إلى رفع الضرر الواقع على الغير أو إزالته أو إصلاحه أو منح المضرور مبلغاً من المال كتعويض عن الضرر وجبر له، وهي مبنية على التزام قانوني سابق مفاده عدم الإضرار بالغير.

التمييز بين أنواع المسؤوليات

أولاً : التمييز بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية

تترتب المسؤولية الأخلاقية عن مخالفة قواعد الأخلاق، فيسأل الإنسان أمام المجتمع وأمام الله وأمام ضميره، ولا يترتب عليها أي جزاء قانوني، ولا يشترط لقيام هذه المسؤولية حدوث ضرر للغير، بل يكفي أن ينوي الإنسان ويتمنى شراً لغيره حتى تتحقق هذه المسؤولية، بينما يترتب على المسؤولية القانونية جزاء قانوني جراء مخالفة القانون وهي نوعان مسؤولية جنائية ومسؤولية مدنية.

ثانياً : التمييز بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية المدنية

وجه المقارنةالمسؤولية الأخلاقيةالمسؤولية المدنية
النطاقأوسع — تتصل بعلاقة الإنسان بربه ونفسه وبغيرهأضيق — تتصل بعلاقة الإنسان بغيره فقط
تحقق النتيجةتتحقق بمجرد سوء النية، بلا ضررتتطلب حدوث ضرر فعلي
الجزاءذاتي معنوي (أمام الله والضمير والناس)مادي يحدده القانون وتفرضه السلطة العامة
إمكانية الإفلاتلا إفلات منهايمكن الإفلات منها (سرّية المخالفة، تقادم…)
المعيارشخصي (الضمير)موضوعي (مسؤولية أمام الغير)
الغايةتهذيب النفس ونشر الفضيلةاستقرار النظام وتحقيق العدل ورد الحقوق

ثالثاً : التمييز بين المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية

المسؤولية الجنائية تعني تحميل الشخص تبعات أفعاله الجنائية المجرَّمة بمقتضى نص في القانون كالقتل أو السرقة أو خيانة الأمانة، وانطلاقاً من هذا المعنى فإن المسؤولية الجنائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعقاب ولا تنفصل عنه، ونظراً لخطورة الأفعال الجنائية ومساسها بالنظام العام فإن العقوبات التي حددها المشرع غالباً ما تكون صارمة تتراوح بين الغرامات الزجرية والعقوبات السالبة للحرية وقد تصل إلى حد الإعدام في بعض الحالات الخاصة.

وعلى عكس المسؤولية الجنائية التي تترتب على ارتكاب المجرم لأفعال محظورة تضر بالمجتمع، فإن المسؤولية المدنية لها نطاق ضيق إذ أنها تهدف إلى حماية مصلحة خاصة يملك فيها المضرور إمكانيات واسعة للتنازل عن حقه في التعويض، لا فرق في ذلك بين أن يكون الضرر ناتجاً عن الإخلال بالتزام عقدي أو التزام تقصيري، فالمسؤولية المدنية تعني إلزام المسؤول عن الضرر بأداء التعويض للطرف المضرور في الحالات التي تتوافر فيها شروط هذه المسؤولية، لذلك فهي لا تحمل معنى الردع الذي تنطوي عليه المسؤولية الجنائية وإنما تفيد فقط معنى جبر الضرر الذي تسبب فيه الشخص المسؤول.

جدول تلخيصي لأوجه التمييز:

وجه المقارنةالمسؤولية الجنائيةالمسؤولية المدنية
الأساس القانونياقتراف فعل محظور بمقتضى القانون الجنائي وفق مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنصالإخلال بالتزامات يفرضها العقد أو المبادئ العامة
الجزاءعقوبات صارمة (إعدام، سجن، مصادرة، غرامات…) ذات طابع زجريإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو التعويض
مآل الحقحق خالص للمجتمع تمثله النيابة العامة، لا يجوز التنازل عنهحق شخصي للمضرور، يجوز التنازل عنه
النيةركن أساسيغير مشترطة (يُعوَّض الضرر عمداً كان أو إهمالاً)
التقادم15 سنة للجنايات، 4 سنوات للجنح، سنة للمخالفاتيختلف باختلاف الحالة، والأصل 15 سنة
السببالجريمةالضرر
الموضوعحماية المجتمع بالعقابحماية مصلحة خاصة بالتعويض
المدعيالنيابة العامةالمضرور أو من يمثله

