📖 المسؤولية المدنية — الفصل 6 من 10 — فهرس الكتاب
الفصل الأول : أساس المسؤولية الإدارية ومصدرها
بجانب المسؤولية المدنية بين الأفراد التي عالجتها الأبواب السابقة، تطرح مسؤولية أخرى ذات طبيعة خاصة: مسؤولية الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية عن الأضرار التي تُلحقها أعمالها ونشاطاتها بالأفراد. هذه المسؤولية لا يحكمها قانون الالتزامات والعقود مباشرة، بل نشأت واستقرت أحكامها بصفة أساسية عبر الاجتهاد القضائي الإداري، تأسياً بالمسار الذي سلكه القضاء الإداري الفرنسي الذي استقى منه المغرب تنظيمه الإداري.
الأساس القانوني : أنشأ القانون رقم 41.90 المحاكم الإدارية، ومنحها الاختصاص صراحة بالبت في دعاوى المسؤولية عن أضرار أشخاص القانون العام. جاء في المادة 8 من هذا القانون: «تختص المحاكم الإدارية بالبت ابتدائياً في طلبات… ودعاوى التعويض عن الأضرار التي تسببها أعمال ونشاطات أشخاص القانون العام، ما عدا الأضرار التي تسببها في الطريق العام مركبات أياً كان نوعها يملكها شخص من أشخاص القانون العام». وهذا الاستثناء الأخير يعني أن حوادث السير التي تتسبب فيها مركبات تابعة للدولة تبقى من اختصاص القضاء العادي (المحاكم الابتدائية)، لا القضاء الإداري.
الفصل الثاني : أساسا قيام المسؤولية الإدارية
استقر الفقه والقضاء الإداريان، تأثراً بالمدرسة الفرنسية، على التمييز بين نوعين من أساس المسؤولية الإدارية:
أولاً : المسؤولية القائمة على الخطأ
وتقوم على الأركان ذاتها التي تقوم عليها المسؤولية عن العمل الشخصي في القانون المدني: الخطأ والضرر وعلاقة السببية بينهما. غير أن أصالة المسؤولية الإدارية هنا تكمن في التمييز بين نوعين من الخطأ:
• الخطأ المرفقي (خطأ المصلحة) : هو الخطأ الذي يُنسب إلى الإدارة ذاتها بوصفها شخصاً معنوياً، حتى وإن كان من ارتكبه مادياً أحد موظفيها، ما دام هذا الخطأ لا يُعتبر خطأً شخصياً منفصلاً عن الوظيفة. ويظهر الخطأ المرفقي في صور متعددة أبرزها: سوء سير المرفق العام، وامتناع المرفق عن أداء الخدمة المتوجبة عليه، والتأخر في أداء الخدمة. والدعوى عن الخطأ المرفقي تُرفع أمام القضاء الإداري في مواجهة الإدارة ذاتها.
• الخطأ الشخصي : هو الخطأ الذي ينفصل عن الوظيفة، إما لأنه ارتُكب خارج نطاقها أو لأنه يكشف عن نية الإضرار أو جسامة استثنائية لا تُنسب إلى المرفق بل إلى شخص الموظف وحده. والدعوى عن الخطأ الشخصي تُرفع أمام القضاء العادي في مواجهة الموظف بشخصه، لا في مواجهة الإدارة.
هذا التمييز ليس مطلقاً دائماً، فقد يجتمع الخطآن في الفعل الواحد (خطأ شخصي ارتُكب أثناء تأدية الوظيفة وبمناسبتها)، فيكون للمتضرر الخيار في مقاضاة الإدارة أو الموظف أو كليهما.
ثانياً : المسؤولية القائمة على المخاطر (بلا خطأ)
وتُعد هذه المسؤولية استثناءً من القاعدة العامة التي تقيم المسؤولية على أساس الخطأ، فهي مسؤولية موضوعية لا يُشترط فيها إثبات خطأ الإدارة، وإنما يكفي إثبات الضرر وعلاقته بنشاط الإدارة. ولا تقوم هذه المسؤولية إلا إذا لحقت الأضرار الناجمة عن نشاط الإدارة فرداً معيناً بذاته أو أفراداً معينين بذواتهم، ويجب أن تكون هذه الأضرار على قدر كبير من الجسامة والخصوصية بحيث تخل بمبدأ المساواة أمام الأعباء العامة. ومن تطبيقاتها: مسؤولية الإدارة عن الأضرار الناتجة عن الأشغال العامة، ومسؤوليتها عن الأخطار الاستثنائية التي تنشأ عن استعمال وسائل أو طرق خطيرة، ومسؤوليتها عن الامتناع عن تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها لاعتبارات تتعلق بالنظام العام.
الفصل الثالث : الطعن في قرارات الإدارة عن طريق الإلغاء ودعوى التعويض
قد تقترن دعوى التعويض عن خطأ إداري بطعن بالإلغاء ضد القرار الإداري المتسبب في الضرر، فيمكن للمتضرر أن يطعن في القرار أمام المحكمة الإدارية طلباً لإلغائه، مع مطالبته في الآن نفسه أو بدعوى مستقلة بالتعويض عن الأضرار الناجمة عنه. وإذا حكمت الإدارة بتعويض المتضرر عن خطأ ارتكبه أحد موظفيها، جاز لها أن ترجع على هذا الموظف بواسطة قرار إداري يمكن الطعن فيه بدوره بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية، وذلك ضماناً لعدم تحميل خزينة الدولة تبعة أخطاء موظفيها الشخصية.
📗 خلاصة الباب
- ● مسؤولية الدولة والجماعات الترابية عن أضرار نشاطها الإداري لا يحكمها ق.ل.ع مباشرة بل نشأت عبر الاجتهاد القضائي الإداري، واختصت بها المحاكم الإدارية بموجب القانون 41.90.
- ● تقوم المسؤولية الإدارية على أساس الخطأ، الذي ينقسم إلى خطأ مرفقي يُنسب للإدارة ذاتها وخطأ شخصي يُنسب للموظف منفصلا عن وظيفته، أو على أساس المخاطر دون خطأ في حالات استثنائية كالأضرار الجسيمة الناجمة عن الأشغال العامة.
- ● الدعوى عن الخطأ المرفقي تُرفع أمام القضاء الإداري ضد الإدارة، بينما تُرفع دعوى الخطأ الشخصي أمام القضاء العادي ضد الموظف، وقد يجتمع الخطآن فيُخيَّر المتضرر بين مقاضاة الإدارة أو الموظف أو كليهما.
- ● يمكن للمتضرر الجمع بين الطعن بالإلغاء ضد القرار الإداري المتسبب في الضرر ودعوى التعويض عن هذا الضرر، أمام المحكمة الإدارية.
◀ الفصل السابق: الباب الثالث : المسؤولية عن فعل الشيء
الفصل التالي: الباب الخامس : دعوى المسؤولية ▶
اترك تعليقاً