تأثير المسؤولية الجنائية على المسؤولية المدنية

قد توجد المسؤولية الجنائية دون المسؤولية المدنية وقد يحدث العكس، لكن أحياناً أخرى قد تجتمع المسؤوليتان، كما في حال الضرب أو القتل فتنشأ دعوى جنائية ودعوى مدنية تابعة، وتؤثر المسؤولية الجنائية على المسؤولية المدنية من عدة أوجه:

• من حيث الاختصاص القضائي : يجوز للمضرور أن يرفع دعواه إما أمام المحكمة المدنية، وهنا لا يمكن للمحكمة المدنية أن تبت في الدعوى إلا بعد أن تبت فيها المحكمة الجنائية تبعاً لمبدأ «الجنائي يعقل المدني»، أو يرفع الدعوى المدنية التابعة أمام المحكمة الجنائية عن طريق الادعاء المدني تبعاً للدعوى الجنائية التي تحركها النيابة العامة.

• من حيث قوة الأمر المقضي به : فعندما تبت المحكمة الجنائية في الدعوى يحوز هذا الحكم قوة الأمر المقضي به، وعلى المحكمة المدنية أن تأخذ هذا الحكم بعين الاعتبار، لكنها غير ملزمة به فهي لا تتقيد بما حكمت به من براءة المتهم مثلاً بل هي تكيّف الوقائع تكييفاً آخر لغرض الحكم بالتعويض، أما إذا حكمت المحكمة الجنائية ببراءة المتهم فلا يحق للقاضي المدني أن يحكم بالتعويض.

• من حيث وقف الدعوى : تأمر المحكمة المدنية بوقف الدعوى المدنية ريثما يتم البت في الدعوى الجنائية.

• من حيث التقادم : الدعوى المدنية لا تسقط بالتقادم ما دامت الدعوى الجنائية قائمة.

رابعاً : التمييز بين المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية

المسؤولية التزام ناشئ عن تصرفات، فإذا ما أخلّ أحد بالتزام يقع عليه ترتب على هذا الإخلال مسؤولية مدنية، فهي جزاء الإخلال بالتزام سابق يترتب عنه تعويض عن الضرر الناجم عن إخلال المسؤول بهذا الالتزام، فإذا كان مصدر هذا الالتزام هو الإرادة كانت المسؤولية المتولدة عنه عقدية، أما إذا كان مصدر هذا الالتزام هو القانون كانت المسؤولية المتولدة عنه مسؤولية تقصيرية.

المسؤولية العقدية هي جزاء الإخلال بالالتزامات الناشئة عن العقد، أي عدم تنفيذها أو التأخير في تنفيذها، وهي لا تقوم إلا عند استحالة التنفيذ العيني، ولم يكن من الممكن إجبار المدين على الوفاء بالتزاماته العقدية عيناً، فيكون المدين مسؤولاً عن الأضرار التي يسببها للدائن من جراء ذلك، نتيجة عدم الوفاء بالالتزامات الناشئة عن العقد، كالتزام فنان بإقامة حفلة فيتخلف عن تنفيذ هذا الالتزام العقدي وتمر المناسبة، فيصبح تنفيذ الالتزام عينياً مستحيلاً، فهنا وجب العدول إلى التنفيذ بمقابل أو بطريق التعويض بدفع مبلغ من النقود، أو كمسؤولية المقاول عن التأخر في إقامة البناء الذي تعهد ببنائه عن الميعاد المتفق عليه، أو مسؤولية البائع عن عدم نقل ملكية المبيع إلى المشتري إذا كان يتصرف فيه بعد البيع.

وحيث أن العقد شريعة المتعاقدين، فإن عدم الوفاء به يستوجب التعويض، وهذا ما عبّر عنه المشرع في الفصل 263 إذ يقول: «يستحق التعويض إما بسبب عدم الوفاء بالالتزام، وإما بسبب التأخر في الوفاء، وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين».

أما المسؤولية التقصيرية فهي التي تنشأ عن الإخلال بالواجبات التي يفرضها القانون، مثال ذلك ضرورة احترام حقوق الجوار، أو كمسؤولية سائق السيارة الذي يقودها دون حيطة فيصيب إنساناً أو يتلف مالاً للغير، أو كاشتراط القانون عدم الإضرار بالغير، فكل من تسبب في وقوع هذا الضرر يلزم بأداء التعويض للطرف المضرور. وقد قرر المشرع المغربي هذه القاعدة في الفصل 77 بقوله: «كل فعل ارتكبه الإنسان عن بيّنة واختيار، ومن غير أن يسمح به القانون فأحدث ضرراً مادياً أو معنوياً للغير، ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر».

بعض الفقه يرى أنه لا تمييز بين المسؤوليتين، وهؤلاء هم أنصار نظرية وحدة المسؤولية، بينما يرى آخرون أن هناك اختلافاً بينهما وهم أنصار مذهب ازدواج المسؤولية.

فكرة ازدواج المسؤولية

يشكّل أنصار نظرية ازدواجية المسؤولية الاتجاه الحديث، وهم يقولون بأن هناك فروقاً هامة ما بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية، تقتضي وجوب التمييز بينهما حتى يُطبَّق على كل منهما ما يخصه من أحكام. ويجملون هذه الفروق في الوجوه التالية:

وجه المقارنةالمسؤولية العقديةالمسؤولية التقصيرية
الأهليةتُشترط أهلية الرشد في أغلب العقودتكفي أهلية التمييز (الفصل 96)
الإثباتالمدين يثبت أنه قام بالتزامه بعد أن يثبت الدائن وجود الحقالدائن يثبت أن المدين ارتكب عملاً غير مشروع
التقادم15 سنة مبدئياً مع استثناءات (كعقد النقل الجوي: سنتان؛ عقد النقل البحري: سنة)15 سنة (الفصل 106)
الإعذاريُشترط اعذار المدين، ما عدا حالات استثنائيةلا يُشترط
التعويضعن الضرر المباشر المتوقَّع فقطعن أي ضرر مباشر، متوقعاً كان أو غير متوقَّع
التضامنلا تضامن إلا بإرادة صريحة (الفصل 164)التضامن ثابت بحكم القانون عند تعدد المسؤولين
درجة الخطأتتوقف على طبيعة الالتزام (غاية أو وسيلة)تقوم دائماً، جسيماً كان الخطأ أو يسيراً
الإعفاء الاتفاقييجوز الاتفاق على الإعفاء أو التخفيفلا يجوز، لتعلقها بالنظام العام
الاختصاصمحكمة المدعى عليه، ما لم يُتفق على غيرهامحكمة المدعى عليه كأصل عام
القانون الواجب التطبيققانون دولة إبرام العقدقانون دولة وقوع الضرر

فكرة وحدة المسؤولية

من أهم المناصرين لهذه النظرية الفقيه بلانيول، وهي تقوم على فكرة مفادها أن لا محل للتمييز بين المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية، فكلاهما جزاء لالتزام سابق، هذا الجزاء إما أن يكون التزاماً عقدياً وإما أن يكون التزاماً قانونياً، وفي كلتا الحالتين تتحقق المسؤولية لسبب واحد هو إخلال المدين بهذا الالتزام، فالمسؤوليتان تتحدان في السبب والنتيجة، فتكون طبيعتهما واحدة ولا مجال للتفريق بينهما.

وعلى الرغم من مناصرة فريق من الفقهاء لوحدة المسؤولية المدنية، إلا أن معظم التشريعات المعاصرة أخذت بازدواجية المسؤولية، فجعلت من المسؤولية التقصيرية مصدراً للالتزام، واعتبرت المسؤولية العقدية أثراً من آثار العقد الذي تم الإخلال به.

📗 خلاصة الباب

  • ● المسؤولية المدنية (العمل غير المشروع) من أهم مصادر الالتزام وفق الفصل الأول من ق.ل.ع، وتنقسم إلى مسؤولية عقدية (جزاء الإخلال بالعقد) ومسؤولية تقصيرية (جزاء الإخلال بواجب قانوني عام بعدم الإضرار بالغير).
  • ● المسؤولية المدنية هي تحمّل الشخص عواقب التقصير الصادر عنه أو عمن يسأل عنهم من أشخاص وأشياء، والتزامه بإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه أو بالتعويض.
  • ● تختلف المسؤولية المدنية عن الأخلاقية (التي لا تشترط ضررا فعليا) وعن الجنائية (التي تحمي المجتمع بالعقاب لا الفرد بالتعويض) من حيث الأساس والجزاء والتقادم والمدعي.
  • ● قد تجتمع المسؤوليتان المدنية والجنائية في فعل واحد فتتأثر إحداهما بالأخرى وفق قاعدة «الجنائي يعقل المدني»، ويتميز الفقه بين نظرية وحدة المسؤولية ونظرية ازدواج المسؤولية العقدية والتقصيرية.

شارك عبر واتسابشارك عبر فيسبوك
فوزي أكريم
بقلم
باحث في القانون المغربي، ومؤلف المكتبة القانونية على «خمسين دار». عن المؤلف ←

كتبه

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

📚 المكتبة القانونية